الموضوع: اتئد يافيصل
عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
أ.د رياض الخوام
عضو المجمع
رقم العضوية : 98
تاريخ التسجيل : Mar 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 37
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

أ.د رياض الخوام غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-06-2014 - 01:23 PM ]


ومثل ذلك ذكر في باب الحال أنه يجوز أن يكون للاسم الواحد حالان فصاعداً وراح يذكر عدداً من الأمثلةالنحوية الصناعية لكل من الحال والنعت ،ولم يورد شواهد شعرية ،يدلل فيها على جواز ذلك [2]،فهل عجز هذا المدلس في مثل هذه الأماكن على صوغ الشعر ؟أليس نظم الشعر سهلاً عليه ؟
1- أن عدم الاهتداء إلى قائلي هذه الأبيات في أشعار الطائيين لا يعني أنها مدلسة موضوعة ، والظاهر أن ابن مالك لأنه طائي يهتم بقبيلته بأخبارها وبشعرائها فهو كغيره من العرب،والعربي بطبعه يعتز بقبيلته ، فربما دفعه هذا الاعتزاز إلى الحرص على جمع كل ما يتصل بشعرائها وحفظ أشعارهم ورواياتهم وأخبارهم ،ولا يستبعد أن يكون الرجل قد وقع إليه أشعارٌ لهم من كتب لغوية , أو دواوين شعر لم تصل إلينا ,وحقيقة هذه الظاهرة لاينكرها أحد من طلبة العلم ، والذي لا شك فيه أن المكتبة الشعرية أيام ابن مالك كانت أضعاف أضعاف ماوصل إلينا ،فربما اطلع الرجل على تلك الدواوين والمعاجم وكتب اللغة التي لم تصل إلينا , ورحم الله القائل :
وإذا لم تر الهلال فسلِّم لأُناسٍ رأوه بالأبصار
2- ومن الجدير ذكره هنا أن نسبة بعض الأبيات إلى "طائي" لاتدل أن القائل هو ابن مالك الطائي يقيناً، فمن منهجه في سوقه لشواهده الشعرية أنه ينص أحياناً على قبيلة الشاعر التي ينتسب إليها أو اشتهر بها , ففي شرح الكافية الشافية بعد نظرة سريعة وجدت ثلاثة مواضع يصدر فيها ابن مالك شواهده الشعرية بنسبة قائليها إلى قبائلهم من ذلك : قول ضريب ابن أسد القيسي ,وقول قيس العامري , وقول ابن شهاب الهذلي ,([3])
فإذا كان الأمر كذلك فلا دليل على أن المراد من الطائي ،هو ابن مالك، فالرجل يذكر الطائي وفقاً لمنهجه الذي سار عليه في تصديره في شواهده , ورأيت أيضا في شرح الكافية الشافية ([4])أنه صدر الأبيات المشهورة
باسم الإله وبه بدينا ....
بالقول " كقول بعض الأنصار " ولا أشك أنه يعرف أن عبد الله بن رواحة، هو قائلها، لكنه حين كتب لم يخطر بباله أن ينسبها، هذا طريق من طرق ابن مالك التي سلكها في تصديره لشواهده، ولا داعي لكثرة التدقيق في تصديراته فطرقه في استشهاد ه بالشواهد كثيرة متنوعة وهي لاتخرج عن المألوف المعروف عند النحويين
3- لو كان ابن مالك وضاعاً مدلساً لظهر ذلك أيضاً في شواهده النثرية فلماذا اتجه وضعه إلى الشعر دون النثر , أما كان بإمكانه أن يضع كلاماً نثرياً منسوباً لطيء أو لغيرها من القبائل , إن الرجل سجل ماوقف عليه من أشعار لطائيين فسجلها ليس غير .
4- لو كان ابن مالك على نحو ما زعمت يا فيصل فهل سيتركه الخالفون كأبي حيان مثلاً , وكلنا يعلم حرص أبي حيان على الأخذ على ابن مالك , لقد رأيت يا فيصل أن أبا حيان يستشهد ببيتٍ ربما وضعتَه أنت ضمن قائمتك التي تزعم أنها مدلسة , هذا البيت ذكره ابن مالك منسوباً لرجل من طيء نقله أبو حيان عنه، وصدره أيضاً بأنه منسوب لطيء أيضاً هذا البيت هو :
إذا بنا بل أبينينا اتقت فئةٌ ظلت مؤمنةً ممن تعاديها [5]
وهذا البيت ساقه ابن مالك في شرح التسهيل ضمن عدد من الأشعار بعضها منسوب وبعضها غير منسوب ،ولو لم يكن هذا البيت موجوداً ما أثر ذلك على القاعدة بشيء ،ومثل ذلك البيت الذي نسبه لرجل من طيء :
قلت من عيل صبره كيف يسلو صاليا نار لوعة وغرام ([6])
وذكره أبو حيان في التذييل والتكميل مصدراً أيضاً بأنه لرجل من طيء [7]،وفي هذا المقام اذكرك بأن أبا حيان من حفظة أشعار العرب قال عن نفسه :
"وقد حفظت في صغري في علم اللغة كتاب الفصيح لأبي العباس أحمد بن الشيباني , واللغات المحتوي عليها دواوين مشاهير العرب الستة , امرؤ القيس والنابغة وعلقمة وزهير وطرفة وعنترة وديوان الأفوه الأودي لحفظي عن ظهر غيب لهذه الدواوين، وحفظت كثيراً من اللغات المحتوي عليها نحو الثلث من كتاب الحماسة واللغات التي تضمنها قصائد مختارة من شعر حبيب بن أوس لحفظي ذلك ،ومن الموضوعات في الأفعال كتاب ابن القوطية، وكتاب ابن طريف وكتاب السرقسطي ومن أجمعها كتاب ابن القطاع"([8])
فهل يعقل أن أبا حيان لا يملك الحاسة الذوقية التي تساعده على كشف تدليسات ابن مالك بعد حفظه لهذه الأشعار ؟ وهو كما قلت حريص على أن يأخذ على ابن مالك , انظر إلى أبي حيان لتمكنه في هذا الفن ومهارته في معرفة الشعر وأصحابه كيف علق على بيت النابغة :
فلم يك نولكم أن تشقذوني ودوني عازب وبلاد حَجرِ
قال : ونسبه ابن هشام لعلقمة غلطاً ([9]) , ولو رحنا نتتبع الحفظة من بعد ابن مالك لدُهشنا من كثرة محفوظاتهم ومع ذلك ما رأينا أحداً اتهم الرجل بمثل هذه الفرية , ولقد رأينا أبا حيان و الخالفين أثاروا مشكلة كثرة استشهاده بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم , فلو كان ابن مالك ممن يضع الشعر أو يدلس لما تركوه فهم أحفظ منا شعراً وأوعى منا قلباً وأحرص منا على هذه اللغة الشريفة .
5- لو ذهبنا إلى القول إن كل بيت لم نقف على قائله ربما وضعه النحاة لهدمنا نحونا العربي , إن السند في الروايات اللغوية كان موجوداً مستعملاً لكن القوم ترخصوا فحذفوا هذه الأسانيد , لأنه لا يتعلق بشرع إلهي , بخلاف القراءات والعلوم الشرعية , فالسند يلزمها لأن هذه العلوم تتعلق بعقيدة الأمة ،ودليلنا على وجود السند قديماً , أنك لو نظرت إلى إعراب ثلاثين سورة لابن خالويه , لوجدت كثيراً من الروايات مسندة , ولو نظرت في كتاب مراتب النحويين لوجدت الرجل يسوق أحياناً سنداً لبعض الألفاظ اللغوية مع أن الكتاب كتاب تراجم , وانظر كتاب الكامل وغيره من كتب اللغة فسوف تلحظ آثاراً تدل على أن الإسناد كان موجوداً عند علمائنا اللغويين , حذفوه ترخصاً لأنه لا يتعلق به غرضٌ شرعي , لذلك أقول يا أخانا: إن لم نعثر على قائل لبيت شعري لايعني هذا أنه منتحل أو موضوع أو مدلس ، والأمور مبنية على الإيجاب وعدم الشك , وأنت تعرف البيت المشهور :
إذا قالت حذام ..
لقد استشهد به ابن عقيل كما تعلم ،الأمر الذي يدل على منهج اتفق القوم عليه في نظرتهم إلى تاريخهم اللغوي ،فلتكن الثقة هي العلاقة الوثيقة بين الآباء والأحفاد، ومذهب الشك الديكارتي لا ينطبق في أي حال من الأحوال على ظواهرنا اللغوية .
6- أن الاهتمام بفكرة الاستئناس بورود البيت في كتبٍ قبل ابن مالك ،ليست معياراًدقيقاً للدلالة أن هذا البيت أصيل،ويصح الاحتجاج به ،مثال ذلك شعر بشار أو أبان اللاحقي , لقد ورد لهما البيتان المعروفان ،وترددذكرهما في كثير من كتب النحو،لكنهما بقيا شاهدين لايُستشهد بهما لأن قائليهما خارج نطق الاحتجاج ,فورودهما لم يشفع لهما بالقبول ، وهذا يعني أن قِدم ذكر بيتٍ شعري وتردده في الكتب النحوية لا يعد معياراً نكتشف به صحة البيت من حيث الوضع أو عدمه , فذهابك إلى أن هذه الأبيات لم ترد عند القدماء ليس بكشاف نكشف به حالة البيت , وهل التفرد برواية بيت يؤدي إلى الشك فيه ،في مثل هذه الحالة يُنظر إلى حالة قائله ،فإن كان ممن يوثق بكلامه ،وأجمع القوم على عدالته ،وعرف المختصون أنه استقرأكلام العرب ،فوجد فيها مايمكن الاحتجاج به ،فالذي نحسبه أنه لاضير في قبول مايذكره الرجل ،وهذا الأمر ينطبق على حالة ابن مالك تماماً ،والعلماء الذين تحيروا منه إنما احتاروا يا فيصل تعجباً لاتشككاً،فما أعرف أحداً اتهم الرجل غيرك يافيصل،ولاتجد أحداً ترجم له فذمه،قال أبو حيان تعليقاًعلى ابن مالك في استشهاده بلغة لخم وخزاعة وقضاعة :ليس ذلك من عادة أئمة هذا الشأن "فرد الفاسي صاحب فيض الانشراح على أبي حيان قائلاً":وجوابه أن ابن مالك سار في علوم العربية سير المجتهدين ،فلا يرى فيها تقليد أحد [10]إذن هو عند أهل هذاالفن وصل إلى مرتبة الاجتهاد ،ثم إن ثناء العلماء عليه ،يجعلنا نقول : اجتمع فيه العدالة والاجتهاد ، وحين وقف على هذه الأشعار ورأى فيها شواهد تصلح للاستشهاد بها ,لم يتوقف ولم يخطر بباله أن واحداً من أهل هذه الصنعة سيقول له :إن عدم ذكر القدماء لهذه الأشعار ،ونسبتك إياها أحياناً إلى الطائيين ،وعدم نسبتها ،دليل على أنك قائلها ومدلسها .
7- إن اتكاءك على تقارب المعاني والمفردات بين هذه الأبيات التي اخترتها للزعم بأن الرجل يدلس ،لا تدل على ما تريد يا فيصل , لأنك تنطلق من يقين لديك هو أن هذه الأبيات صنعها ابن مالك في حين أنه لم يثبت حتى الآن أن ابن مالك هو قائلها، ولو كان لابن مالك ديوان شعر وقمت بمثل هذه الموازنة فربما قبلنا مثل هذه الاستنتاج أما عقدك موازنات من جهة المعاني والموضوعات بين الأبيات نفسها فهو إن دل على شيء فيمكن أن يدل أن القائل واحد، لكن هذا لا يعني أنها مدلسة ،فلعلها لرجل واحد من طيء وربما لشعراء متفرقين ،أفاد اللاحق من السالف في اجترار المعاني , وقد رأيت بيتاً من الشعر صدره ابن مالك بالقول :إنه لرجل من طيء إسلامي ([11]), فقوله :إسلامي ،يفيد أن ابن مالك مطلع على أشعار الطائيين الجاهليين والإسلاميين , وينبني على هذا أن المضامين الإسلامية الموجودة في هذه الأشعار لا غرابة فيها فالبيئة إسلامية والثقافة إسلامية
وأؤكد أن الرجل لو أراد الوضع لجاءت عبارة (قال الشاعر) تغطيةً حسنة لوضعه وتدليسه ،ففي الغموض نجاة له , أما نسبة البيت إلى رجل من طيء، فذا يفيد أنه لا يفكر في الوضع ولا في تمويهه
ليتك يا فيصل نظرت إلى ما قاله ابن مالك حول البيت الذي قيل عنه :إنه مصنوع وهو :
حذرٌ أموراً...........
كنت ستدرك تماماً أن ابن مالك مدرك تماماً قضايا وضع الشعر عارفاً بهذه المشكلة، لقد أخذ على القادحين في هذا البيت أن القدح الذي حصل لهذا البيت هو من الحاسدين وتقول المتعنتين، وأضاف قائلاً : إن سيبويه لم يكن ليحتج بشاهد لا يثق بانتسابه إلى من يثق بقوله , وفي بعض النسخ إلى من يحتج بقوله .
وهذا يفيد أن ابن مالك على وعي بما يمكن أن يثار للذين يستشهدون بشواهد لا يوثق بقول من يقولها , فهل بعد إدراكه هذا يقع في ما هرب منه ونبه إليه ! ثم قال بعد ذلك كله دافعاً البيت المشكك فيه ما نصه :
وقد جاء إعمال فعيل فيما لا سبيل إلى القدح فيه وهو قول زيد الخيل :
أتاني أنهم مزقون عرضي ....... ([12])
هذه الطريقة التي سلكها ابن مالك تؤكد أنه لا يؤمن بالاستشهاد ببيتٍ غير موثق , ومعنى هذا أن الأبيات التي ذكرها كلها صحيحة فهي من كلام العرب المحتج بهم , وهنا نتساءل لماذا لم يضع بيتاً آخر لصيغة فَعِل داعماً به قول زيد الخيل ؟
لقد غلب على كتاب شرح الكافية الشافية قوله حين يشرح الأبيات عبارات تفيد دقته في نسبة الشواهد إلى أصحابها كقوله : تضمن تمثيلي أو كقولي أو نبهت بقولي , وقد مر معنا أنه في باب الإضافة اللفظية ذكر بيتاً ضمنه قول الراجز:
الفارجو بابِ الأمير المبهم , وأردفه بتمثيل له وهو : الخالدان المستقيلا حذيمِ
وحين أتى إلى شرحه صدر الرجز بالقول كقول الراجز، وحين أراد المثال قال : كقولي ,أما كان من السهل جداً أن يقول عن مثاله كقول الراجز ،هذه الدقة تفيد أن الرجل هو الغاية في الصدق والأمانة يافيصل ، ولو رحت تنظر في كل شرحه للكافية الشافية لرأيته يبين ماهو من نظمه وما هو من نظم غيره .فلماذا لايدلس هنا أيضاً ؟والأمر سهل جداً.
8- ماذا يقول الأخ فيصل عن تلك الأبيات التي جعلها موضوعة من ابن مالك ،ثم ذكر الخالفون بعده أن بعضها اختلفت روايته ؟هل هم الذين حرفوا أيضاً ؟ألا يفيد ذلك أن هناك مصادر استقوا منها هذه الروايات ؟مثال ذلك أن ابن مالك في شرح الكافية الشافية أيضاً ذكر البيت :
رؤية الفكر ما يؤول ....
وفي الهامش ذكر المحقق عن العيني أن الشطر الثاني يروى مع بعض تغيير كما يلي :
على اكتساب الثواب [13]
ومثل ذلك أيضاً البيت :
لولا اصطبار لأودى كل ذي مقة لما استقلت مطاياهن للظعن
قال العيني :ويروى : حين استقلت [14]،والذي أحسب أننا لو تتبعنا اختلاف روايات الأبيات لرأينا من ذلك الكثير ،ولا يقال :إن هذا لا يؤثر على موضع الشاهد ،بل نقول :إن هذا دليل على صدق القوم لأنهم ذكروا ما عثروا عليه في المصادر التي وقفوا عليها .
والعجيب أن هذ البيت ساقه ابن مالك في شرح التسهيل مثالاً على مجيء المبتدأ نكرة بعد لولا ، وذكر قبلها أمثلة نحوية متداولة لوقوعها بعد النفي والاستفهام ،ما في الدار أحد [15]،ولم يأت بشاهد شعري ، فهل عجز ابن مالك عن صوغ بيت لكل موضع ؟
هذا ما بدا لي وأحببت أن أقدمه للأخ عادل وهو لا شك معنا في أن ابن مالك سيبقى منارة مضيئة وعلامة متميزة وقامة شامخة ومحطة يجب أن يتوقف عندها كل باحث في علوم العربية , أجمع الناس على عدالته واستقامته فالشك لا ينفي الصحة ولا يدفع العدالة والذي أحسبه أن ما قدمته يا أخانا من أدلة لا تنهض دليلاً ولا تقوم حجة , والرجوع إلى الحق فضيلة , هدانا وإياك الله لما فيه الخير لطلاب العلم وللعربية .

[1] السابق3/284

[2] السابق 2/348وانظر أيضاًشرح الكافية الشافية 2/756

[3]) انظر شرح الكافية الشافية 2/857 ,3/873 وانظر شرح التسهيل أيضاً 3/198 , 3/202

[4] ) 2/116

[5][5] شرح التسهيل 3/377والبحر المحيط 2/148 وانظر هامش شرح التسهيل

[6] ) شرح التسهيل 1/310

[7] التذييل والتكميل 4/27

[8] ) انظر البحر المحيط 1/6

[9] ) انظر التذييل والتكميل 4/128

[10] الاقتراح 39 الحاشية

[11] ) شرح الكافية الشافية 2/854

[12] شرح الكافية الشافية 4/1039 , وشرح التسهيل 3/81

[13] المرجع السابق 2/921

[14] شرح الشواهد 1/207ضمن شرح الأشموني ومعه حاشية الصبان (البابي الحلبي )

[15] شرح التسهيل 1/293




التعديل الأخير تم بواسطة أ.د رياض الخوام ; 03-08-2014 الساعة 12:44 PM

رد مع اقتباس