عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,683
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي الاستشهاد بالحديث النبويّ في معجم لسان العرب

كُتب : [ 06-30-2016 - 12:04 PM ]


الاستشهاد بالحديث النبويّ في معجم لسان العرب
د. حازم الحاج طه

تمهيد:
قبل أن أخوض في هذا الحديث، يعنيني أن أوجه النظر إلى ما أردته في العنوان فقط: ولست أريد بالبحث إلى التصدي لترجمة ابن منظور ترجمة وافية تكافيء إمامته التي تبوأها في اللغة والأدب، ولا التعريف بمعجم لسان العرب[1]. فشهرته تغنينا عن ذلك. إذ هو من أغزر المعاجم اللغوية مادة، وأجمعها إسهاباً، وأوسعها انتشارًا. ومن أجل ذلك كان خير معجم يرجع إليه اللغوي والأديب والمفسر. لا يطوف بهذا ريب، ولا يلحقه نزاع.
وإنما قصدت إلى ناحية هي أجدر جوانبه بالعناية والدرس تلك هي اختفاء ابن منظور بالحديث النبوي، وتوظيفه له في معاني الألفاظ اللغوية. لأنه المنبع الثرّ بعد القرآن الكريم الذي يرده ابن منظور لينهل من لغته، وجوامع كلمه.

في موقف علماء المعاجم من الحديث:
أول ما نتجه إليه في هذا الصدد الإلماع بادئ ذي بدء إلى وصف البلاغة النبوية: وإذا وصفت – ومهما أصف – فلن أبلغ من وصفها ما أريد، وبعض ما تستحق من الوصف، ولعمر الحق لن يصفه واصف بأبلغ ولا أوجز، ولا أدل من قوله (صلى الله عليه وسلم): ((أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش، واسترضعت في بني سعد))[2]. وقال له أبو بكر الصديق ذات يوم: لقد طفت بالعرب، وسمعت فصحاءهم فما سمعت أفصح منك، فمن أدبك؟ فقال: (صلى الله عليه وسلم): ((أدبني ربي فأحسن تأديبي))[3].
وورد في كتاب الأمالي[4]: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالس مع أصحابه إذ نشأت سحابة، فقالوا: يا رسول الله هذه سحابة، فقال: ((كيف ترون قواعدها)) قالوا: ما أحسنها وأشدَّ تمكّنها! قال: ((وكيف ترون رَحاها)) قالوا: ما أحسنها وأشدَّ استدارتها! قال: ((وكيف ترون بواسقها)) قالوا: ما أحسنها وأشد استقامتها! قال: ((وكيف ترون برقها أوميضاً أم خفياً أم يشق شقاً)) قالوا: بل يشق شقاً، قال: ((وكيف ترون جونها)) قالوا: ما أحسنه وأشد سواده! فقال عليه السلام: ((الحيا)) فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا الذي هو منك أفصح، قال: ((وما يمنعني من ذلك فإنما أنزل القرآن بلساني لسان عربي مُبين))[5].
وكل منا يستطيع أن يفهم مما ذكرنا كيف امتاز النبي (صلى الله عليه وسلم) بهذه الفصاحة التي كانت موضع إعجاب أصحابه، ودهشتهم، وفيهم أبو بكر نسابة العرب، وراوية أخبارها وطوافها بالآفاق.
فهو كما يقول: من قريش وهي أفصح العرب لغةً، وأقومها منطقاً. لأنها كانت تتخير من لغات الوافدين إليها في المواسم ما خف على اللسان، وحسن في الأذان. فلطفت لهجتها، وجاد بيانها، وزادت ثروتها، وكرمها القرآن فنزل بلهجتها.
وقد استرضع في بني سعد بن بكر. وقد أجمع جل الرواة على أن لبني سعد اختصاصاً وامتيازاً من بين العرب في الفصاحة وحسن البيان[6].
ولعل من الخير أن أنبه في هذا المقام إلى أن بلاغة الرسول (صلى الله عليه وسلم) كانت من نوع ما قد يتوهم بعض القراء في بعض الحديث الأخير من غرابة وأن ذلك مصدر إعجاب صحابته. كلا فقد كان (صلى الله عليه وسلم) بعيداً أشد البعد عن الغريب. وإنما هي مجازات. والغرابة بالمجاز محمودة. وربما أغرب حين يخاطب من ليس من قريش فيكون ما يتكلم به غير مألوف لقومه، ولكنه لغة المخاطبين وبغيره لا يفقهون فهو يحدثهم بما يفهمون. روى المبرد في الكامل أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي تميمة الهجيمي: ((إياك والمخيلة)). فقال يا رسول الله: نحن قوم عرب فما المخيلة؟ قال: ((سبل الإزار))[7].
هذا طرف من وصف بلاغة الرسول (صلى الله عليه وسلم) التي – كما يقول الرافعي –: "سجدت الأفكار لأيتها وحسرت العقول دون غايتها، ألفاظ يعمرها قلب متصل بجلال خالقه، ويصقلها لسان نزل عليه القرآن بحقائقه فهي إن لم تكن من الوحي، ولكنها حادث من سبيله، وإن لم يكن منه دليل فقد كانت هي من دليله"[8].
قال الجاحظ – وهو الناقد البصير بدقائق الكلام: قال في وصف كلام رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (وهو الكلام الذي قلَّ عدد حروفه وكثرت معانيه، وجلَّ عن الصنعة، ونزه عن التكلف، وكان كما قال تبارك وتعالى: قال يا محمد: {وما أنا من المتكلفين}[9]. وكيف وقد عاب التشديق وجانب أصحاب التقعيب[10]، واستعمل في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشيّ، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام حُفَّ بالعصمة، وشُيِّد بالتأييد، ويسَّرَ بالتوفيق. وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة، وغشّاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حُسن الإفهام، وقلة عدد الكلام، مع استغنائه عن إعادته، وقلّة حاجة السامع إلى معاودته. لم تسقط له كلمة، ولا زلّت به قدم، ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبزّ الخطب الطوال بالكلم القصار، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلجَ إلا بالحق[11]، ولا يستعين بالخلابَة، ولا يستعمل المواربة، ولا يهمز ولا يلمز[12]، ولا يبطئ ولا يعجل، ولا يسهب ولا يحصر[13]، ثم لم يسمع الناس بكلام قطّ أعمَّ نفعاً، ولا أقصد لفظاً، ولا أعدل وزناً، ولا أجمل مذهباً. ولا أكرم مطلباً، ولا أحسن موقعاً، ولا أسهل مخرجاً، ولا أفصح معنىً، ولا أبين فحوى، من كلامه صلى الله عليه وسلم)[14].
في ضوء ما تقدم من وصف البلاغة النبوية، لسائل أن يقول بعد ذلك: يبدو من سابق حديثك أن البلاغة النبوية بلغت الذروة بعد القرآن الكريم. فلماذا استشهد أصحاب المعاجم بالحديث، ولم يستشهد به فريق من النحويين؟
والجواب عن هذا – وإن كان العلماء قد بحثوه من كل جانب – ما أنا مورده في إيجاز ولكن فيه الغناء. إن جوهر الاختلاف اختلاف الموقف بين (المعجم والصيغ والتراكيب). فالمعجم يعتمد على المعنى، وهو غير موضع للنزاع. أما الصيغ والتراكيب فيعتمدان على صحة النطق وروايته. ومن ثم حدث الخلاف. (وبعبارة لغوية حديثه. إن علماءنا فرقوا بين الاستشهاد بالحديث بين المستوى الوظيفي والمستوى المعجمي فرفض الأول، وقبل الثاني)[15].
والحق أن ليس في كلام هذا الفريق من النحويين نصيب من الوجاهة والرجاحة، وليس من يعتصم به يأوي إلى حصن حصين في القياس. وحجتهم أن تراءى لهم أن الأحاديث مروية معنىً لا لفظاً فأعرضوا عن الاستشهاد بها. وما لرأيهم ضحى. ولقد تنكبوا طريق الصواب بعملهم هذا. فالأحاديث التي ثبتت صحتها متناً وسنداً هي من لفظ الرسول (صلى الله عليه وسلم) إن كان قولاً، ومن لفظ الصحابي إن كان عملاً. فالرسول أفصح العرب، وبلغ أسمى صور الكلام العربي الفصيح، إذ لا تعهد العربية في تأريخها بعد القرآن الكريم بياناً أبلغ من الكلام النبوي، ولا أروع تأثيراً، ولا أفعل في النفس، ولا أصح لفظاً، ولا أقوم معنى.
والصحابة هم أعلام الفصاحة. فهل لقائل أن يقول: إننا لا نستطيع الاستشهاد بكلام الرسول أو الصحابي في إثبات مادة لغوية، أو دعم قاعدة نحوية أو صرفية.
وقد كان من المنهج الحق السليم الذي لا يختل أبداً، هو أن يبنوا قياسهم في تقعيد القواعد النحوية على القرآن الكريم أولاً، ثم يعطفوا على الحديث فيجعلوه أصلاً ثانياً، وعلى اللغات التي اعتمدوها أصلاً ثالثاً.
ولو أنني ذهبت أتتبع ما جاء من آراء أولئك الأعلام في الاحتجاج بالحديث لخرجت عن القصد، ولأن المقام يقتضينا الإكتفاء بالصورة المجملة عن الإسهاب. وحسبي أن أورد رأياً لبعضهم فقال: (أما الاستدلال بالحديث فقد اختلف النحويون حول الاستشهاد به نظراً لإمكان الرواية بالمعنى. ولكننا إذا ذكرنا التشديد في الضبط والتحري في نقل الأحاديث عند النقلة والمحدثين جاز الاستشهاد بما يغلب على الظن صحته منه، وحتى ما يمكن أن يكون قد روي بالمعنى فقد روي في زمن كانت اللغة فيه ما تزال في مهدها نقيةً صحيحة)[16]. لقد أصاب به شواكل المراد، وطبق مفاصل السداد. لأنه حجة دامغة على من أعرض عن الإحتجاج بالحديث. ولو اعتمدوه لكان قياسهم أنور وأصفى، وبحوثهم أدق وأوفى.

في استشهادهم بالحديث قبل ابن منظور:
إن نحن نظرنا نظرة فاحصة إلى المعاجم اللغوية التي ظهرت قبل معجم لسان العرب، وعلى استشهاد مؤلفيها بالحديث يظهر لنا بجلاء ووضوح أنهم اعتمدوا على الحديث في الاستدلال دون أن يبدي أحد منهم إنكاراً، وإن كان اعتمادهم عليه يختلف كثرة قلة. ويعثر على ما ذكرناه من أراده في غير إجهاد ومعاناة، ويستشفه بصره حيثما حل على صفحاتها.
وقد اعتمدت في طلب تحقيق ما وسمت به العنوان من متون المعاجم[17] الآتية:
1 - العين: للخليل بن أحمد الفراهيدي. (ت 175هـ)[18].
2 - جمهرة اللغة: لابن دري (ت 321هـ)[19].
3 - التهذيب: للأزهري. (ت 370هـ)[20].
4 - الصحاح: للجوهري. (ت 393هـ)[21].
5 - المحكم: لابن سيده. (ت 458هـ)[22].
6 - النهاية في غريب الحديث والأثر. لابن الأثير. (606هـ)[23].
وقمين بنا أن نورد مثلاً واحداً لكل معجم من هذه المعاجم ليتجلى لنا اعتماد مؤلفيها على الحديث في الاحتجاج به.
فالخليل: استشهد على معنى لفظة ((العداد)) بالحديث. فقال: وفي الحديث (ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان قطع فأبهري)[24] أي تراجعني، ويعاودني ألم سُمِّها في أوقات معلومة[25].
وابن دريد: استشهد على معنى لفظة ((ثرثار)) بالحديث. فقال: وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا أخبركم بأبغضكم إليَّ الثرثارون، المتفيهقون))[26]. ورجل ثرثار كثير الكلام[27].
والأزهري: استشهد على معنى لفظة ((عضه))[28]: بالحديث. فقال: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ألا أُنبئكم ما العضه))؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ((هي النميمة))[29].
والجوهري: استشهد على معنى لفظة ((كفر – بفتح الفاء وسكون الكاف –)) بالحديث. فقال: وفي الحديث (تخرجكم الروم منها كفراً كفراً)، قرية قرية من الشام[30]:
وابن سيده: استشهد على معنى لفظة ((العبّ))[31] بالحديث. فقال: وفي الحديث (اشربوا الماء صبًّا، ولا تعبوه عبًّا، فإن الكباد[32] من العبّ).
وابن الأثير: استشهد على معنى لفظة ((الخنا))[33] بالحديث. فقال: ومنه الحديث (من لم يدع الخنا والكذب فلا حاجة لله في أن يدع طعامه وشرابه)[34].
هذا، وقد أمسكنا عن انتزاع الأمثلة النبوية في كل ما تقدم تفادياً من الإطالة، مما يجزئ قليله في الدلالة على كثيره.

صور من استشهاد ابن منظور بالحديث:
إذا تدبرنا معجم لسان العرب، وقارنا بينه وبين المعاجم المشهورة التي تقدمته ممن نعدهم في الطليعة لألفينا أغزر معجم وأجمعه في الاستشهاد بالحديث هو معجم لسان العرب. وليس أدل على هذا، ولا أبلغ في الاحتجاج له من شيوعه فيه، وتعدد صوره: وهذا يؤدينا إلى نتيجة، وقد أشار إليها من المعاصرين الدكتور حسين نصار بقوله: "أخذ – أي ابن منظور – الأحاديث عن النهاية المختصة بها"[35].
ويقول في موطن آخر: "إنه أدخل في معجمه أكبر معجم في غريب الحديث: النهاية لابن الأثير"[36].
ونحن نحاول أن نقف وقفات متأنية مع ابن منظور وهو يتصدى لما تناوله من ألفاظ لغوية، مكتفين بنماذج قليلة على سبيل الاستشهاد، ولكنها كافية من حيث نوعها لإثبات مدى احتفائه بالحديث. وقد آثرت أن نتوجه إلى بيان ذلك من ثلاث نواح.
أولاها: استشهاده بالحديث على تفسير الألفاظ.
ثانيتها: استشهاده بالحديث على المعاني المجازية.
ثالثتها: استطراداته في مسائل شتى.

استشهاده بالحديث على تفسير الألفاظ:
لعلنا نوفق في ترتيب نقط هذه الناحية على النحو الآتي:
1 - إيراده الحديث كاملاً.
2 - اجتزاؤه ببعض الحديث.
3 - موالاته الاستشهاد بالحديث.
وها نحن أولاء نعرض لكل نقطة من هذه النقط بمثل أو بعض المثل.

إيراده الحديث كاملاً:
لقد أمعنت النظر في توظيف ابن منظور للحديث فتبين لي، أنه تارة يورد الحديث كاملاً في شرح المعنى اللغوي للكلمة التي تناولها.
كقوله في مادة: ((فزع))[37].
الفزع: الفرق والذُّعر من الشيء، وهو في الأصل مصدر. فزع منه وفَزَع فَزَعاً وفَزْعاً وفزعا، فهو فزع. وفَزع – بفتح الفاء وكسر الزاي – إليه لجأ، فهو مَفْزَع لمن فزع إليه. أي ملجأ لمن التجأ إليه.
وفلان مفزع الناس، وآمراة مفزع، وهم مفزع: معناه إذا دهمنا أمر فزعنا إليه، أي لجأنا إليه، واستغثنا به. وفي حديث الكسوف: ((فافزعوا إلى الصلاة))[38]، أي الجؤوا إليها، واستعينوا بها على دفع الأمر الحادث.
والفزع أيضاً: الإغاثة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، للأنصار: ((إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع))[39]. أي تكثرون عند الإغاثة. وقد يكون التقدير أيضاً عند فزع الناس إليكم لتغيثوهم.
وكقوله في مادة (الملأ)[40].
والملأ: الرؤساء، وأشرف القوم ووجوههم، ورؤساهم ومقدّموهم الذين يُرجع إلى قولهم. ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم، سمع رجلاً من الأنصار، وقد رجعوا من غزوة بدر يقول: ما قتلنا إلا عجائز صلعاً. فقال عليه الصلاة والسلام: ((أولئك الملأ من قريش. لو حضرت فعالهم لاحتقرت فعلك))[41].

اجتزاؤه ببعض الحديث:
وتارة يورد الحديث مجتزئاً بموطن الشاهد فقط ليعزز فيه اللفظة. كقوله في مادة (صدأ)[42].
والصدأ: الطبع والدَّنس يركب الحديد. وصدأ الحديد: وسخه. وصدئ الحديدُ ونحوه يصدأ صدأ، وهو أصدأ: علاه الطبعُ، وهو الوسخ. وفي الحديث: ((إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد))[43]. وهو أن يركبها الرَّين بمباشرة المعاصي والآثام، فيذهب بجلائها، كما يعلو الصدأ وجه المرآة والسيف ونحوهما.
وكقوله في مادة (الفطرة)[44].
والفطرة: ما فطر الله عليه الخلق من المعرفة به. والخلقة التي يخلق عليها المولود في بطن امه. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كلُّ مولود يولد على الفطرة))[45]. يعني الخلقة التي فُطر عليها في الرَّحم من سعادة أو شقاوة، فإذا ولده يهوديان هوَّداه في حكم الدنيا، أو نصرانيان نصّراه في الحكم، أو مجوسيّان مجّساهُ في الحكم.

موالاته الاستشهاد بالحديث:
وتارة نراه يكرر الحديث تقريراً للمعنى اللغوي الذي كشفه من اللفظة. كقوله في مادة (جنب)[46].
جنب، بالضم: أصابه ذاتُ الجنْب.
والمجنوب: الذي به ذات الجنب. تقول فيه: رجل مجنوب. وهي قرحة تصيب الإنسان داخل جنبه، وهي علّة صعبة تأخذ في الجنب.
وقال ابن شميل: ذاتُ الجنب، هي ذاتُ الجنب، هي الذُّبيلة، وهي علّة تثقب البطن وربما كنوا عنها فقالوا: ذاتُ الجنب. وفي الحديث: ((المجنوب في سبيل الله شهيد))[47].
قيل: المجنوب الذي به ذات الجنب. يقال: جُنب فهو مجنوب، وصُدر فهو مصدور. ويقال: جنب جنباً. إذا اشتكى جنبه، فهو جنب، كما يقال: رجل فَقرٌ وظهرُ: إذا اشتكى ظهره وفقاره. وقيل: أراد بالمجنوب الذي يشتكي جنبه مطلقاً. وفي حديث الشهداء: ((ذات الجنب شهادة))[48]. وفي حديث آخر ((ذو الجنب شهيد))[49]. وهو الذبيلة والدُّقلُ الكبيرة التي تظهر في باطن الجنب وتنفجر إلى داخل، وقلّما يسلم صاحبها. وذو الجنب الذي يشتكي جنبه بسبب الذبيلة، إلا أن (ذو) للمذكر وذات للمؤنث، وصارت ذات الجنب علماً لها، وإن كانت في الأصل صفة مضافة.
هذه ألوان من استشهاد ابن منظور بالحديث النبوي فاض به معجمه. فقد رأيناه يورد الكلمة، ثم يكشف عن أصلها في الاستعمال اللغوي، ويستقري مدلولاتها ومعانيها، وتكنّه أسرارها ويستحضر الشواهد من الحديث.



رد مع اقتباس