اللغة تشتكي !! - حامد جابر السلمي

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • للعربية أنتمي
    عضو نشيط
    • Mar 2015
    • 1488

    #1

    اللغة تشتكي !! - حامد جابر السلمي

    اللغة تشتكي
    حامد جابر السلمي
    المدير العام للتعليم بمكة المكرمة سابقا


    لكل أمة لسان إليه ينتسبون، وبه يوسمون ويتواصلون، وعليه يعتمدون في تدوين تاريخهم وآثارهم، ويسجلون اختراعاتهم، وإنجازاتهم وإبداعاتهم، وبه يخلَّد في الورى ذكرهم، ويرتفع بين الأمم شأنهم وتعلو راية علومهم ومعارفهم، ويؤثرون ويتأثرون، فلغة القوم هويتهم ومناط عزهم وفخرهم، وبقدر ما يلحق بها من قوة أو ضعف يعد دلالة على عزة الأمة ومنعتها أو هوانها وضعفها.
    فاللغة العربية اختارها الله، سبحانه وتعالى، لتكون لغة القرآن الكريم، وأعجز بها أئمة الفصاحة والبلاغة آنذاك، وأصبحت في أوج قوتها ومنعتها في عهد الرسالة النبوية، وما تلاها من عصور، فدونت بها الموسوعات والبحوث وتراث الأمة، وترجمت إليها الكتب والمؤلفات، وسجلت بها المخترعات...الخ.
    وغدت بلادها قبلة المتعلمين، وأصبحت هي لغة العلم والبحث، إلا أنها سرعان ما أخذت في الضعف والانحدار، وأصبحت تبث أحزانها وما آلت إليه، إلى البارين من أبنائها، مما حدا بابنها الشاعر حافظ إبراهيم إلى وصف معاناتها بقصيدته العصماء التي منها قوله:
    فلا تكلوني للزمان فإنني
    أخاف عليكم أن تحين وفاتي
    وتكرر الشكوى في هذه الحقبة التاريخية، بآهات ونبرات حزن لها لون آخر، وكأنها تقول: لقد زاد ضعفي ضعفا، وزاد عقوقي عقوقا، فلم يكتف أبنائي باتهامي بالقصور والتخلف، بل أهملت ومن المحتمل أن أصبح في مهب الريح لولا عناية الله بي، انظروا يا أبنائي وتأملوا وأنتم تعبرون الطرقات أو ترتادون الأسواق ماذا تشاهدون؟ من أسماء لا تنتسب إليّ، قد تزينت بها واجهات المحلات، وتحلت بها اللوحات الإعلانية، واقرأوا إن شئتم ما يكتب في بعض الكتب والأبحاث.. واسمعوا إن شئتم لبعض المتحدثين في المناسبات والخطباء، ثم عرجوا على ما يكتبه الطلاب في دفاترهم ومقالاتهم، فيا أسفي حتى أحفادي تسمو بغيري، كل هذه آلام تثير الآهات.
    ومما يزيد الشكوى مرارة أن عددا من جامعاتنا أصبحت تتبارى في التدريس بغيري، وإن القنوات الفضائية التي تشجع العامية وتحفز عليها آخذة في الزيادة والانتشار، راصدة لذلك المبالغ الطائلة والجوائز القيمة، وأنا أقف موقف المتفرج، لم أنل العناية التي تتناسب مع مكانتي إلا عددا من المبادرات التي تذكر فتشكر، ولكن إقصائي واستصعابي أبعدني عن مسرح المنافسة، حتى أصبحت ثقيلة على لسان أهلي وأبنائي، وأنا في عصر النهضة المتفردة التي شملت جميع مناحي الحياة إلا أنا، فهل سأبقى على هذا الحال؟ أم إلى عناية من سبيل؟ انتهى كلامها.
    وهنا أتساءل: هل عتابها في مكانه؟ وهل شكواها لها من مبرر؟ وهل من حق لها على أبنائها على اختلاف مستوياتهم ومسؤولياتهم واستعداداتهم، كما وأتساءل عن دور الجامعات، ودور العلم والدرس، والأندية الأدبية ، ومجامع اللغة العربية؟، وإلى متى نطلق أسماء بغيرها على متاجرنا وأسواقنا.. وحتى على أبنائنا؟ فهل ضاقت لغتنا عن ذلك.
    وأقول:
    إن اللغة هي هوية الأمة وعلامة وجودها، والعربية هي لغة التشريع، بها نفهم معاني الحروف والجمل والنصوص، فإذا لم نكن من الحذاق فيها علما ودراية وتحدثا وكتابة، فحري بنا أن لا نفهم مقاصد النصوص الشرعية ودلالاتها، وإذا لم تكن مصدر فخرنا واعتزازنا، فربما نهون على أنفسنا قبل هواننا على غيرنا.
    وهذا لا يعني بأية حال من الأحوال عدم تعلم اللغات الأخرى والاطلاع على تراثها، بل ديننا يحثنا على الاستفادة والتعلم.
    فنحن في عصر متفرد من النهضة والتطور والإمكانات، فإذا لم تزدهر لغتنا في هذا العصر الزاهر.. فمتى يكون ذلك؟ والله ولي التوفيق والقادر عليه.

    المصدر

يعمل...