السائل (عقيل): قرأت في بعض كتب الطب النبوي: أن في القرآن ستَّ آياتٍ ذُكر فيها الشفاء، مَن قرأها برئ -بإذن الله- هل هذا صحيح؟
الفتوى 139: القرآن كلّه شفاء لما في الصدور من أمراض الكفر والنفاق والزندقة والإلحاد، وكذلك أمراض الحسد والغل والحقد والشح وسوء الظن، وأمراض الهمِّ والغمِّ والحزن، ولا يعالج القرآن ما في القلوب من أمراض إلاّ إذا كان القلبُ قابلاً للمعالجة، وإلاّ فلن تزيدها آيات القرآن إلاّ رجسًا على رجسها، ومرضًا على مرضها. قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ}؛ لأنهم محجوبون عن أنوار القرآن وهدايته، كما أنّ الصّلاة لا تعين إلاّ من أقبل عليها، وشرح لها صدره، وكم من مصلٍّ لا تكون الصلاة قرّة عينه، ولا تزيده إلاّ همًّا وغمّاً؛ لأنه أفقدها رُوحها، وحجب عنها نورها ويُوحَها، وجعلها محلاًّ للذهول وهمِّ الدّنيا، ولم تكن إلاّ قيامًا وقعودًا وانتقالاً.. والآياتُ السِّتُّ التي أشرت إليها في سؤالك، هي قوله تعالى: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} [التوبة:14] وقوله: { قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} [يونس:57] وقوله: {فيه شفاء للناس} [النحل:69] وقوله: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الأسراء:82] وقوله: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء:80] وقوله: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت: 44]، ولم يرد حديث، ولا أثر صحيح ولا ضعيف في تعيينها، والفضائل لا تثبت إلّا بالشرع، وهذه الآيات ليست في سياق الدّعاء، بل في سياق الإخبار بأنّ القرآن شفاء لما في الصدور، أو أنه هو الشافي وحده، وأنه جعل في العسل شفاءً للنّاس، ولا يصح للعاقل أن يترك ما أخبر الله به من التداوي بالعسل الذي جعل فيه شفاء، ويكتفي بقراءة قوله سبحانه: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} هذا خبال وعِوج، وقد كان لبعض المتقدمين كلام في بعض آي القرآن والتداوي بها، ويجعلها من المجرَّبات، ولابن القيم في كتاب الطبّ النبوي توسُّع لا يوافق عليه، ذكر فيها آيات متفرقة لطائفة من الأمراض، منها قوله تعالى: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} لتعسُّر الولادة، ويحكي أمثال ذلك على شيخه أبي العباس ابن تيمية، ويقول: إنه كان يكتب بدم الرعاف على جبهة المصاب به قوله عز شأنه، وتقدس كلامه{وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي...}، وما أدري ما يقول في ذلك من يقول بنجاسة الدَّم؟ ولا حجة، ولا عصمة لأحد بعد رسول الله، وكل يؤخذ من قوله ويردّ، ومن أهل العلم مَن يقول: هذا مدسوس عليهما. وأمّا ما كان في القرآن من الدّعاء كدعاء أيوب، ودعاء زكريا، فهذا من خير الأدعية، التي يستجاب لها، سواء قال ذلك مرّة، أو عشرًا، أو أربعين، أو أكثر، والإلحاح أرجى للقبول، ومَن جعل لذلك حدًّا معيَّنًا فهو غالط، والله أعلم.
