مُنَمْنَماتٌ عَلى جُدْرانِ الْمَجالِسِ الْعَربيَّةِ
انْتَزَعَها الدُّكْتورُ مُحَمَّدْ جَمالْ صَقْرْ
5
عُقوقُ الشُّعَراءِ
" قالَ بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ :
لا خَيْرَ في الْعَيْشِ إِنْ دُمْنا كَذا أَبَدًا لا نَلْتَقي ، وَسَبيلُ الْمُلْتَقى نَهَـــجُ
قالوا : حَرامٌ تَلاقينا ؛ فَقُلْتُ لَهُمْ : ما في التَّلاقي وَلا في غَيْرِهِ ، حَرَجُ
مَنْ راقَبَ النّاسَ لَمْ يَظْفَرْ بِحاجَتِهِ ، وَفازَ بِالطَّيِّبـاتِ الْفاتِكُ اللَّهِـــجُ !
فَقالَ سَلْمٌ الْخاسِرُ أَبْياتًا ، ثُمَّ أَخَذَ مَعْنى هذا الْبَيْتِ ، فَسَلَخَهُ ، وَجَعَلَهُ في قَوْلِهِ :
مَنْ راقَبَ النّاسَ ماتَ غَمًّا ، وَفازَ بِاللَّذَّةِ الْجَسورُ !
فَبَلَغَ بَيْتُهُ بَشّارًا ؛ فَغَضِبَ ، وَاسْتَشاطَ ، وَحَلَفَ أَلّا يَدْخُلَ إِلَيْهِ وَلا يُفيدَهُ وَلا يَنْفَعَهُ ما دامَ حَيًّا !
فَاسْتَشْفَعَ إِلَيْهِ بِكُلِّ صَديقٍ لَهُ وَكُلِّ مَنْ يَثْقُلُ عَلَيْهِ رَدُّهُ ؛ فَكَلَّموهُ فيهِ ، فَقالَ : أَدْخِلوهُ إِلَيَّ ، فَأَدْخَلوهُ إِلَيْهِ ، فَاسْتَدْناهُ ، ثُمَّ قالَ : إيهٍ ، ياسَلْمُ ، مَنِ الَّذي يَقولُ :
مَنْ راقَبَ النّاسَ لَمْ يَظْفَرْ بِحاجَتِهِ ، وَفازَ بِالطَّيِّبـاتِ الْفاتِكُ اللَّهِـجُ ؟
قالَ : أَنْتَ يا أَبا مُعاذٍ . قَدْ جَعَلَنِيَ اللّهُ فِداءَكَ !
قالَ : فَمَنِ الَّذي يَقولُ :
مَنْ راقَبَ النّاسَ ماتَ غَمًّا ، وَفازَ بِاللَّذَّةِ الْجَسورُ ؟
قالَ : تِلْميذُكَ وَخِرّيجُكَ وَعَبْدُكَ ، يا أَبا مُعاذٍ !
فَاجْتَذَبَهُ إِلَيْهِ ، وَقَنَّعَهُ بِمِخْصَرَةٍ كانَتْ في يَدِهِ ثَلاثًا ، وَهُوَ يَقولُ : لا أَعودُ - يا أَبا مُعاذٍ - إِلى ما تُنْكِرُهُ ، وَلا آتي شَيْئًا تَذُمُّهُ ؛ إِنَّما أَنا عَبْدُكَ وَتِلْميذُكَ وَصَنيعَتُكَ ! وَهُوَ يَقولُ لَهُ : يا فاسِقُ ، أَتَجيءُ إِلى مَعْنًى قَدْ سَهِرَتْ لَهُ عَيْني ، وَتَعِبَ فيهِ فِكْري ، وَسَبَقْتُ النّاسَ إِلَيْهِ ، فَتَسْرِقَهُ ، ثُمَّ تَخْتَصِرَهُ لَفْظًا تُقَرِّبُهُ بِهِ لِتُزْرِيَ بِهِ عَلَيَّ وَتُذْهِبَ بَيْتي ! وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ أَلّا يَعودَ ، وَالْجَماعَةُ يَسْأَلونَهُ !
فَبَعْدَ لَأْيٍ ما شَفَّعَهُمْ فيهِ ، وَكَفَّ عَنْ ضَرْبِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ لَهُ ، وَرَضِيَ عَنْه " !
عن الأصفهاني في " الأغاني "
انْتَزَعَها الدُّكْتورُ مُحَمَّدْ جَمالْ صَقْرْ
5
عُقوقُ الشُّعَراءِ
" قالَ بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ :
لا خَيْرَ في الْعَيْشِ إِنْ دُمْنا كَذا أَبَدًا لا نَلْتَقي ، وَسَبيلُ الْمُلْتَقى نَهَـــجُ
قالوا : حَرامٌ تَلاقينا ؛ فَقُلْتُ لَهُمْ : ما في التَّلاقي وَلا في غَيْرِهِ ، حَرَجُ
مَنْ راقَبَ النّاسَ لَمْ يَظْفَرْ بِحاجَتِهِ ، وَفازَ بِالطَّيِّبـاتِ الْفاتِكُ اللَّهِـــجُ !
فَقالَ سَلْمٌ الْخاسِرُ أَبْياتًا ، ثُمَّ أَخَذَ مَعْنى هذا الْبَيْتِ ، فَسَلَخَهُ ، وَجَعَلَهُ في قَوْلِهِ :
مَنْ راقَبَ النّاسَ ماتَ غَمًّا ، وَفازَ بِاللَّذَّةِ الْجَسورُ !
فَبَلَغَ بَيْتُهُ بَشّارًا ؛ فَغَضِبَ ، وَاسْتَشاطَ ، وَحَلَفَ أَلّا يَدْخُلَ إِلَيْهِ وَلا يُفيدَهُ وَلا يَنْفَعَهُ ما دامَ حَيًّا !
فَاسْتَشْفَعَ إِلَيْهِ بِكُلِّ صَديقٍ لَهُ وَكُلِّ مَنْ يَثْقُلُ عَلَيْهِ رَدُّهُ ؛ فَكَلَّموهُ فيهِ ، فَقالَ : أَدْخِلوهُ إِلَيَّ ، فَأَدْخَلوهُ إِلَيْهِ ، فَاسْتَدْناهُ ، ثُمَّ قالَ : إيهٍ ، ياسَلْمُ ، مَنِ الَّذي يَقولُ :
مَنْ راقَبَ النّاسَ لَمْ يَظْفَرْ بِحاجَتِهِ ، وَفازَ بِالطَّيِّبـاتِ الْفاتِكُ اللَّهِـجُ ؟
قالَ : أَنْتَ يا أَبا مُعاذٍ . قَدْ جَعَلَنِيَ اللّهُ فِداءَكَ !
قالَ : فَمَنِ الَّذي يَقولُ :
مَنْ راقَبَ النّاسَ ماتَ غَمًّا ، وَفازَ بِاللَّذَّةِ الْجَسورُ ؟
قالَ : تِلْميذُكَ وَخِرّيجُكَ وَعَبْدُكَ ، يا أَبا مُعاذٍ !
فَاجْتَذَبَهُ إِلَيْهِ ، وَقَنَّعَهُ بِمِخْصَرَةٍ كانَتْ في يَدِهِ ثَلاثًا ، وَهُوَ يَقولُ : لا أَعودُ - يا أَبا مُعاذٍ - إِلى ما تُنْكِرُهُ ، وَلا آتي شَيْئًا تَذُمُّهُ ؛ إِنَّما أَنا عَبْدُكَ وَتِلْميذُكَ وَصَنيعَتُكَ ! وَهُوَ يَقولُ لَهُ : يا فاسِقُ ، أَتَجيءُ إِلى مَعْنًى قَدْ سَهِرَتْ لَهُ عَيْني ، وَتَعِبَ فيهِ فِكْري ، وَسَبَقْتُ النّاسَ إِلَيْهِ ، فَتَسْرِقَهُ ، ثُمَّ تَخْتَصِرَهُ لَفْظًا تُقَرِّبُهُ بِهِ لِتُزْرِيَ بِهِ عَلَيَّ وَتُذْهِبَ بَيْتي ! وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ أَلّا يَعودَ ، وَالْجَماعَةُ يَسْأَلونَهُ !
فَبَعْدَ لَأْيٍ ما شَفَّعَهُمْ فيهِ ، وَكَفَّ عَنْ ضَرْبِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ لَهُ ، وَرَضِيَ عَنْه " !
عن الأصفهاني في " الأغاني "
