عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-25-2017 - 01:06 PM ]


يتبع :
بالنظر إلى أن الدكتور تيزيني يهدف إلى وضع الفكر العربي في إطار تطور الفكر الإنساني، وبالنظر إلى أن هذا الفكر هو في الواقع فكر إسلامي يعبر عن ظهور الحضارة الإسلامية، بالنظر إلى ذلك تصبح إشكالية العلاقة بين الجانب "الإسلامي" والجانب "المادي" لهذا الفكر إشكالية مركزية. لذلك يبذل تيزيني جهدا تنظيريا كبيرا لإنشاء تصور جدلي للوجود يحتفظ بالوجود "الظاهري" لكلا الجانبين، ويعطي في نفس الوقت للتحليل المادي لهذا الفكر مشروعيته النظرية. لذلك يستهل تيزيني مشروعه الفكري باستعراض تصوره الجدلي لهذين الجانبين للفكر، ويظهر هنا الجانب "الإسلامي" في صورة التجريد "المثالي"، إن تاريخ الفكر النظري له خاصيته الذاتية. هذه الخاصية تكمن في عملية تكون معقدة لاتجاهين فلسفيين، يكتسب كل منهما طابعا متعارضا مع الآخر وبشكل آخذ في العمق والوضوح. هذان الاتجاهان هما المادي والمثالي. أنهما لم يتكونا دفعة واحدة كشكلين من أشكال الفكر الفلسفي. فهما قد اجتازا تاريخا خاصا بهما، ولا يزالان يمارسان وجودهما ويتابعان بالتالي سيرهما التاريخي. وقد تم هذا، ويتم في عصرنا، ليس بمعنى أنهما يضعان لنفسيهما غايات بعيدة أو قريبة بشكل قبلي ميتافيزيقي "teleologic". إن الأخذ بهذا الرأي لا ينسجم إطلاقا مع الوقائع التاريخية العيانية، بل يقوم على مصادرة دينية تنطلق من عملية خلق إلهي للتاريخ وللعالم عموما. من طرف آخر ينبغي إبراز واقع كون عملية التطور الفكري هذه، المميزة بتشكل اتجاهين أو ميلين فلسفيين رئيسيين، لم تأخذ مجراها بشكل محايد، أي دون نزاع. فالمادية والمثالية لم تتطورا بعيدا عن بعضهما أو إلى جانب بعضهما، بل من خلال بعضهما، وبشكل خاص، ضد بعضهما. لقد أكدتا نفسيهما وأرستا قواعدهما ليس من خلال تطور منسجم ناجز، بل إن النزاعية والعدائية هما ما يميز ذاك التطور. وفي الحقيقة، أن هذا، انطلاقا من جوهر القضية، ينسجم مع الميل الجوهري الذاتي لكلا الاتجاهين الفلسفيين الرئيسيين، هذا الميل الذي يمتلك القانونية التطورية الخاصة. إن هذا يتم التأكيد عليه هنا بإلحاح، لأنه ذو أهمية مبدئية بارزة بالنسبة إلى القضايا المطروحة في هذا الكتاب. وبالطبع فإننا، آخذين بعين الاعتبار هذه الرؤية المنهجية للمضمون الداخلي لتاريخ الفكر الإنساني النظري، سوف نفهم هذا التاريخ على أنه تاريخ لقطبين نشآ وتطورا على أساس معطيات الفعالية النظرية والعملية للإنسان الاجتماعي. ونحن إذ نقول "قطبين"، لا نعني أنهما الوحيدان اللذان يتمتعان بوجود نظري في الدماغ الإنساني، بل إلى جانبهما وحولهما تتواجد عناصر "جانبية". غير أن "قطبية" ذينك القطبين و"جانبية" العناصر تلك ليستا مطلقتين، بل هناك علاقة وثيقة متبادلة بينهما، لها طابع جدلي، وذلك بمعنى أن العناصر الجانبية لا تزال بعد على طريق نضجها الذاتي واكتسابها هوية واضحة متميزة، أي أنها لا تزال بعد في طريقها إلى أن تتحول إلى جزء لا يتجزأ من واحد من القطبين، بحيث يجري تمثلها منه ضمن فعالية ذاتية. والمسألة هذه، مسألة العلاقة الوثيقة ذات الطابع الجدلي والقائمة بين القطبين والعناصر الجانبية، تتبدى من خلال كون القطبين نفسيهما نتاج تطور طويل وبطيء ومعقد للغاية للعناصر الجانبية. ولكن هذا لا يعني أنهما يفهمان فقط من زاوية كونهما نتاج ذاك التطور، ذلك لأن وجود العناصر الجانبية المتناقضة بشكل خفي وجود نسبي تماما وهذا يرتد إلى أنها تقوم على علاقة وجودية (أنطولوجية) عميقة مع القطبين المومئ إليهما، وإلى أنهما، من حيث مضمونها الميلي "tendentious" الجوهري، تخص الواحد أو الآخر من القطبين، كما هو الحال مثلا بالنسبة إلى اللاأدرية "Agnosticism"، بموقعها من المادية والمثالية. فهذه، أي اللاأدرية تبدو ظاهريا وكأنها تشكل قطاعا خاصا متميزا عن المادية وعن المثالية. إلا أنها، في حقيقة الأمر، ما هي إلا نمو طبيعي للفكر الفلسفي المثالي. وظهورها كشيء مجانب – جانبي – للمادية والمثالية اللتين تشكلان القطبين المتميزين، لا يخفي حقيقتها القائمة على علاقة داخلية مع المثالية. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 9-11) ولكي يؤسس تيزيني للطابع الجدلي لهذه العلاقة بين الجانبين ويبرر الظهور المستقل لكليهما في الفكر العربي الإسلامي يطرح فكرة الأسطورة كنقطة بداية يندمج فيها الجانبان ثم تتطور إلى علاقة جدلية بينهما، هنا يتوجب الكشف عن عنصرين أساسيين، أساسيين انطلاقا من العلاقة التاريخية الأولية الأصلية. أما العنصر الأول فإنه يقوم على الرابطة الأولية البدائية بين "المادية" و"المثالية"، هذه الرابطة التي تأخذ شكل وطابع الأسطورة "Myth". إن هذه الفرضية، كما سنرى في هذه الدراسة القصيرة حول الخطوات الأولى لنشوء الفكر المادي والفكر المثالي، سوف يكون تقبلها والأخذ بها في خطوطها الأساسية العامة أكثر معقولية واقترابا من الموقف العلمي من رفضها. ففي البدء نجد رابطة أولية توحد نسبيا بين بذور الاتجاهين الفكريين المومئ إليهما فوق. بيد أنه من الضروري التأكيد على أن الحديث هنا يدور بالضبط حول البذور الأولى الجنينية للمادية وللمثالية، هذه البذور التي وجدت تعبيرها بشكل جوهري في الموقف العملي المباشر للإنسان تلقاء العالم المادي وتلقاء ذاته هو نفسه. غير أن هذا ينبغي أن يفهم بمعنى أنه لا يمكن التحدث هنا بعد عن تناقض متميز بين الميل المادي والآخر المثالي على الصعيد النظري في تلك المرحلة التاريخية البدائية. إلا أنه يمكن، بل يجب التحدث في هذا الإطار عن وجود حد أدنى من التفكير "النظري". ذلك لأن العامل الحاسم في عملية الانتقال أو الانفصال النهائية للكائن الإنساني عن العالم الحيواني قد كمن في نشاطية وفعالية هذا الكائن المكتسبة اجتماعيا، والتي تبلورت في صنع واستعمال أدوات عمل وفي خلق وسيلة مشتركة للتفاهم، أي بتكوين لغة... ضمن هذا الإطار الضيق للوجود الضروري لحد أو قدر ما من الفعالية "التنظيرية" لدى الإنسان البدائي، تنسم العنصر المادي (الواقعي) والعنصر المثالي (اللاواقعي أو الماورائي) خيوط وجودهما الأولي وتحركا، ولكن، بعد، ليس في شكل تناقض متميز بوضوح ضمن ذلك الوعي... أما العنصر الثاني فإنه يستبين من خلال ديالكتيك الرؤية لتلك العلاقة البدائية الآلية، وذلك على أساس من أن هذه العلاقة توجد في صيرورة وتحول دائمين، وأن ميل هذه الصيرورة وهذا التحول يقوم على عملية تشكل ونمو قانوني "regular" للعنصر المادي من الطرف الأول وعلى إقصاء العنصر المثالي من الطرف الآخر. ولقد وضعت الفعالية العملية للإنسان، أي العمل، الحجر الأساسي لنشوء الأسطورة، وفي نفس الوقت لانحلالها إلى العنصر المادي (الواقعي) والعنصر المثالي (اللاواقعي أو الماروائي). (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 13- 15) بعد تأسيس العلاقة الجدلية "الصراعية" بين المظهرين المثالي والمادي للفكر عموما ينطلق د. تيزيني في البناء على هذه العلاقة وصياغة الكيفية التي ستتم من خلالها القراءة الجدلية المادية للفكر العربي الإسلامي، من ناحية، وتبرير وجود "منعطف نوعي" للفكر العربي الإسلامي كجزء من تاريخ الفكر، ونحن إذ أوردنا ما تقدم، فإننا لم نطمح بذلك إلى أن نشير إلى النوعيات الجديدة في الفلسفة الحديثة أو المعاصرة، بل إن المسألة تدور هنا حول اكتشاف وتعرية وعرض الجوانب الجديدة نوعيا في تطور الفكر الفلسفي لدى الفلاسفة الإسلاميين العرب، تقريبا من القرن الثامن حتى القرن الثاني عشر، وخصوصا فيما يتعلق بالميل المادي في أنظمتهم الفلسفية. ومن خلال إنجاز هذه المحاولة سوف نكتسب اليقين بأن الاستمرارية في التطور النظري الإنساني بمجموعه لا تنفي ولا تستنفد اللااستمرارية النوعية الخاصة، المتمثلة بواحدة من فترات ذلك التطور...على أن تينك اللحظتين أو المنحيين (أي الاستمرارية واللااستمرارية) في التطور النظري المعني يشكلان وحدة جدلية عميقة نسبية، لا يمكن بمعزل عنها فهم واستيعاب تاريخ الفلسفة في خطه العام وفي دقائقه وتفرداته فهما واستيعابا علميين عميقي...إن نتائج أبحاث في الحقول النظرية والتجريبية والاجتماعية السياسية والاقتصادية، وإن كانت حتى الآن قليلة، تقدم مادة كافية كبرهان واضح على وجود منعطفات نوعية في تاريخ الفكر النظري لدى الشعوب المختلفة، ومن ضمنها ولا شك، الشعوب العربية الإسلامية في العصر الوسيط. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 11-12).
معارضة المركزية الأوروبية.


رد مع اقتباس