عمي ياسين

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أ.د. محمد جمال صقر
    عضو المجمع
    • Oct 2012
    • 1371

    #1

    عمي ياسين

    عمي ياسين
    على رغم أمراضه البادية والخافية ، دلف قبلي إلى محفل مناقشتة رسالتي للماجستير سنة ثلاث وتسعين وتسعمئة وألف للميلاد ، متوكئا ذات اليمين على عصاه ، وذات الشمال على أبي .
    عرّفته إلى ضيفي العظيم محمود محمد شاكر ، رحمه الله !
    - عمي ياسين مندور ، زوج خالتي ، من قرائكم في الثلاثينيات .
    - أسرها في نفسه ، ثم أبداها .
    - ألا تكفي " عمي ياسين مندور " !
    - يا لها زلة !
    - أين أخفي وجهي من سائر أهلي الذين يناديه فيهم بالأبوة من هم مثلي بل أكبر !
    - يا ضيعة ما أدبني !
    - ياسر أبر منك !
    - أجل . غفر الله لي !
    ليت ياسرا ابنه يعلم ما قاله فيه ، ويجهل ما فعله لي !
    لقد كان لي بحدائق الزيتون من القاهرة ، معلما ودودا رحيما .
    لم يكن في ذاكرتي طفلا عن منزله المشرف على طريق القطار ، إلا أنه شقة يسرى من أعلى طوابق مبناها الثلاثة ، صغيرة المساحة ، ضاحية للشمس ، لينة للقطار – تمشي إليه بحذائه طويلا ، أسرتي الآيبة من بني سويف إلى المنوفية ، المتلبثة بالقاهرة للزيارة ، فيصخب فيه اثنا عشر صوتا لو ماد بها لعذرته المنازل !
    ثم لما أقمت بجمعية رعاية الطلاب ، طالبا بكلية دار العلوم من جامعة القاهرة ، فارتحت إليه – أكثرت زيارته ، حتى لتستقل بذاكرتي أحجار وأشجار وقضب قطار كان بخاريا عنيفا فصار كهربائيا لطيفا .
    كانت بالمملكة السعودية أسرتي كلها إلا أنا وأختي الطالبة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعتي نفسها ، فكنت مرة أمكث بمقامي ، وربما زرت أختي بمقامها ، ومرة أرحل إلى قريتي ، ومرة أزوره .
    أملأ حقيبتي الرياضية الحمراء التافهة ، كتبا قيمة وملابس متوسطة ، ثم أذهب فأركب إلى رمسيس الحافلة الخامسة عشرة ، حافلة دار العلوم ( موقفها أمام بابها ، وركابها طلابها غير القاهريين الذين موقف أحمد حلمي خلف ميدان رمسيس منتقلهم إلى بلادهم ) ، ثم أمشي قليلا لأركب قطار عزبة النخل الذي يمر بحدائق الزيتون ، فأعتلي في سبيل ذلك الجسر المحاذي لتمثال رمسيس الثاني ، فأطاوله ، فأعلوه .
    - ها أنا ذا فوقك ، أيها الفرعون العظيم !
    ولدت شاردا . قالت لي أمي مرة : كنت وأنت رضيع ، إذا حملت بكيت ، وإذا وضعت كففت ! ربما قطع حملي شرودي ، ووصله وضعي !
    " وأنا في رياض المثال الغريب أحاول سورة هاء الشهود بآية راء الشرود " براء ص 62 .
    لذلك سهلت علي آنئذ الحافلة ، وصعب القطار ؛ إذ أبقى فيها حتى موقفها ( ميدان رمسيس ) ، فينزل بي منها الركاب والسائق والتابع ، أما القطار فلو لم أتعلق بمعالم طريقه ، لتنازعتني الجهات !
    أنزل من القطار ، فأمشي بحذاء طريقه ، سعيدا باتصال الحاضر والماضي ، إلى شارع أبادير ، ثم أختطف درج المبنى الثالث ، إلى الطابق الأعلى والشقة المفتوحة الباب غالبا ، وكأنه رسول أبواب دور قريتنا إلى أبواب شقق القاهرة ، يدعوها إلى الانفتاح ! ولو صادفته مغلقا ، لجذبتني على ظهره لوحة نحاسية باسم الرائد ياسين مندور !
    أجل ، معلمي الودود الرحيم ، كان ضابطا بالجيش المصري . لكن ظن برجل عاقل عالم فنان ضابط .
    لقد بقيت سبع سنوات ، منذ أن طلبت بالقاهرة إلى أن تزوجت فأقمت بمنوف ، زوارا له دوارا عليه بما يحدث لي ، أقص عليه كالسائل ، فيقص علي كالمجيب ، حتى اشتملت على طرف عزيز من علمه وفنه ، كأنه أمنية مصطفى صادق الرافعي " أن تصاحب عالما عاملا خير لك من أن تحفظ مئة كتاب " ، أخطأها ، فأصبتها هبة لم أطلبها جهلا بها لا غنى عنها .
    كنت بجواب عينه أعرف قيمة ما قلت ، ثم بجواب لسانه أعرف ما ينبغي أن أقول .
    كانت نظرته أفصح من محككة الحكيم ، وكلمته أشعر من حولية الشاعر .
    - اخرج إلى موعدك قبله بزمان ، فربما طرأ عائق .
    ثم يضبط لي منبهه ، ويتفقد يقظتي إلى ما يعرف من مواعيدي .
    - من لمعان حذائه يعرف الأنيق .
    ثم يقتطع لي من قطيفة عزيزة لديه , قطعة بوصية أن أحملها معي دائما ألمع بها حذائي ، فأفعل ، لأعرف قريبا أنه صنع ذلك نفسه لأخوي !
    - لا يضر الأنيق عجزه عن تعديد الأثواب ، فثوب واحد نظيف مكوي ، فيه كفايته .
    ثم تختدعني خالتي إلى حقيبتي الرياضية الحمراء التافهة ، فتستخرج أثوابي ، فتغسلها وتنشرها ، فلا أؤوب بها إلى مقامي إلا نظيفة مجهزة .
    - استوثق من نظافة أدواتك .
    ثم يأخذ كوب شاي غسلته ، فيريني كيف تتعثر بالماء على زجاجه دوائر الوسخ الخفي ، ثم يدلكه بليفة مرغية ، ثم يغسله ويريني كيف يجري على زجاجه الماء لامعا كأنما صنع الآن .
    - سوء الطعام من سبل الحمية !
    ثم ينصح لزوجه الصناع المراعية نصيحة الطبيب له ، أن تسيء هي صناعة الطعام ليقلل هو أكله !
    - الناس مختلفون طاقة .
    ثم ينصح لي ألا أهلك نفسي بحملها على ما يطيقه غيرها ولا تطيقه .
    - ينبغي للمستمتع أن ينشط .
    ثم ينصح لي أن أرتاح في الجلوة .
    - ليس في العري من جمال .
    ثم يستبعد لذلك أن تتجرد إغواء الغواني .
    - ليست الرقة من أوصاف الرجال .
    ثم يعيب علي وصفي له بالرقيق ، في خلال إهدائي إياه مجموعتي الشعرية الأولى .
    - من الرجال من لا يبوح بحبه .
    ثم ينصح لي ألا أنتظر بوح بعض الرجال بحبه .
    - لكل كلام رجال .
    ثم يحكي لي كيف انتظمه مرة صف رجال يشترون خبزا ، فسمع أحدهم يسيء القول في النساء ، حتى ليجعل المرأة منهن نعلا يلبسها الرجل ! فعاتبه على ذلك بأنها التي يحتضنها كل مساء ! فغضب الرجل : تقصد أنني وامرأتي نعلان ! فأنشده :
    ليلى على دين قيس فحيث مال تميل
    وكل ما سر قيسا فعند ليلى جميل
    فأنكر عليه الرجل أن يسب دينه ، ولولا السن لربما ضربه أو سبه !
    - والدك عالم فنان .
    ثم ينعى علي تقصيري عما ينبغي من ملازمته ومحاورته .
    - كان العقاد فاتكا !
    ثم يحكي لي كيف كتب في الفلسفة فآخذه بقلة الاطلاع بعض الفلاسفة , فجاءه من مقالته التالية بما أعجزه مما قرأه بين المقالتين .
    - إنما نبه الخولي إلى بنت الشاطئ اجتهادها .
    ثم يحكي لي كيف سأل الخولي تلامذته عما قرأوه ، فأدهشته دونهم بما قرأت ، بنت الشاطئ تلميذته التي تزوجها بعدئذ .
    - القراءة أهم من الطعام .
    ثم يحكي لي كيف أنفق في الكتب مال الطعام راضيا بالجوع .
    - للكتاب حرمة .
    ثم يعلمني كيف أعامله وأحميه ، لا يسمح بإعارة كتبه ، وإن أهداني منها .
    - ينبغي للشاعر أن يختار الكلمات السهلة القريبة من الناس .
    ثم يعيب علي في أوليتي وحشية كلماتي ، ثم يضحك بعدئذ من تحدرها سهلة قريبة .
    - ليس أعذب في الموسيقا من ضحك الأطفال .
    ثم يحتفي بأطفال أبنائه ، يحدثهم ويسمع ، ويستثيرهم ويثور .
    - العصيان أدعى إلى الصدقة من الطاعة .
    ثم يرى السائلين على أبواب المعاصي أكثر وأحكم منهم على أبواب المساجد .
    - ليست مراتب الخشوع لله ، على حسب السلطان أو الجاه أو العلم .
    ثم يذكر سماكا أشعث أغبر أذفر ، صادفه حيث يصلي ، أحسن منه صلاة .
    ماتت خالتي – رحمها الله ! – بالقاهرة ، فانتظرناها بقريتنا حيث مثواها ، حتى وصل ركبها ، ثم صلينا عليها ودعونا لها ، ثم دفناها . لطف الله بكل أسرة استرد منها سبب رحمتها ! رأيت صغيرتها تنظر إلى جثمانها الطاهر نحمله ، فرأيت روحها يفر من عينيها إليها ، وادة لو حيت به دونها . رأيت أميرها قد أعجزته قدماه فقعد ، وأعجزته عيناه فبكى ، حتى إذا ما رأى أبي انتحب :
    - ماتت أم ياسر ! رحمها الله !
    بقي عمي ياسين وحيدا إلا من رعاية أهله ، حتى أخذه ابنه ياسر ليعيش معه في المملكة السعودية حيث يعمل .
    زارنا بعدئذ في منوف مرة ، فهرعت إليه وابتهجت به كمن انتبه من طول غفلة ، فوجدته ملولا كمن تغافل من طول انتباه !
    مات عمي ياسين - رحمه الله ! - هذه السنة الحادية والألفين للميلاد ، في صحبة ياسر ، وأنا بسلطنة عمان حي عجز عنه ، فأف لها حياة دنيا !
    أ.د.محمد جمال صقر
    PROF. MOHAMMAD GAMAL SAQR
    كلية دار العلوم، جامعة القاهرة
    FACULTY OF DAR EL-ULWM
    CAIRO UNIVERSITY
    www.mogasaqr.com
    mogasaqr@gmail.com
    mogasaqr.eg@gmail.com
    mogasaqr@yahoo.com
    saqr369@hotmail.com
    00201092373373
    0020223625210
يعمل...