عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,769
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي الانغماس اللغوي ومصطلحاته الأخرى في تعليم العربية للناطقين بغيرها: مناقشة وتأصيل

كُتب : [ 09-29-2017 - 03:32 AM ]


الانغماس اللغوي ومصطلحاته الأخرى في تعليم العربية للناطقين بغيرها:
مناقشة وتأصيل في ضوء الهدف والوظيفة
د.رائد عبد الرحيم


يعود هذا المصدر إلى الجذر غمس، وقد تحدثت المعاجم العربية عن معناه، وسأكتفي ببعض المعاجم المهمة المشهورة لأتتبع المعنى اللغوي لهذا الجذر، ويحمل المعاني التي تهمنا في هذا الموضوع، يذهب ابن فارس في مقاييس اللغة إلى أن " الغين والميم والسين أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على غَطِّ الشيء. يقال: غَمَست الثَّوبَ واليدَ في الماء، إذا غططتَه فيه. وفي الحديث: "إذا استيقَظَ أحدُكم من نومه فلا يَغمِسْ يَدَه في الإناء". "ويمينٌ غَموس* قال قوم: معناه أنّها تَغمِس صاحبَها في الإثم".
ويورد ابن منطور : " غَمَسَه يَغْمِسُه غَمْساً أَي مَقَلَه فيه ، وقد انْغَمَسَ فيه واغْتَمَس . والمُغَامَسَة : المُمَاقَلَة ، وكذلك إِذا رمَى الرجل نفسه في سِطَة الحرب أَو الخطب،وفي الحديث عن عامر ، قال : يكتحِل الصائم ويَرْتَمِسُ ولا يَغْتَمِس . قال : وقال علي بن حجر : الاغْتِماس أَن يُطِيل اللبُّثَ فيه ، والارْتماس أَن لا يطيل المكث فيه"
يذكر الرازي في مختار الصحاح أن معنى الانغماس هو الاندماج والاختلاط والامتزاج فقال : " غَمَسَ الشَّيءَ في الماءِ ونحوهِ غَمْسًا : غَمَرَهُ به . ويقال غَمَسَ اللُّقمةَ في الإِدام . و غَمَسَ واليمينُ الكاذبةُ صاحبَها في الإِثم : أَوقعته فيه.
أمّا المعجم الوسيط، فيقول: وغمس" الشيء في الماء ونحوه غمساً :غمره به، ويقال غمس اللقمة في الإدام، واليمين الكاذبة في الإثم :أوقعته فيه"، وتأتي بمعنى غمس المرء نفسه " وسط الحرب أو الخطب" .
يتضح من المعنى اللغوي الذي قدّمته المعاجم اللغوية أن الانغماس يفيد
• الاندماج والامتزاج في الشيء
• والاحتكاك المباشر به
• والعيش وإطالة البقاء .
ويكون الانغماس بهذا المعنى أكثر شمولية من المصطلحات الأخرى المتداولة في هذا المجال مثل التواصل والاندماج والغطس والحمام اللغوي والاجتماعي ومحمية التعليم، التي لا تفيد شمولية المعاني التي قدمتها المعاجم العربية للفظة غمس، وفي الآتي مناقشة لهذه المصطلحات .
قيل في الوصل والتواصل: " والتوصل ضدّ التصارم، ووصله توصيلاً إذا أكثر الوصل"، والوصل والتواصل في لسان العرب هو ضد الهجران وخلاف الفصل، " واتصل الرجل انتسب" ، " واتصل إذا انتمى". ولا يخرج ما ورد في المعجم الوسيط عن المعاني السابقة إذ أفادت المعني التي قدمها معنى الاختلاط والامتزاج، وتضيف أن يصبح الموصول جزءاًمنالبيئة الجديدة حين ينضم إليها ، فقيل: " وصّل الشيء بالشيء : أكثر من وصله بمعنى ضمّه ولأمه، والشيء إليه: أنهاه إليه وأبلغه إياه". صحيح أن التواصل وفق هذه المعاني يعني أن يضحي المرء جزءاً من البيئة الجديدة والمجتمع الجديد، وأن ينخرط فيه، ولكن تظل طريقة الانخراط مجهولة أهي مباشرة أم غير مباشرة؟، فليس هناك تصريح بالأمر كما ورد في لفظة غمس التي اقتضت البقاء والمكث في البيئة والمجتمع مكان الانغماس. ولكنها تتفق في أن يصبح المرء جزءاً من المجتمع، وحين يصبح كذلك يسهل عليه الانخراط فيه، والإلمام بلغته وثقافته.
وتفيد لفظة دمج واندمج معنى الاختلاط والامتزاج في الشيء، فيقال: " رجل مُدمَج ومُنْدَمِج : مُداخل كالحبل المحكم الفتل"، و" دمج الشيء دموجاً إذا دخل الشيء واستحكم فيه، وكذلك أندمج وادَّمج"، ويقال دمج الرجل واندمج في البيت أي دخل. فبعض هذه المعاني تفيد أن الاختلاط يكون مباشراً في الشيء حتى يضحيا شيئاً واحداً، وهذا لا يقره الواقع العملي لتعلّم اللغة الثانية وتعليمها، فليس المقصود منها امتزاج المتعلم بالبيئة اللغوية، فيتخلى عن ثقافته أو استحكام الثقافتينحتى تصبحا واحدة، وإنما الهدف الإفادة من المجتمع الجديد والتأثر والتأثير، لأنه مهما بلغ الامتزاج مداه، فلن يضحي المتعلم محكوما نهائيا لثقافته الجديدة ولن يتخلى عن ثقافته لصالحها. ويؤكد ذلك أن من معاني لفظة الاندماج الأخرى الاستتار والخفاء، فالمتعلم حين يندمج في بيئة جديدة ويستحكم فيها تختفي ثقافته وتستتر فيها، وليس هذا المقصود البتة من مزج المتعلم بالبيئة اللغوية التي يتعلمها.
ولا تفرق المعاجم اللغوية بين لفظتي غمس وغطس في المعني الكلي، وتجعلهما شيئاً واحداً، فورد فيها " الغطس في الماء الغمس فيه، غطسه في الماء غَطْساً وغَطَّسَهُ في الماء ...غمسه فيه" وانغمس، ولكن جاءت المعاني الخاصة بالغمس والانغماس أكثر وضوحا وشمولية
للهدف من تعلم وتعليم اللغة الثانية، ففيها معنى البقاء والمكث، وهذا ما لم يصرح به في معاني لفظة غطس، ومن هنا يكون الانغماس اللغوي أكثر دقة من المغطس اللغوي، بل على العكس من ذلك فإنها توحي المكث القليل لاقترانها بالماء فلا يستطيع أحد المكوث فيه فترة طويلة إلا إذا كان جماداً غير حي، فقالوا:" الغاطس من السفينة :اسفلها الذي يغيب في الماء"، وعادة هذا الجزء يغطس لفترة طويلة.
أما ألفاظ غمر وانغمر واغتمر، فتتلاقى في بعض معانيها مع ألفاظ غمس واغتمس وانغمس وانغماس، وهذا ما صرحت به المعاجم العربية، فقيل " واغتمر في الشيء : اغتمس، والاغتمار : الانغماس، والانغمار: الانغماس في الماء"، إلا أن الغمر والانغمار تحمل معاني أوسع وأكثر شدة في الامتزاج تصل إلى درجة التغطية والتلاشي والعلو والغرق، فيقال: غمره الماء : علاه وأغرقةوغطّاه، وهي تفيد معنى الكثرة كذلك، فأوردوا : غمرة الماء والناس كثرتهم، "وكأنني ضارب في غمرةٍ لعبُ أي سابح في ماء كثير". وهذه المعاني الإضافية تبعد المتعلم عن الهدف النهائي من تعلمه اللغة الثانية وثقافة البيئة الجديدة، فتعلمها لا يعني أن تطغى على ثقافته أو تغمره نهائياً، فيأخذ منها الغث والسمين، ولا تنسجم واستراتيجيات الامتزاج الذي يقتضي أن يأخذ من المجتمع حاجته، وبتدرج، لا أن يغرق مرة واحدة فيه، وتأتيه المعلومات كثيرة فلا يستطيع السيطرة عليها، وهذا أمر يخل في العملية التعليمية .

في ضوء هذه المعطيات كلّها كانت لفظة انغماس وانغمس أكثرها دقة لأنها تنسجم والهدف النهائي من امتزاج المتعلّم بالبيئة اللغوية والثقافية الهدف، فهو يمكث في البيئة، ويتصل بها مباشرة، ويغمس منها ويأخذ ما يريده على مهل، فتتيح له هذه الإقامة التنظيم والترتيب في العملية التعليمية. صحيح أن اللغويين جعلوا الغمس والغمر والغطس في سياق دلالي واحد أحياناً إلا أن هناك فروقات دلالية ترجح غلبة الغمس عليها في المجال الذي نبحثه . وقد ألمح الباحثان آمنة مناع ويحي بن يحي إلى هذا الفرق الدلالي حين ناقشا المعنى لألفاظ الغمس والاغتماس والغمر من غير تفصيل في ذلك أو ترجيح أحدهما على الآخر، وتبنى الباحثان مصطلح الانغماس من دون مناقشة وافية للمصطلحات الأخرى حاشا الغمر، واكتفيا بالقول بعد الإشارة إلى مصطلحات أخرى " أما تبنينا للمصطلح الأول " الانغماس"، فكونه الأقرب للمعنى اللغوي الوارد في المعاجم اللغوية العربية" . ولكنهما يعودان إلى ترجيح مصطلح الانغماس على الغمر في ضوء آراء اللسانيين، الذين نظروا إليهما من منظور الفرق في الاستراتيجيات، فيوردان رأي فلوريان كولماس الذي يرى أن الغمر " يكون فيه الدمج اللغوي غير منظم، ولا يستند لتخطيط يراعي الثنائية والتنوّع اللغوي ، عكس ما يكون في برنامج الانغماس" .

رد مع اقتباس