أَوَّلًا الاسْتيعابُ الْأَوَّليُّ
افْتِراضُ الِاحْتِمالاتِ الْمُمْكِنَةِ
[9] اتسم تأسيس علماء العرب القدماء لعلومهم بمنطقية طبيعية واضحة ، ربما كانت وسيلة الوصول إلى النتائج القطعية . يظهر ذلك في حرصهم على التمهيد للعلم بافتراض الاحتمالات الممكنة التي تحقق استيعاب مسائله ، مهما يكن نصيب تلك الاحتمالات من الحدوث الحقيقي .
إن العالم حين يبدأ على هذا النحو ، يحقق الطمأنينة لنفسه أولا ، وللمتعلم ثانيا ؛ فيقتنعان جميعا بأن العرض التالي جدير بالثقة ، لن يترك شاردة من مسائل هذا العلم ولا واردة إلا أحصاها . وبعدئذ يستبيح العالم أن يجيز وأن يمنع ، وينبغي للمتعلم أن يخضع .
الْقِسْمَةُ الصَّرْفيَّةُ كَالتَّقْليبِ الْعَروضيِّ
[10] إنني أجد في اعتماد علم العروض على التَّقْليب وعلم الصرف على القِسْمَةِ العَقْليَّة ، ذلك الحرص على الاستيعاب الأولي السابق ذكره .
أما التقليب فالفكرة التي أخرج بها شيخنا الخليل معجمه " العين " كذلك ، ودلت الناس على رياضيَّة تفكيره . إن للتقليب في علم العروض ثلاثة استعمالات مترابطة :
أما الأول فتقليب الأسباب والأوتاد خارج الدوائر ، لضبط التفاعيل وإيرادها جميعا ؛ فإن ( فعولن ) التي تتكون من الوتد المجموع ( فعو ) والسبب الخفيف ( لن ) ، يقدم فيها السبب فتستحضر ( فاعلن = لن فعو ) ، وإن ( مفاعيلن ) التي تتكون من الوتد المجموع ( مفا ) والسببين الخفيفين ( عي ، لن ) ، يؤخر فيها الوتد ، فتستحضر ( مستفعلن = عيلن مفا ) ، ويقدم فيها أحد السببين على الوتد ، فتستحضر ( فاعلاتن = لن مفاعي ) ... وهكذا .
أما الاستعمال الثاني فتقليب التفاعيل أنفسها في الدوائر ، لضبط بعض الأبحر وإيرادها ؛ فإن بحر السريع الذي يتكون شطره من هذه التفاعيل ( مستفعلن مستفعلن مفعولاتُ ) ، تؤخر فيه التفعيلة الأولى ؛ فيستحضر بحر المنسرح ( مستفعلن مفعولاتُ مستفعلن ) ، وتقدم فيه التفعيلة الأخيرة ، فيستحضر بحر المقتضب ( مفعولاتُ مستفعلن مستفعلن ) ... وهكذا .
وأما الاستعمال الثالث فتقليب الأسباب والأوتاد في الدوائر ، لضبط بعض الأبحر وإيرادها ؛ فإن شطر بحر الطويل ( فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن ) ، المتكون من وتد مجموع فسبب خفيف ثم وتد مجموع فسببين خفيفين ثم وتد مجموع فسبب خفيف ثم وتد مجموع فسببين خفيفين ، يؤخر فيه الوتد المجموع الأول ، فيستحضر شطر بحر المديد ( فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن = لن مفاعي لن فعو لن مفاعي لن فعو ) - ويقدم فيه السببان الخفيفان الأخيران ؛ فيستحضر شطر بحر البسيط ( مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن = عيلن فعو لن مفا عيلن فعو لن مفا ) ... وهكذا .
أما القسمة العقلية فالفكرة البارزة في مناحي علم الصرف عامةً ؛ إذ تجد العالم يتعرض مثلا لصيغة الكلمة المجردة الثلاثية - والثلاثي عنده الأصل - فيقول أولا بترك حركة اللام للنحو إعرابا وبناء ، ثم يترك احتمال سكون الفاء لأن العربية لا يبتدأ فيها بساكن ، ثم يضرب ثلاثة أحوال الفاء المحتملة ( من فتح وضم وكسر ) ، في أربعة أحوال العين المحتملة ( من فتح وضم وكسر وسكون ) ؛ فيستحضر اثنتي عشرة صيغة للكلمة الثلاثية المجردة ، ولا يمكن فيها غيرها : ( فَعَل ، فَعُل ، فَعِل ، فَعْل ، فُعَل ، فُعُل ، فُعِل ، فُعْل ، فِعَل ، فِعُل ، فِعِل ، فِعْل ) .
جِنايَةُ الِاسْتيعابِ الْأَوَّليِّ عَلَى الْعَروضِ وَالصَّرْفِ
[11] لقد كانت نتيجة الاستعمال الأول للتقليب ، أن خرجت التفعيلة ( فاعِلاتُكَ ) ، بتقديم السبب الخفيف من ( مُفاعَلَتُنْ ) المتكونة من وتد مجموع ( مفا ) بعده سببان ثقيل فخفيف ( عَلَ ، تُنْ ) ، هكذا ( فاعِلاتُكَ = تُنْ مُفاعَلَ ) ، وهي مهملة ، لا وجود لها في عروض الشعر المعتمد عليه .
وكانت نتيجة الاستعمال الثاني للتقليب ، أن خرجت هذه الأبحر الخمسة ( بترتيب دوائر شيخنا الخليل ) :
1 المُسْتَطيل ، وشطره ( مفاعيلن فعولن مفاعيلن فعولن ) ، بتأخير أولى تفاعيل شطر الطويل ( فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن ) .
2 المُمْتَدّ ، وشطره ( فاعلن فاعلاتن فاعلن فاعلاتن ) بتأخير أولى تفاعيل شطر المديد ( فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن ) .
3 المُتَّئد ، وشطره ( فاعلاتن فاعلاتن مستفع لن ) ، بتأخير أولى تفاعيل شطر المجتث ( مستفع لن فاعلاتن فاعلاتن ) .
4 المُنْسَرِد ، وشطره ( مفاعيلن مفاعيلن فاع لاتن ) بتقديم أخرى تفاعيل شطر المضارع ( مفاعيلن فاع لاتن مفاعيلن ) .
5 المُطَّرِد ، وشطره ( فاع لاتن مفاعيلن مفاعيلن ) بتأخير أولى تفاعيل المضارع السابق نفسه ، وهي مهملة ، لا وجود لها في عروض الشعر المعتمد عليه كذلك .
وكانت نتيجة الاستعمال الثالث للتقليب ، أن خرج هذان البحران ( بترتيب دوائر شيخنا الخليل ) :
1 المُتَوَفِّر ، وشطره ( فاعلاتكَ فاعلاتكَ فاعلاتكَ ) ، بتقديم السبب الخفيف من آخر شطر الوافر هكذا : ( تنْ مفاعلَ تنْ مفاعلَ تنْ مفاعلَ ) .
2 المُحْدَث ، وشطره ( فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن ) ، بتأخير الوتد المجموع من أول شطر المتقارب هكذا : ( لن فعو لن فعو لن فعو لن فعو ) ، وهما مهملان ، لا وجود لهما في عروض الشعر المعتمد عليه .
وكانت نتيجة القسمة العقلية ، أن خرجت :
• للاسم الثلاثي المجرد هاتان الصيغتان :
1 فُعِل .
2 فِعُل .
• وللفعل الثلاثي المجرد هذه الصيغ التسع :
1 فَعْل . 2 فُعَل . 3 فُعُل .
4 فُعِل . 5 فُعْل . 6 فِعَل .
7 فِعُل . 8 فِعِل . 9 فِعْل .
وهي إما مهملة لا وجود لها في لغة العرب ، أو كالمهملة لعُروضها أحيانا وعدم أصالتها .
جَدْوى الِاسْتيعابِ الْأَوَّليِّ عَلَى الْعَروضِ وَالصَّرْفِ
[12] لقد كانت هذه النتائج بابا إلى نقد منهج أولئك العلماء القدماء ، دخل منه الباحثون الوصفيون قدماء ومحدثين ، حتى لقد قال الدكتور إبراهيم أنيس في ستة من الأبحر المهملة السابق ذكرها : " الذي أرجحه أن هذه الأوزان الستة لم تكن من اختراع المولَّدين من الشعراء ، بل كانت من اختراع المولَّدين من أهل العروض !! " .
أما أنها من اختراع العروضيين - وإن أوقعته ضرورة السخرية في مخالفة الحقيقة بنسبة ذلك إلى المولَّدين منهم ، وإنما أَحْدَثَه إمامهم شيخنا الخليل نفسه - فحقٌّ لا ريب فيه ولا إنكار منهم له ، بل قد وَصَفوها بالإهمال فصَدَقونا وصَدَقوا أنفسهم .
وأما أن عملهم هذا يضع من قدر علمهم ، فغير مقبول عند من يراعي السياق الثقافي ، وغير مقبول عند من يعرف الأثر الحميد لعملهم هذا ، في عمل الشعراء منذئذ وإلى الآن . لقد كان في ( المهمل ) مُتَنَفَّسٌ ومندوحة ومجال بكر ، للمجددين من الشعراء ، اغتنموه قليلا قليلا .
إنه إذا كانت مفردات المولَّدين كبيت من استعمل ( فاعلاتكَ ) وبحرها المتوفر ، قائلا :
" ما رَأَيْتُ مِنَ الْجَآذِرِ بِالْجَزيرَةِ إِذْ رَمَيْنَ بِأَسْهُمٍ جَرَحَتْ فُؤادي "
وبيت من استعمل بحر ( المستطيل ) ، قائلا :
" أَمِطْ عَنّي مَلامًا بَرى جِسْمي مَداه فَما قَلْبي جَليدًا عَلى سَمْعِ الْمَلام"
- قد حملته على استنكار ما اقترفه علماء العروض ، فقد كان في شيوعها في الشعر الموشح ، ثم في ظهور البحر السابع المهمل ( المحدث ) الذي سمي بعدئذ ( المتدارك ) ، في الشعر العمودي منذ زمان بعيد ، وغلبته على الشعر الحر في القرن الميلادي العشرين ، ما يكشف عبقرية عملهم ويطرح عنه الاستنكار والسخرية .
وليس أمر ( المهمل ) من صيغ الكلم في علم الصرف ، عن ذلك ببعيد ؛ فقد استعمل المتكلم العربي للأسماء صيغتي ( فُعِل ، فِعُل ) جميعا ، في ( دُئِل ، رُئِم ، حِبُك ) ، وللأفعال صيغتي ( فَعْلَ ، فِعِلَ ) مثلا ، في ( عَلْمَ ، شِهِدَ ) ؛ فدل على أن له بالمهمل حاجة .
افْتِراضُ الِاحْتِمالاتِ الْمُمْكِنَةِ
[9] اتسم تأسيس علماء العرب القدماء لعلومهم بمنطقية طبيعية واضحة ، ربما كانت وسيلة الوصول إلى النتائج القطعية . يظهر ذلك في حرصهم على التمهيد للعلم بافتراض الاحتمالات الممكنة التي تحقق استيعاب مسائله ، مهما يكن نصيب تلك الاحتمالات من الحدوث الحقيقي .
إن العالم حين يبدأ على هذا النحو ، يحقق الطمأنينة لنفسه أولا ، وللمتعلم ثانيا ؛ فيقتنعان جميعا بأن العرض التالي جدير بالثقة ، لن يترك شاردة من مسائل هذا العلم ولا واردة إلا أحصاها . وبعدئذ يستبيح العالم أن يجيز وأن يمنع ، وينبغي للمتعلم أن يخضع .
الْقِسْمَةُ الصَّرْفيَّةُ كَالتَّقْليبِ الْعَروضيِّ
[10] إنني أجد في اعتماد علم العروض على التَّقْليب وعلم الصرف على القِسْمَةِ العَقْليَّة ، ذلك الحرص على الاستيعاب الأولي السابق ذكره .
أما التقليب فالفكرة التي أخرج بها شيخنا الخليل معجمه " العين " كذلك ، ودلت الناس على رياضيَّة تفكيره . إن للتقليب في علم العروض ثلاثة استعمالات مترابطة :
أما الأول فتقليب الأسباب والأوتاد خارج الدوائر ، لضبط التفاعيل وإيرادها جميعا ؛ فإن ( فعولن ) التي تتكون من الوتد المجموع ( فعو ) والسبب الخفيف ( لن ) ، يقدم فيها السبب فتستحضر ( فاعلن = لن فعو ) ، وإن ( مفاعيلن ) التي تتكون من الوتد المجموع ( مفا ) والسببين الخفيفين ( عي ، لن ) ، يؤخر فيها الوتد ، فتستحضر ( مستفعلن = عيلن مفا ) ، ويقدم فيها أحد السببين على الوتد ، فتستحضر ( فاعلاتن = لن مفاعي ) ... وهكذا .
أما الاستعمال الثاني فتقليب التفاعيل أنفسها في الدوائر ، لضبط بعض الأبحر وإيرادها ؛ فإن بحر السريع الذي يتكون شطره من هذه التفاعيل ( مستفعلن مستفعلن مفعولاتُ ) ، تؤخر فيه التفعيلة الأولى ؛ فيستحضر بحر المنسرح ( مستفعلن مفعولاتُ مستفعلن ) ، وتقدم فيه التفعيلة الأخيرة ، فيستحضر بحر المقتضب ( مفعولاتُ مستفعلن مستفعلن ) ... وهكذا .
وأما الاستعمال الثالث فتقليب الأسباب والأوتاد في الدوائر ، لضبط بعض الأبحر وإيرادها ؛ فإن شطر بحر الطويل ( فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن ) ، المتكون من وتد مجموع فسبب خفيف ثم وتد مجموع فسببين خفيفين ثم وتد مجموع فسبب خفيف ثم وتد مجموع فسببين خفيفين ، يؤخر فيه الوتد المجموع الأول ، فيستحضر شطر بحر المديد ( فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن = لن مفاعي لن فعو لن مفاعي لن فعو ) - ويقدم فيه السببان الخفيفان الأخيران ؛ فيستحضر شطر بحر البسيط ( مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن = عيلن فعو لن مفا عيلن فعو لن مفا ) ... وهكذا .
أما القسمة العقلية فالفكرة البارزة في مناحي علم الصرف عامةً ؛ إذ تجد العالم يتعرض مثلا لصيغة الكلمة المجردة الثلاثية - والثلاثي عنده الأصل - فيقول أولا بترك حركة اللام للنحو إعرابا وبناء ، ثم يترك احتمال سكون الفاء لأن العربية لا يبتدأ فيها بساكن ، ثم يضرب ثلاثة أحوال الفاء المحتملة ( من فتح وضم وكسر ) ، في أربعة أحوال العين المحتملة ( من فتح وضم وكسر وسكون ) ؛ فيستحضر اثنتي عشرة صيغة للكلمة الثلاثية المجردة ، ولا يمكن فيها غيرها : ( فَعَل ، فَعُل ، فَعِل ، فَعْل ، فُعَل ، فُعُل ، فُعِل ، فُعْل ، فِعَل ، فِعُل ، فِعِل ، فِعْل ) .
جِنايَةُ الِاسْتيعابِ الْأَوَّليِّ عَلَى الْعَروضِ وَالصَّرْفِ
[11] لقد كانت نتيجة الاستعمال الأول للتقليب ، أن خرجت التفعيلة ( فاعِلاتُكَ ) ، بتقديم السبب الخفيف من ( مُفاعَلَتُنْ ) المتكونة من وتد مجموع ( مفا ) بعده سببان ثقيل فخفيف ( عَلَ ، تُنْ ) ، هكذا ( فاعِلاتُكَ = تُنْ مُفاعَلَ ) ، وهي مهملة ، لا وجود لها في عروض الشعر المعتمد عليه .
وكانت نتيجة الاستعمال الثاني للتقليب ، أن خرجت هذه الأبحر الخمسة ( بترتيب دوائر شيخنا الخليل ) :
1 المُسْتَطيل ، وشطره ( مفاعيلن فعولن مفاعيلن فعولن ) ، بتأخير أولى تفاعيل شطر الطويل ( فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن ) .
2 المُمْتَدّ ، وشطره ( فاعلن فاعلاتن فاعلن فاعلاتن ) بتأخير أولى تفاعيل شطر المديد ( فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن ) .
3 المُتَّئد ، وشطره ( فاعلاتن فاعلاتن مستفع لن ) ، بتأخير أولى تفاعيل شطر المجتث ( مستفع لن فاعلاتن فاعلاتن ) .
4 المُنْسَرِد ، وشطره ( مفاعيلن مفاعيلن فاع لاتن ) بتقديم أخرى تفاعيل شطر المضارع ( مفاعيلن فاع لاتن مفاعيلن ) .
5 المُطَّرِد ، وشطره ( فاع لاتن مفاعيلن مفاعيلن ) بتأخير أولى تفاعيل المضارع السابق نفسه ، وهي مهملة ، لا وجود لها في عروض الشعر المعتمد عليه كذلك .
وكانت نتيجة الاستعمال الثالث للتقليب ، أن خرج هذان البحران ( بترتيب دوائر شيخنا الخليل ) :
1 المُتَوَفِّر ، وشطره ( فاعلاتكَ فاعلاتكَ فاعلاتكَ ) ، بتقديم السبب الخفيف من آخر شطر الوافر هكذا : ( تنْ مفاعلَ تنْ مفاعلَ تنْ مفاعلَ ) .
2 المُحْدَث ، وشطره ( فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن ) ، بتأخير الوتد المجموع من أول شطر المتقارب هكذا : ( لن فعو لن فعو لن فعو لن فعو ) ، وهما مهملان ، لا وجود لهما في عروض الشعر المعتمد عليه .
وكانت نتيجة القسمة العقلية ، أن خرجت :
• للاسم الثلاثي المجرد هاتان الصيغتان :
1 فُعِل .
2 فِعُل .
• وللفعل الثلاثي المجرد هذه الصيغ التسع :
1 فَعْل . 2 فُعَل . 3 فُعُل .
4 فُعِل . 5 فُعْل . 6 فِعَل .
7 فِعُل . 8 فِعِل . 9 فِعْل .
وهي إما مهملة لا وجود لها في لغة العرب ، أو كالمهملة لعُروضها أحيانا وعدم أصالتها .
جَدْوى الِاسْتيعابِ الْأَوَّليِّ عَلَى الْعَروضِ وَالصَّرْفِ
[12] لقد كانت هذه النتائج بابا إلى نقد منهج أولئك العلماء القدماء ، دخل منه الباحثون الوصفيون قدماء ومحدثين ، حتى لقد قال الدكتور إبراهيم أنيس في ستة من الأبحر المهملة السابق ذكرها : " الذي أرجحه أن هذه الأوزان الستة لم تكن من اختراع المولَّدين من الشعراء ، بل كانت من اختراع المولَّدين من أهل العروض !! " .
أما أنها من اختراع العروضيين - وإن أوقعته ضرورة السخرية في مخالفة الحقيقة بنسبة ذلك إلى المولَّدين منهم ، وإنما أَحْدَثَه إمامهم شيخنا الخليل نفسه - فحقٌّ لا ريب فيه ولا إنكار منهم له ، بل قد وَصَفوها بالإهمال فصَدَقونا وصَدَقوا أنفسهم .
وأما أن عملهم هذا يضع من قدر علمهم ، فغير مقبول عند من يراعي السياق الثقافي ، وغير مقبول عند من يعرف الأثر الحميد لعملهم هذا ، في عمل الشعراء منذئذ وإلى الآن . لقد كان في ( المهمل ) مُتَنَفَّسٌ ومندوحة ومجال بكر ، للمجددين من الشعراء ، اغتنموه قليلا قليلا .
إنه إذا كانت مفردات المولَّدين كبيت من استعمل ( فاعلاتكَ ) وبحرها المتوفر ، قائلا :
" ما رَأَيْتُ مِنَ الْجَآذِرِ بِالْجَزيرَةِ إِذْ رَمَيْنَ بِأَسْهُمٍ جَرَحَتْ فُؤادي "
وبيت من استعمل بحر ( المستطيل ) ، قائلا :
" أَمِطْ عَنّي مَلامًا بَرى جِسْمي مَداه فَما قَلْبي جَليدًا عَلى سَمْعِ الْمَلام"
- قد حملته على استنكار ما اقترفه علماء العروض ، فقد كان في شيوعها في الشعر الموشح ، ثم في ظهور البحر السابع المهمل ( المحدث ) الذي سمي بعدئذ ( المتدارك ) ، في الشعر العمودي منذ زمان بعيد ، وغلبته على الشعر الحر في القرن الميلادي العشرين ، ما يكشف عبقرية عملهم ويطرح عنه الاستنكار والسخرية .
وليس أمر ( المهمل ) من صيغ الكلم في علم الصرف ، عن ذلك ببعيد ؛ فقد استعمل المتكلم العربي للأسماء صيغتي ( فُعِل ، فِعُل ) جميعا ، في ( دُئِل ، رُئِم ، حِبُك ) ، وللأفعال صيغتي ( فَعْلَ ، فِعِلَ ) مثلا ، في ( عَلْمَ ، شِهِدَ ) ؛ فدل على أن له بالمهمل حاجة .
