من مَواقع الخِطاب وخطَطِه Discourse Strategies

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أ.د عبد الرحمن بو درع
    نائب رئيس المجمع
    • Mar 2012
    • 806

    #1

    من مَواقع الخِطاب وخطَطِه Discourse Strategies

    في تحليل الخطاب:
    استراتيجيات الخطاب، أو خطط الخطاب ومواقعه
    Stratégie de Communication / Stratégie de Discours

    من هذه المَواقع : موقع التّلميح Stratégie d' Insinuation
    وموقع التضامن أو التعاون Stratégie de Coopération


    نلاحظُ الموقعَيْن اللذَيْن اتَّخذَهُما المتكلّمُ في حوارِه، أو أمِرَ أن يتَّخذَهُما، في قولِه تعالى:
    « قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللهُ وإنّا أو إيّاكُم لَعَلى هُدىً أو في ضلالٍ مُّبينٍ» سبأ:24

    وإليكم تفصيل الموقعَيْن [التلميح والتعاوُن]:

    َالتلميح:
    عَطفَ جملةَ [وإنّا أو إيّاكم] على جُملةِ الاستفهام، وفيها إبرازُ المَقْصدِ الخَفيّ بطريقة بَليغةٍ [تَلْميح] تُوقِع الخصمَ في شَرَكِ المَغلوبيّة وذلكَ بحصرِ حالتي الفَريقَيْنِ المُتَجادلَيْنِ
    بينَ موافَقَة الحقّ والهُدى ومُوافَقَة الباطلِ والضَلال؛ ولذلكَ جاءَ حرف العطفِ أو ليُفيدَ التّرديدَ بين حالَتَيْن. «وهذا اللّونُ من الكلام يُسمّى الكَلامَ المُنصِفَ، وهو أن لا يَتركَ
    المُجادلُ لخَصمِه موجِبَ تَغيُّظٍ واحْتدادٍ في الجِدالِ، ويُسمى في علم المُناظرة [الحِجاج] إرخاءَ العنانِ للمُناظِر، ومع ذلكَ فقَرينة إلزامِهم الحُجّةَ قَرينةٌ واضحةٌ.» [التحرير والتنوير]

    ومن لَطائفِ الآيَة وبَلاغتها ومواقع المتكلّمِ أن اشتَمَلت على إيماءٍ [تلميح] إإيماءٍ إلى ترجيح جانبٍ من الجانبَيْنِ في احتمالٍ من أحدِ الاحتمالَيْنِ بطريق مُقابلة الجانبين في التّرتيب
    فقَد رُتّبَت حالتا الفَريقَيْن بما يُعرَفُ باللّفّ والنّشرِ؛ فقد ذَكَرَ ضَميرَ جانبَ المُتكلم ومَن مَعَه وجانبَ المُخاطَبين، ثم ذَكَر حالَ الهُدى وحالَ الضّلال على ترتيب ذِكْرِ الجانبين، فأومأ
    ولمَّحَ إلى أنّ الأوَّلِينَ مُهتَدونَ أو موجَّهون إلى الهدى أمّا الآخرون فهم على ضلالٍ مبينٍ، حصلَ هذا التّرتيبُ كلّه بعدَ الفائدةِ التي حَمَلتْها قَرينةُ الاستفهام، وهذا أيضاً من الإيماءِ
    والتّلميحِ والتّعريض، وهو أبلَغُ من التّصريحِ وأوقعُ في النّفسِ.


    التَّعاوُن أو التّضامُن في بيان الحقّ:
    الآيةُ تُعرِبُ عن الغايَة في النَّصَفَة في الجدالِ والاعتدال في الحوارِ والمُحاجَّة. فالمُحاوِرُ الرّاغبُ في الوصولِ إلى الحقّ يقول للمشركين: أحدُنا على هدى، والآخر على ضلال، من غيرِ تَعيين؛
    ليثير في المُخاطَبينَ التدبر والتفكر في هدوء لا تعتريه عزةٌ بإثم ولا رغبة في جدالٍ ومُحال. فإنما المُحاورُ صلى الله عليْه وسلَّمَ هادٍ ومُعلمٌ، يبتغي هداهم وإرشادهم لا إذلالهم وإفحامهم،
    لمجرد الإذلال والإفحام. والجدلُ على هذا النحو المُهذَّب أقربُ إلى لمس قلوب المستكبرين المعاندين المتطاولين بالجاه والمقام، المستكبرين، على الإذعان والاستسلام، وأجدرُ أن يثير
    التدبر الهادئ والاقتناع العميق. والإنصافُ والاعتدالُ منهجٌ قويمٌ سديدٌ في الحجاج: «قُلْ لا تُسألون عَمّا أجْرَمنا، ولا نُسألُ عَمّا تَعملونَ».

    فائدةٌ رائعةٌ:
    1- أداةُ الاستفهامِ "مَن" فيها ما يُفيدُ التَّنبيهَ على الخَطأ، ولذلكَ أعقب بالجواب من قِبَلِ السائل بقوله: "قل الله" لإثباتِ أنّهُم لا يُنكرونَ ذلكَ الجوابَ. وفي سورةٍ أخرى: «فَسَيَقولون الله» فهذا
    جوابٌ يُجيبون به ولا يُنكرونَ خَلْقَ الله، فلا يَملكونَ أن يُماروا في الحقّ البيّنِ ولا أن يَدَّعوا غيرَه.

    2- عندَما أورَدَ جانبَ أهلِ الحقّ والهُدى جاءَ بحرف الجرّ المُفيدِ الاسْتِعلاءَ المُسْتَعارَ للتّمكن [على]، وذلِكَ تمثيلاً لحال المهتدي بحال المتصرّف في أموره وأدواته كما يَشاءُلبُلوغِ مَقْصِدِه. وأورَدَ
    في جانب أهلِ الباطلِ والضّلالِ حرفَ الجرّ [في] الذي يُفيدُ الظّرفيةَ المُستعارَةَ لشدَّة التَّلبُّس بصفة الباطلِ والضّلالِ، «تَمثيلاً لحالهم في إحاطة الضَّلال بهم بحال الشيء في ظرف محيط به
    لا يتركه يُفارقه ولا يتطلع منه على خلاف ما هو فيه من ضيق يلازمه.»
    التعديل الأخير تم بواسطة أ.د عبد الرحمن بو درع; الساعة 11-14-2014, 02:25 PM.
يعمل...