عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 7 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-25-2017 - 01:13 PM ]


موقفه من القراءة الجابرية للفكر العربي
يخصص الدكتور تيزيني مؤلفا كاملا لنقد التصورات البنيوية للعقل العربي، عموما، ولتصورات الدكتور محمد عابد الجابري خصوصا، هو(من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي – بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي وفي آفاقها التاريخية). وذلك لأنه يعتبر أن هذه التصورات، نظرا لشيوعها وانتشارها، تمثل أحد العوائق الأساسية لفكر النهضة العربية. وهو ينقض أساسها الفكري والمتمثل في التصورات البنيوية غير التاريخية للعقلية العربية المبنية على تصورات صورية منطقية منقطعة عن الواقع. كما ينقض تحليلاتها المتعددة.
وبالنظر لأهمية هذا الحوار للفكر العربي نستعرض هنا أهم التصورات النقدية التي طرحها تيزيني في معارضة الفكر الجابري. ويستهل تيزيني مؤلفه باستعراض ما يطرحه الجابري والآراء المختلفة التي طرحت حوله، وإذا أخذنا برأي الجابري نفسه، فإن كتاباته تتجلى في أهمية خاصة نظرا إلى أنها تفتح "عصر تدوين جديد" في الثقافة العربية عموما وخصوصا. وهو يرى أن ذلك يفصح عن نفسه في الخلاصة المركزة التالية، التي يختم بها كتابه "تكوين العقل العربي": "أدى بنا رصد الأسس الإبستيمولوجية لإنتاج المعرفة داخل الثقافة العربية إلى تصنيف لا يؤخذ فيه بعين الاعتبار سوى البنية الداخلية للمعرفة، أي آلياتها ووسائلها ومفاهيمها الأساسية، تصنيف يطرق أفاقا جديدة تماما هي من الخصوبة والعمق – فيما يبدو لي – بمثل الآفاق التي فتحها أمام علم البيولوجيا التصنيف الحديث للحيوانات إلى فقريات ولا فقريات...هكذا أمكن تصنيف العلوم وجميع أنواع المعارف في الثقافة العربية الإسلامية إلى ثلاث مجموعات: علوم البيان... وعلوم العرفان...وعلوم البرهان".
إن هذا "الفتح الجديد" الذي دشنه الجابري باحتفاء يقارب، كما ورد في حوار معه، الاحتفاء بالفتح الذي دشنه علم البيولوجيا الحديث، استقبل بترحاب حار من قبل أوساط ثقافية عربية معينة. فقد أعلن أحد الكتاب المحتفين بالجابري أن الدارس للتراث العربي الإسلامي صار لديه، عبر ما حققه هذا الباحث على الصعيد المعني، خريطة تضبط له منطلقه ورؤيته. كما رأي كاتب آخر أن الجابري قدم من الإنتاج الفكري ما يجعله جديرا بلقب "صاحب مقالة".
بيد أن أوساطا ثقافية عربية أخرى رأت في ذلك "الفتح" وتلك الإنجازات"، التي ترتبت عليه، تراجعا إلى وراء ووجها مكرورا من أوجه إشكالية قديمة مأزومة على صعيد البحث في الفكر العربي المعاصر، أو دعوة إلى صياغة "أنساق مغلقة" قد تفصح عن لاتاريخية فاضحة، في حين أعلن البعض أن الجابري لم يقدم أكثر من تصنيف أكاديمي لما قاله سابقوه، مع إفادته من المناهج الغربية، أو أنه – بلسان بعض آخر – مارس "تعاطيا تشطيريا مع التراث"، الخ...، دون أن نهمل ما أعلنه آخرون – ولكن كذلك دون أن نمنحه أهمية مبدئية – من أن الجابري (في بحثه حول إشكالية الأصالة والمعاصرة) "اكتفى بالحديث الإنشائي المعتاد ونعتقد أن هذا قد آن له أن ينتهي في تحليلنا لمشاكلنا". أخيرا يأخذ طه عبد الرحمن المآخذ التالية على الجابري: "تقويل الكتاب ما لم يقولوا، وسوء التصرف في النصوص، وفساد التعريف، وفساد التصور، والسقوط في التناقض، وعدم تحصيل الملكة في العلوم الصورية والمنهجية، والعجز عن نقد وتمحيص الآليات الاستهلاكية".
والآن إذا أخذنا ذلك بالاعتبار في سياق المشكلات والتحديات في الحقل العربي الراهن، وخارجه، فإن دواعي وموجبات البحث في كتابات الجابري تغدو أكثر وضوحا وبروزا. فهذه الأخيرة ليست محايدة ولا "فاترة" ولا "إرجائية" حيال ذلك كله. بل إن صاحبها يعلن أنها أتت إجابة على معظم مشكلات الثقافة العربية. وهو يلحف، في ذلك، كثيرا في سياق تفتيت "الخطاب العربي" وتفكيك "العقل العربي" وتقديم "عصر تدوين جديد" للثقافة العربية. ولعله من طرائف الموقف الجابري و"خصوصيته" أن نضيف، حيث يدور حديثنا على مسوغات البحث في كتاباته، مسوغا آخر قد يلقي ضوءا على سيكولوجيته الشخصية وعلى بعض أوجه تلك الخصوصية للموقف المذكور. أما المسوغ المعني، فيتمثل – برأي الجابري نفسه – في أن الباحث "المغربي" هو، بالقياس إلى "الكاتب المشرقي المرتزق" ذو شخصية مرهفة دقيقة، ومستقلة، وتتمتع بشرائط العمل الفكري النقدي (العلمي)؛ هكذا بتعبير الكاتب نفسه: "في مرحلة الكتابة لا بد من (الاستقلال). لا بد من الثقة بالنفس. وهذه خصلة ربما تميزنا بها نحن المغاربة عن إخواننا المشارقة. فمعظم الكتب التي تؤلف في المشرق هي دروس للطلبة يطبعها الأستاذ ليكمل ماهيته – حسب تعبيرهم – أي أجرته. أما نحن في المغرب فلم نعتد على هذا...ولا يجرؤ الواحد منا...على تأليف كتاب وطبعه ونشره إلا إذا كان حقا يعتقد أنه سيأتي بشيء يستحق أن يكون كتابا."
المهم في ذلك أن "مغربية" الجابري، كما يطرحها صاحبها، تعلن عن نفسها بمثابة "سر" أو"بنية خفية ومعلنة" كمنت وراء إنجازه "نحن والتراث" و"الخطاب العربي المعاصر"...الخ، ومن ثم بمثابة مسوغ يدعو الباحثين للاهتمام بها، خصوصا إذا ما علمنا من صاحب العلاقة أنه من "المغاربة المتواضعين، الذين لا يبدأون في التأليف إلا عندما يأنسون من أنفسهم أنهم سيقولون شيئا". (من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي ص 21- 24)
ينتقل تيزيني بعد ذلك إلى نقد المنهج الجابري الصوري، ويستخلص أن المنهج الجابري ليس منهجا معرفيا إنما هو منهج إيديولوجي أساسا ولكنه مطروح في صورة معرفية، كما يلي، الفكر النظري، على خصوصيته المرهفة في سلم التجريد، يظل – من حيث الأساس – إحدى صيغ "الوعي الاجتماعي" ومستوى من مستوياته المتعددة...إذ لما كان الفكر النظري – في أساسه - نتاجا بشريا في وضعية أو وضعيات اجتماعية مشخصة ما، فإن وجوده سيبقى مرتهنا بـ"حامل اجتماعي" بشري ما،... يظل بمقتضاها حاضرا في بنية ذلك الفكر ومحددا بذلك هويته الاجتماعية العامة...ومن هنا كان من قبيل الالتباس والتلبيس أن يفصل بين كلتا الهويتين المذكورتين فصلا مطلقا...وعلى هذا، إذا ما اعتقد أن الاجتماعي غائب عن الفكري النظري أو مستل منه، فاعلم أنه مغيب بواسطة أيديولوجيا فاسدة أو قاصرة أو متخلفة...من هذا المطلب الأنطولوجي والمعرفي لجدلية الاجتماعي والفكري النظري، ننطلق في مناقشتنا لكتابات محمد عابد الجابري، أي مما يريد هذا الأخير أن يعتبره نقضا لهذه الجدلية. فهو صريح واضح في مطلبه ذي الوجه الفلسفي المثالي، حين ينطلق من "نظرية بنات الأفكار" لتفسير بروز الأفكار، أي حين يرى في القضايا النظرية المجردة، والأيديولوجيا الدينية، والمضمون الأيديولوجي للتراث عامة" مستويات فكرية يميل استقلالها عن الواقع الاجتماعي الطبقي نحو المائة بالمائة". وبتعبير الكاتب نفسه، نقرأ ما يلي: "فالقضايا النظرية المجردة، كالقضايا المنطقية والفلسفية والرياضية تفصلها عن (الواقع) مسافات على سلم التجريد يصعب معها، إن لم يكن يستحيل ربطها بأي واقع اجتماعي أو فيزيائي معين. كما أن الأيديولوجيا الدينية، وبصورة عامة المضمون الأيديولوجي للتراث، يبقى هو هو على مدى مسافات زمنية طويلة وحقب تاريخية مختلفة فيعتنقه الناس بعد أن يكون الأساس الطبقي الاجتماعي الذي أنتجه أو ساهم في إنتاجه قد تغير تماما عبر العصور والأحقاب...(فيتحول) إلى عقيدة أو مذهب فكري مستقل بنفسه، بمعنى أنها (أي العقيدة) لا تعبر عن الواقع الاجتماعي الطبقي الذي يؤطر معتنقيها اليوم، ولا تعكس بالتالي أية مصالح طبقية. هنا يكون الاستقلال النسبي للفكر يميل نحو المائة بالمائة"...إن الجابري يقع في "حيص بيص" بفعل ما يكمن في موقفه خفية من طرف، وما رفضه إفصاحا، من طرف آخر: إنها الرؤية الأيديولوجية التي ينطلق منها باتجاه الدعوة إلى "اللاأدلجة"، أما هذه فتقوم على تغييب النسيج الأيديولوجي ذي الحضور الموضوعي، حقا، من حقل معرفي ما وعلى السكوت عنه وكذلك على إدانته لصالح هوس كلف بأنساق نظرية فكرية مجردة و"صافية"، لا وجود لها إلا في ذهن الباحث المتوحد...هل من قبيل "العقلانية النقدية" أو القراءة التشخيصية"، اللتين يجعل منهما المؤلف ركيزتين منهجيتين له، أن ينظر إلى الفكر النظري من داخله فحسب، فكريا نظريا، دون نوافذ تجمع بينه وبين من يفكره من البشر، المنخرطين شاءوا أم أبوا – في انتماءات اجتماعية طبقية ما؟ ص 25-38.


رد مع اقتباس