القضية في شعر فوزي الأتروشي
تحولات الشاعر عبر ثلاثة مستويات – نصوص – عدي العبادي
تحولات الشاعر عبر ثلاثة مستويات – نصوص – عدي العبادي
ارتبط الأدب والفن بكثير من القضايا الإنسانية والاجتماعية والسياسية على أساس أن الأدب والفن إنتاج فكري إنساني خالص، فالأديب والفنان واحد من الناس يعيش معهم ويشاركهم في فرحهم وحزنهم ويجري عليه ما يجري عليهم، ويظهر لنا هذا من خلال المنتج الأدبي والفني والأديب والفنان يختلف عن غيره من الناس بطريقة التفكير والرؤية و الإحساس والمشاعر.
فهو كائن شفاف ذو حسية عالية ويعتبر صوت الناس والمُعبر عن مشاعرهم فهو ينظر لكل شيء في محيطه بطريقة خاصة أو يحس بما حوله بخاصية ثم يترجمه إلى عمل إبداعي؛ ولهذا كثير من الأعمال الفنية والأدبية كانت عبارة عن أحاسيس أو تعبير عن حالة مر بها المبدع أو حدث مهم أثر في المجتمع فصوره الأديب على شكل عمل، مثل لوحة الفنان الإيطالي الشهير دافنشي (العشاء الأخير)، صور فيها دافنشي الخيانة الدينية التي قام بها يهودا الذي كان أحد حواريي المسيح لكنه خان و باع المسيح (عليه السلام)، وهناك أعمال فنية وأدبية تحدث عن هموم الناس فظهرت مسرحيات وقصص وروايات ولوحات تتحدث عن كوارث و نكبات مرت بها البشرية بتاريخها الطويل، كما ظهر أدب الحرب الذي تناول مجموعة من المعارك، وكان للشعر حضورًا مميزًا على اعتبار أنه أكثر من باقي الفنون التصاقًا في المجتمع، فقصيدة الشاعرة نازك الملائكة (النهر العاشق) تجسيد لحادثة غرق بغداد بفيضان دجلة الشهير الذي أغرق بغداد كلها عام 1954، وشعر بدر شاكر السياب ولوركا ومحمد الماغوط شعر يحمل الكثير من القضايا وهموم الناس والشعر الفلسطيني ذو نبرة جهادية ودعوة للمقاومة بسبب احتلال بلدهم، وفي شعر فوزي الاتروشي تتضح القضية، ليس من خلال نصوص فقط بل حتى من تفكيره؛ فهو يقول في أحد مقالاته الأدبية معرفًا الشعر: "الشعر ليس نظماً ولا هو مجرد كلام مقفى وموزون، وليس قصة مدائحية على باب الحاكم أو شعارًا مناسباتيًا سرعان ما ينطفئ لهيبه ليستحيل إلى رماد. إنه في الأساس رغبة تمرد على السائد المألوف وأداة تحفيز نحو الأجمل والأنقى، وتأهيل للمتلقي لمقاومة القبح من حوله والطموح اللامتناهي للخير والحق والجمال في تعريف لوظيفة الشعر قاله اليونانيون منذ أقدم الأزمان. وهو شاعر يصادق ضميره الحي ومشاعره وأحاسيسه ولا يجامل خارجها أيًا كان، ويكتب للألم والجراح الغائرة والمعاناة المستديمة للمواطن العراقي لا تشفياً ولا انتقاماً من جهة، أو تقرباً من جهة أخرى، بل يكتب و بالأحرى ينزف على الورق لوقف أنين الجراح وإعادة الدموع إلى المآقي أملاً في رسم بسمة وفتح كوّة أمل وإشعال شمعة فرح لنا جميعًا..
مفاهيم جميلة
من هذه المفاهيم الجميلة التي طرحها الشاعر الأستاذ فوزي الاتروشي في مقاله .. عرفنا كيف أنه يعتبر الشعر ثورة ولا يكون في خانة النظام العروضي القافية والوزن فقط، بل هو أكبر من هذا كله و لم يعبر الاتروشي في كتابته فقط بل ترجم أفكاره على شكل نصوص شعرية جميلة تتسم بالشفافية.
صباغون شحاذون
يتامى
في بطونهم غصة ندامى
يظلوا يتمنون أو تبني لهم وطنًا
يمنحهم كسرة خبز
وشيا من الحرية والسلامة
*****************
صباغون شحاذون
يفترشون أرصفة الشوارع
ينهمرون قبل المصلين
على مداخل الجوامع
لعلهم يتهأون بأيد
تبعد فأل الشر عنهم
وتنبئهم بحسن طالع
صباغون ولدوا وعاشوا
على الطرقات
لم يتعلموا سوى
فن تلميع أحذية الآخرين
برع الشاعر في التعبير عن الطبقة الكادحة الفقيرة واستطاع الحديث ليس عن همومهم فقط بل حتى أحلامهم التي يحلمون بها، وهذا يدل على قدرته في التعبير وعلى شعوره تجاه هذه الطبقة المسكينة التي يعد الحديث والدفاع عنها قضية سامية فهم طبقة بسيطة تعيش ظروف صعبة بسبب من سرق حقوقهم، لا يجدون ما يسد جوعهم، وقد أبدع الشاعر حين ربط بين حلمهم بالخبز والوطن أي المسكن والأمان، ولكنه خلق مشاكسة شعرية جميلة حين رفع من سقف مطالبهم فبعد الخبز و الوطن يحلمون الفقراء بشيء من الحرية والسلامة، ثم عرف أماكن تواجدهم وأي مقصد يتجهون إليه، وشرح في نصه جزءًا مهمًا من حياة الفقراء الذين يهرعون للجوامع في الصباح، ليس للصلاة بل من أجل ان يتصدق عليهم المصلون، ومفهوم الفقر كما جاء في الموسوعة المعرفية على أنه حالة من الحرمان المادي الذي يترجم بانخفاض استهلاك الغذاء، كمًّا ونوعًا، وتدني الوضع الصحي والمستوى التعليمي والوضع السكني، والحرمان من السلع المعمرة والأصول المادية الأخرى، وفقدان الضمانات لمواجهة الحالات الصعبة كالمرض والإعاقة والبطالة وغيرها. وللحرمان المادي انعكاسات تتمثل بأوجه أخرى للفقر كعدم الشعور بالأمان، ضعف القدرة على اتخاذ القرارات، وممارسة حرية الاختيار ومواجهة الصدمات الخارجية والداخلية. وبمفهوم مبسط للفقر يعتبر الفرد أو الأسرة يعيش ضمن إطار الفقر إذا كان الدخل المتأتي له غير كافٍ للحصول على أدنى مستوى من الضروريات للمحافظة على نشاطات حياته وحيويتها. للفقر العديد من التعريفات تبعث من منطلقات أيديولوجية واقتصادية وثقافية، وهو بشكل عام لا يمثل ظاهرة في المجتمع بل يترجم خلال ما في تنظيم هذا المجتمع. والفقر ليس صفة بل هو حالة يمر بها الفرد تبعًا لمعايير محددة، وقد اختصر الشاعر فوزي الاتروشي كل هذه المفاهيم في نصه، وحدد أهم النقاط التي يتمركز عليها معنى الفقر وما هي أحلام وطموحات الفقراء فكانت قراءة لحياتهم جيدة ومنطقية مقنعة في أسلوب شعري نثري وذو رسالة حقيقية وقد أخذت قضية الطبقة الفقيرة حيزًا كبيرًا في الأدب والشعر، وظهر شعراء اختصوا في الكتابة عن الفقراء مثل الشاعر المصري الشعبي أحمد فؤاد نجم.. ذلك الشاعر الذي كان نجمًا لامعًا في عالم الأدب الشعبي العربي، واحتل بعد ذلك مكان الصدارة في قلوب الفقراء ولكن يظل الباب مفتوحًا في هذه القضية المهمة التي كتب عنها الشاعر فوزي الاتروشي ولم تكن هذه المسألة الوحيدة بل كان يتنوع بطرحه حيث كتب عدة نصوص في السياسة، وهو رجل سياسة كما هو شاعر، يقول في أحد نصوصه:
وطني الذي أرهقته
البنادق والخناجر
تفتحت على جبينه اليوم
حقول وبيادر
وكلما قرأ المصلون سورة الأنفال
تذكروا المدائن
التي صارت مقابر
وطني اليوم محمل بنبض عاشق
وصلاة قديس
وصحوة ثائر
وطني دمرته الحرائق والخرائب
لكنه أقسم أن لا يهاجر
هرع الكثيرون إلى البوابات
حاملين حقائبهم
لكنه وطير الخجل الذي بين أثوابه
بقى عالقًا بالأرض لا سافر
وطني الذي أثخنته
الجراح والحروب
وسدت عليه المنافذ والدروب
وصف الشاعر حالة وطنه العراق وما جرى عليه وكما هو معروف إن الشاعر وثيقة تاريخية لنقله للأحداث والتاريخ بطريقة فنية، وقد عرفنا الكثير من تاريخ الأمم السابقة وأهم الأحداث التي جرت في حقب زمنية من خلال شعرائهم وأدبائهم وليس الشعراء فقط، بل حتى الروائيون الذين يؤرخون بكتابتهم أحداث ووقائع المعيشة، كما نقل الروائي المصري نجيب محفوظ حياة الحواري المصرية في معظم رواياته، وقد استطاع الاتروشي أن ينقل لنا صورة حية عمَّا مر به العراق الذي عاش سنين طوال من الدمار والحروب والخراب والموت المجاني، وحصار تسبب بهدم البنية التحتية ليس للبلد فقط بل حتى الإنسان العراقي، ومع كل هذا بث الشاعر روح التحدي في وطنه والعزم حين قال أنه لم يُهزم، وظل ثابتًا في الأرض وهذه الضربة الشعرية أي التصاق الوطن في الأرض وجملة "لم يسافر" تُعد العمود الفقري للمادة الأدبية المطروحة، وإذا فككنا النص نجد عمقًا في الشرح حيث نكتشف من مطالعتنا صورَا عدة ضمن سياق واحد، فقد اعتبر الشاعر وطنه يحمل نبض عاشق وهذه الرؤيا الشعرية تعود للذات الشاعرة في داخله، وأن هناك نظرة جمالية.
نساء بلادي حوامل
أرامل ثكالى
خبزهن اليومي دم الدموع
وفي عتمة الليل
ابتهال لله تعالى
إذا شكون ضرين لكي يكن
كما قال في قوانين الرجال
عبرة لمن اعتبر
يهبن الحياة نصفها ولكن
في ملذات الحياة ما لهن أثر
أسماؤهن في ملفات الشرطة تمحى
وتحت خيمة الزواج
يبقين ضميرًا مستتر
وإذا متن لا تقم على
قبورهن شاهدة
فحتى القبور لا تحفظ
غير أسماء الذكر
بين يدي وحوش كاسرة
وإن حلمت يخرج
الجنين من صلبهن
غوص عميق في المعنى ووصل للقضية وترجمتها بطريقة النص هذا ما فعله الشاعر فوزي الاتروشي في حديث عن نساء العراق الأرامل بسبب الحروب المتتالية والإرهاب الذي خطف زهرة شباب الوطن، فكان الشاعر بالفعل صوت معبر بإحساس عالٍ، ولم يتحدث عنهن فقط بل طور الفكرة حتى يصل بنا إلى فضاء أوسع وأن تغيبهن يظهر من قوله: "يبقين ضميرًا مستتر"، والدلالة في الوصف عن الظلم الذي يقع على المرأة الشرقية وبالخصوص المطلقات والأرامل. حمل نص الاتروشي مجموعة كبيرة من الأطروحات حول موضوع في غاية الأهمية والشعرية بارزة فيه بدقة الوصف، حتى جعل المتلقي يعيش مع الصورة كاملة مع أن الحديث عن الأرامل والمطلقات، لكن القضية تأخذ جوانب أخرى حين جسد بمقولة قال فيه إن قوانين الرجال تعني تسلط رجال العائلة على أراملهم، فكان بالفعل إحاطة كاملة من كل الجوانب ولم يستثنِ أي شيء.
قتلوك وما عرفوا
أن الجرح المحفور بقلبك
يصبح منجم بارود ينفجر كالبركان
قتلوك وما عرفوا
أن الشهداء وإن ماتوا
يبقى حيًا فيهم حلم الإنسان
قتلوك وما عرفوا
أن الوطن المتوزع فيك
سيجعل لك مقبرة الأحزان
وبأن خرائطهم
ووجوههم المزروعة
ستصير
هباء منثورًا
وستدخل أرشيف النسيان
قتلوك وما عرفوا
أن الجسد المقتول جواز سفر
بأن جراح القلب ينابيع
وسماوات حبلى
تهب الدنيا حبًا ومطر
استهلال جيد في المطلع الذي يقول فيه: "قتلوك وما عرفوا" يتضح منه حجم الشخصية التي قتلوها وثم تعريج على ما سيظهر من مميزات الشهيد فجسده جواز سفر إلى الحرية التي يتمتع بها شعبه بفضل تضحيته، والجرح المحفور في قلبه يصبح منجم بارود ينفجر كالبركان، إنه تحدٍ كبير يطرحه الشاعر معرفًا من خلاله مدى أهمية التضحية من أجل الهدف النبيل.. الوطن وحرية الآخرين، إنها قضية كبيرة وتسويق لمشروع نضالي، يقول الاتروشي في ختام نصه الذي كان مستهله قتلوك وما عرفوا:
فقأ عينيك وما عرفوا
إن العين المفقوءة عند مجي الليل قمر
لتكن أنت المقتول
لتكن أنت المدفون بهذي الأرض
فهي البقعة من زمن
لم ينبت داخلها
للقمح حقول
حتى يقول الشاعر في نصه
حرام أن يبقى
عنق الوطن الغالي مغلول
اختمرت الفكرة كاملة في أذهاننا من خلال ثلاثة محاور، الأول أن هناك شخص مهم قتلوه ولم يعرفوا حجمه الحقيقي، والثاني تحول جسد الشهيد إلى كوكب وعينه قمر، أما المحور الثالث التضحية من أجل الوطن والقيم النبيلة، مع ترسيخ للجمال الروحي للعمل النضالي، وخلد بقصيدته الحدث مع جوانب إبداع كصفه لعنق الوطن المغلول، والقيمة الفنية هنا أن الطواغيت عند الشاعر تمثل حبل المشنقة .. أن الذات الشاعرة عند كاتبنا متنوعة في الوصف إبراز الزوايا المظلمة مما يدل على شفافيته في الكتابة والوصول لآخر نقطة ممكنة في الموضوع مستخدمًا كل قدراته مع جودة اللغة يقول في نص ثانٍ حمل عنوان (يا وطني)
يا حلم اليتامى والجياع
حلم من ماتوا وما لاقوا المطر
يا حلم أطفال تساءلوا وأوغلوا في السؤال
متى القمح
تحتج على وجه المغول والتتر
يا حلم من استشهدوا
وفي بطونهم رمل وحصو وحجر
ولون بارود الرصاصات التي
باسم السلام تشترى
وباسمه تباع حتى للذي به كفر
أي ضمير العالمي
بداية البحث
تتحول القضية في شعر الاتروشي الى جانب جديد ومهم وواسع النطاق ففي بداية البحث عن القضية في شعره وجدناه يتكلم عن الفقراء والشحاذين الطبقة المحرومة التي سلب حقها وكان يدافع بصدق عنها وجعلنا معهم بالصورة ثم وجدناه يتناول قضية وطنه وما يجري فيه من أزمات ونكبات ولكنه زرع الأمل واعتبر أن وطنه أكبر من كل التحديات وأنه سينهض ويولد من جديد، وفي محور تكلم عن الشهيد الذي عذب من أجل أن يعيش الناس أما الآن كتب عن قضية أكبر اتساعًا وأهمية، فهو ينفتح على كل العالم حين يروي عن الفقراء وعن الذين يموتون وفي بطونهم الرمل والحجارة بينما تعيش أمم في الرفاهية والترف، كما يصف قتلهم المجاني برصاصات بيعت تحت اسم السلام أن الاشتباك مع القضية والتعبير عنها عند الشاعر فوزي الاتروشي يأخذ أبعادا كثيرة، فهو يحللها ويصوغها بطريقته الخاصة ويترجمها شعرًا ذي أطروحات عدة على نسق واحد، كما أن القضية عنده لا تحصر في مجال أو خانة أي أنه لا يتكلم عن بلاده أو صديق بل يخوض في كل شيء وفي معاينة سريعة لقصيدته التي عنونها "يا وطني" لمسنا حجم الألم الذي ينطلق منه، فهو يقول فيها:
يا وطني بيادر القمح لأسراب الجراد
ووجهك البري حقل من الجراح
من حنين وداد
لون عينيك أراه قائمًا يعلن للذين نسميه الضمير العالمي
يوم حداد
يربط هنا بين وطنه وجراحه والصمت العالمي إنها إشارة جميلة منه أن لون عيون الوطن يوم حداد على الضمير العالمي، إنها ضربة شعرية وثورة داخلية تجاه التخاذل، كلنا نملك الإحساس ونعرف ما يجري ولكن لا نملك الموهبة التي تعطينا القدرة على الكتابة وإيصال ما نشعر به، والسبب أننا لسنا شعراء
الزمان:
