(وإنه لذِكْرٌ لك ولقومك...)
د. محمد بن خالد الفاضل
عضو هيئة التدريس بجامعة الأمير سلطان
د. محمد بن خالد الفاضل
عضو هيئة التدريس بجامعة الأمير سلطان
اخترت الآية الكريمة: (وإنه لذِكْرٌ لك ولقومك وسوف تُسألون) كي تكون عنواناً للمقال؛ لأنها تلقي بمسؤولية عظيمة علينا نحن العرب، فقد خاطب الله سبحانه الرسول صلى الله عليه وسلم وذكّره بأنه قد جعل هذا القرآن العظيم (ذِكْراً)؛ أي شرفاً وفخراً له ولقومه، وهل المراد بقومه قريش فقط؟ أو عموم العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، وشرفت لغتهم به أيما شرف؟؛ الراجح أنه عموم العرب الذين آمنوا بهذا القرآن وشرفوا به؛ لأنهم أقدر الناس على فهمه وتَمثّله وتبليغه وتحقيق مضمون آخر الآية وهو قوله تعالى: (وسوف تُسألون)، وهذا الجزء من الآية يلقي علينا مسؤولية عظيمة، وهي أننا مسؤولون عقب هذا التشريف العظيم لنا بالقرآن عن تَمثّله في أنفسنا والعمل به، وعن تبليغه للناس، فمن الله نلتمس العون والتوفيق في تحمل هذه المسؤولية والنهوض بها، ونسأله أن يلطف بنا ويتجاوز عن تقصيرنا وتخاذلنا في الالتزام به وفي تبليغه.
وأحب هنا أن أقف- من وحي تخصصي- على جانب مهم من جوانب المسؤولية في تبليغ القرآن ونشره، ألا وهو العناية بلغته التي نزل بها وهي اللغة العربية وذلك بتعلمها وتعليمها وخدمتها والتفنن في أساليب نشرها وتعليمها كما يتفنن الإنجليز في تعليم لغتهم ونشرها والتجديد المستمر في طرائق تعليمها وتقديمها وتحبيبها وتيسيرها للمتعلمين، ونحن أولى منهم وأحق بالتفاني في خدمة لغتنا لغة القرآن الكريم؛ لأنها ليست لغة عادية كسائر لغات الدنيا ومنها الإنجليزية، وإنما هي لغة مقدسة، قَدّسها الله وشرفها بكلامه وكتابه العظيم المعجز، ولو لم يكن فيه من تشريف للغة العربية إلا هذه السلسلة الرباعية الذهبية المتمثلة في قوله تعالى عن القرآن الكريم في سياق الثناء عليه ومدحه: (وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين)؛ فالمنزل هو الله سبحانه، والمبلّغ هو جبريل عليه السلام، والمتلقي هو الرسول صلى الله عليه وسلم، واللسان هو لغتنا العربية المقدسة، فأي شرف تحلم به لغة في الدنيا أكثر من أن تكون خاتمة هذه السلسلة العظيمة؟؟.
هذه اللغة العظيمة التي حظيت بهذه المنزلة الكبيرة ألا تستحق منا الاهتمام بتعلمها وتعليمها وإنشاء المعاهد المتخصصة لنشرها في أنحاء العالم؟، أليس تعليمها ونشرها هو أقصر الطرق لتبليغ القرآن الكريم والسّنة النبوية المطهرة؟، إننا والله نشعر بالحياء والخجل والتقصير عندما نزور المراكز الإسلامية في أنحاء العالم ونرى شدة رغبة إخواننا المسلمين ولهفتهم على تعلم اللغة العربية التي تعينهم على فهم كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ودعواتهم الملحة لنا إلى إيصال أصواتهم ومطالباتهم لخادم الحرمين الشريفين ولسمو ولي العهد وللوزراء ومديري الجامعات المعنيين، وكم كتبنا وكتب غيرنا لكن النتائج والاستجابة ما زالت أقل بكثير من حاجة الناس وطموحهم، وكما أن هذه المعاهد ذات نفع عظيم للمسلمين لتقريبهم من فهم كتاب ربهم وسنة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، فهي نافعة أيضاً لغير المسلمين؛ لأنها من أقصر الطرق لتعريفهم بالإسلام وحضارته في أسلوب هادئ مناسب بعيد عن الإثارة، وليست الحاجة ملحة لهذه المعاهد في الخارج فقط، بل إن الحاجة إليها في الداخل قد تبدو كذلك أو أشد، فما أكثر غير العرب الذين مروا على بلادنا وأمضوا فيها بضع سنين في العمل في كل المجالات وكانوا يتمنون تعلم اللغة العربية على أسس علمية صحيحة لكنهم لم يجدوا المعاهد الأهلية التجارية أو الخيرية التي تتيح لهم هذه الفرصة، إنك عندما تزور كبريات المدن الأوربية والأمريكية تكاد تجد معهداً تجارياً أو حكومياً لتعليم لغتهم في كل شارع، بينما تخجل كثيراً عندما لا تجد في بلادنا المملكة أرض العروبة والإسلام أي معهد تجاري أو خيري كبير يفي بالحاجة سوى معاهد تابعة لبعض الجامعات بعيدة المنال محجوبة بعدد من القيود والشروط الرسمية.
ما أشد حاجتنا في الرياض وجدة والدمام وكبريات المدن إلى عدد من المعاهد الميسّرة القريبة من الناس كي نسقط عن كواهلنا المسؤولية والواجب الملقى علينا تجاه لغتنا العظيمة لعلنا نحقق قول الفاروق رضي الله عنه: (تعلموا العربية فإنها من دينكم) فنخرج من تبعة الآية السابقة: (... وسوف تُسألون)، فالعربية كما قال الفاروق جزء من الدين، وتعليمها بإخلاص واحتساب خدمة لهذا الدين.
إن جامعتنا جامعة الأمير سلطان هي أكبر وأشهر الجامعات الأهلية في المملكة، ولديها القدرة والمرونة على الريادة في هذا المجال، وقد كانت الفكرة لديها قائمة وناضجة في وقت مبكر، لكنها تحتاج إلى العزيمة والإقدام على افتتاح معهد كبير لتعليم اللغة العربية تكمل به ريادتها في مجالها، وتسد به ثغرة كبيرة، وتسهم به في خدمة المجتمع وخدمة الدين وخدمة لغتنا الرسمية التي شاء الله أن تكون لغة مقدسة، وشرّفنا بالانتماء إليها وخدمتها، فلعلنا نستطيع أن نُري الله منا خيراً.
