عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
د.عبد الله الأنصاري
عضو المجمع

د.عبد الله الأنصاري غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 362
تاريخ التسجيل : Jan 2013
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 79
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي اللغة العربية تضيء العالَـــم بمجمعها

كُتب : [ 10-09-2013 - 08:49 AM ]



بسم الله الرحمن الرحيم
إن منزلة اللغة العربية ـ دينيا وثقافيا وحضاريا وتاريخيا واجتماعيا ـ منزلة لا تضاهيها فيها لغة من لغات العالم البتة، لأسباب أهمها: كونها لغة آخر رسالة سماوية منزلة إلى البشرية جمعاء، ولغة آخر نبي بعثه الله، فهي بذلك لغة الشريعة التي لا يقبل الله غيرها من العالمين إلى قيام الساعة، ثم بُني على ذلك مقومات ودعائم لا تساميها فيها لغة، وهي نهوضها من بين لغات البشر في أزمان الركود الثقافي والحضاري، فقد نهضت العربية بفضل الإسلام، فارتقت بها الحضارات في الشرق والغرب، وملأت بتراثها اللغوي والفكري والشرعي خزائن العالم، وصاحَبَ ذلك اتساعُ الحكمِ الإسلامي وشمولُه للعالمَ، فانفتح الفكر البشري وقامت الحضارات الغربية والشرقية، وأخذت اللغات الأخرى تنهل من معين العربية بفضل الترجمة والاقتراض والتأليف،ونشر التعليم والوعي، وتنافست الدنيا كلها في البراعة في العربية، فكانت هي لغة السياسة والتعليم والتأليف والاختراع والإبداع، وسائر الاعتبارات الاجتماعية والمقومات الحضارية.
وفي العصر الحديث تراجعت العربية أمام زحف اللغات الأخرى، وتأثر انتشارها واستعمالها بما أفرزته التقانة الحديثة وخلبت به الألباب على غير اللسان العربي، وبما رافق ذلك من ضعف المسلمين وشتات أمرهم، وتفرُّق كلمتهم، ودخولهم في متاهات الوهن والانهزام، حتى تدابَروا وتخاذلوا مدفوعين إلى كل مذهب، وكادت ريحهم تذهب، فأخذت رقعة العربية تضيق، وتزحف القهقرى بلا شفيق ، بل طفقت تتهاوى إلى سحيق، وجعل أهلها يرغبون عنها، وأمسى أعداؤها يكيدون لها، ويزهّدون فيها، وصارت الدعوة لغيرها حتى في عقر دارها ومهدها، وتسارع العرب يتفاخرون بالأعجمية، ويدّعون لها الأرجحية!
لهذا السبب ما فتئ الأخيار من أبناء العربية العلية، يُنشِئون المجامع اللغوية، والذخائر العربية، ويثرونها بكل صحيح ونفيس، وكل موصول بجذمها الرئيس، فكانت تلك دِعامة لإقامة ما اعوجّ، ودعاية لصيانة ما ارتجّ، وإغاثة لمن بالعربية يحتجّ، ولم تزل الجهود في هذا تتوالى وتتعاضد منذ أَمَد، في الأقطار العربية بقدر المتاح من عَمَد، يستدركون بها الثَمَد، ألا ينضب وينفد، والبنيان ألاّ ينهار وينهدّ، غير أن تلك الجهود، قد غالها وأقالها بعض الجمود، وبعض السياسات والخصوصيات التي اكتنفتها، فلم تسلم على حسناتها من سيئات قد اكتسبتها، فأصابها من الإحجام، ما لا يداويه الاحتجام، فحرَنَتْ وركنَتْ إلى عَلْك اللجام، ومن هنا قام مجمع اللغة العربية على الشبكة الضوئية، الذي أنشأه رئيسه الخيِّر، صاحب الفكر الرائد النيِّر، الشيخ الدكتور عبد العزيز بن علي الحربي، أعلى الله به الإسلام والمسلمين، وأقام به عُودَ العربية في العالَمين، اللهم آمِينَ آمينْ.
أُنشئ هذا المجمع مستفيدًا من التقانة الحديثة، ضامًا فريقا من متخصصي الدراسات العربية والشرعية، من أهل الكفاءة والدراية، لإثراء المجمع بما يواكب العصر، مما يقتضيه المقام بلا حصر، ويكون به للعربية العون والنصر، ونهج المجمع منهجا يلائم جميع فئام القراء، ليقبلوا عليه جميعا بلا استثناء، عابرا إليهم بكفاءة الشبكة الضوئية، في انتشارها وسرعتها القوية، وفَتَحَ نوافذ عدة، غير آبِهٍ بلين ولا حِدّة، ففتح الحوار، والفتاوى بالجوار، ونادى للتعليم والثقيف، والبحث والتدوين والتأليف، والترجمة والنقل والتصحيح، والتعقيب والنقد بلا تجريح، وشجَّع على الاقتراحات، في سبيل النهوض بالدراسات، وغير ذلك مما انتحاه من السبل والغايات، فأطلق العربية في الميدان، منطلقا بها آخذًا بالعِنان، لكي يعود بها إلى العَنان، ففي عالمنا اليوم مع الأسف، لا يزال ما لا يقل عن ست لغات يُدَّعَى لها الغنى والترف، ويُعترف لها دون العربية بالشرف، وكانت أمس في الحضيض والطرَف! وهذا ـ بلا شك ـ يثير الغيرة، ويؤثر سلبا في السيرة.
وإن هذا المجمع لَيُرجى له أن يكون من بين مجامع العربية ذا مزية، لما له من الانتشار والرمزية، والاستفادة مما سبقه من النوعية، ولِما انضم إليه من كفاءات العربية في كل الأنحاء، وما ذاع له من صِيتٍ وأصداء، وإنا لنرجو وندعو إلى أن يتسارع في التطور، ويتقدم به التصور، حتى يكون مجمعا عربيا عالَميا، ومنهلاً رَضِيًّا رَوِيًّا، وروْضا مُرْبِعًا نديًّا، وموسوعة فذةً يتيمة، ودرة دارَّة وديمة، فتكون له فروع منبثقة، وروافد مرتفقة، وتكون عليه الكلمة متفقة، ويُدعَم من الجميع، بالدعم القويّ السريع، كما ندعو إلى أن تأتلف عليه القلوب، وتجتمع عليه أعيان الشعوب، نابذين التحاسد والتظافر، والتدابر والتنافر، وغير ذلك من الموبِقات كالتفاخر، ليكون للعربية فئة يُفاء إليها، ووجهة يُقبل عليها، في مسائل الخلاف، والنوادر اللطاف، والتحقيق والتدقيق، والبحث العلمي والتوثيق، وبناء الدراسات الحديثة، المواكبة للحركة العلمية الحثيثة، ذلك رجاؤنا وتلك أهدافنا، وظننا بإخواننا القائمين عليه، والمساندين والمؤازرين لديه، أن يكونوا معنا وخيرا منا ، فأملنا في الله ثم فيهم كبير، وهو تعالى نعم المولى ونعم النصير.
كتبه: عبد الله بن محمد بن المهدي الأنصاري.
غرة ذي الحجة من عام 1434هـ

رد مع اقتباس