عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 6 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-25-2017 - 01:11 PM ]


التحول الفكري
بالنسبة للدكتور تيزيني كان هذا التحليل المادي للتراث الإسلامي جديدا بشكل يمثل "ثورة على النظرة التقليدية للتراث". ولكن في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، تقريبا، وبتأثير التحولات العالمية التي حدثت سواء في الساحة العالمية، تفكك الاتحاد السوفييتي، أو في الساحة المحلية، تراجع المشروع الثوري القومي، حدث تحول جذري في المشروع الفكري للدكتور تيزيني. يشرح تيزيني طبيعة هذه التحولات في حوار منشور بجريدة الحياة كما يلي، وجواباً عن السؤال، سأقول بعض الصيغ التي أراها أولية واحتمالية. وأبدأ من ملاحظة تتعلق بعنوان أول كتاب لي، في المشروع الذي تتحدث عنه. كان العنوان «من التراث الى الثورة»، وهو صدر في 1976. والذي أراه اليوم إن أحداث العالم العربي وتطوراته تضطرني وبإلحاح إلى أن أبدأ النظر إلى الكتاب وعنوانه تخصيصاً. تساءلت: هل ما زال هذا العنوان صالحاً بعدما تفككت أفكار كثيرة وتفكك الاتحاد السوفيتي، والأفكار التي كانت مهيمنة في ذلك الحين على فكر تقدمي مهيمن في الساحة العربية؟ بعد رصد ما حدث والتطورات المتلاحقة وضعت يدي على مسألة أظن الآن أنها كانت، بالنسبة إليّ، مدخلاً لاكتشاف ما عليّ أن أنجزه مجدداً: فكلمة «الثورة» الواردة في العنوان لم تعد ذات وجود، بصرف النظر عن التسويغات التي يمكن أن تقدم. لغة العصر لم تعد تتسع لهذه الكلمة. ومن هنا رحت أفكر في كتابي، من ثم انطلقت من الواقع إلى الكتاب ثم من الكتاب إلى الواقع... وفهمت أن مشروع الثورة ذاته بات يعيش اختناقاً قاتلاً. من هنا، ومن خلال قراءاتي الدءوبة في الفكرين العربي والأوروبي، أدركت ما يخيّل إليّ انه البديل المناسب لمفهوم الثورة ومشروعها، وهو مفهوم النهضة ومشروعها... ما أن توصلتُ إلى هذه الفكرة حتى تعاظمت في حياتي الفكرية والسياسية لأدرك أن أهم عنصر من عناصر مشروع الثورة والنهضة (وأعني هنا الثورة الحقيقية) إنما يتمثل في فهم كينونة الحامل الاجتماعي لأية ثورة أو نهضة. وهكذا فكرت ملياً في الأمر حتى توصلت إلى أن الحامل الاجتماعي لأي تحرك في المجتمع العربي هو المجتمع ذاته... المجتمع كله. بدلاً منه، كنا في الماضي نعتبر الحامل الاجتماعي حاملاً طبقياً ونتحدث عن الصراع الطبقي والإشكالية الطبقية، هذا ليس وارداً الآن. حامل المشروع الجديد، النهضوي، لا يمكن الآن إلا أن يكون تحالفاً طبقياً أو سياسياً يضم كل فئات المجتمع. العالم اختلف كثيراً، منذ تفكك الاتحاد السوفيتي وبروز عالم جديد تقوده الولايات المتحدة وحدها. وتبين لي من موقع علم الاجتماع السياسي أن الحامل الحقيقي الاجتماعي لمشروع نهضوي ما يتمثل في الأمة كلها من أقصاها إلى أقصاها. وبتحديد أيديولوجي أكثر، وجدت أن الحامل الاجتماعي لأي مشروع مستقبلي يتمثل في مروحة تنطلق من أقصى اليمين القومي الديمقراطي إلى أقصى اليسار الوطني. أخذت ألاحق هذه المسألة السوسيولوجية الثقافية والسياسية ليتبين لي أن حديثنا عن «المشروع الثوري»، ليس مضللاً فقط، بل هو خطير أيضا، وهكذا انتقلت إلى الموقف الجديد، وفكرت في أن أعيد النظر في مشروعي النظري القديم... وأصيغه حتى في عنوان جديد، معيداً بناء ما يتعين عليَّ بناءه... ثم تركته جانباً، لأصيغ بدلاً منه مشروعاً آخر تماماً، عنوانه «من التراث إلى النهضة». (حوار جريدة الحياة) وقد صاحب هذا التحول من الثورة إلى النهضة ومن الحامل الاجتماعي الطبقي إلى الحامل المجتمعي الشامل للمشروع، تحول مساوق في العلاقة بين الدين عموما والنص القرآني خصوصا. فبدلا من الاعتماد التام على التفسير المادي أصبح من اللازم الدخول إلى جوهر "الإيمان" الديني لأن الحامل الأساسي لمشروع النهضة هو مجموع المؤمنين بالدين الإسلامي، يوضح ذلك كما يلي، أتحدث هنا عن تجربتي الخاصة. اكتشفت أن المسألة الدينية أهمِلت إهمالاً مرعباً من جانب النخب الثقافية، ماركسية أو قومية أو حتى ليبرالية. واكتشفت أن الخطورة تكمن في حقيقة أن النص الديني يقرأ بطرق متعددة يطالب هو ذاته بها. انه نص مرن. من هنا جاء ذلك الموقف الفظ الذي وقفته الماركسية والوضعية والفكر القومي حيال الفكر الديني. لم ندرك في الماضي أن الحامل الاجتماعي لأي تغيير تعيش نسبة عظيمة من أفراده تبعاً للفكر الديني، ما كان ينبغي له أن يحضنا على قراءة جديدة عقلانية ومنطقية للفكر الديني، أي الفكر الحقيقي الذي يتغذى منه المجتمع حقاً. ومع بروز هوية جديدة لمشروع التغيير (النهضة)، باتت هناك الآن مسوّغات كثيرة أصبح من الضروري امتلاك أدواتها الفكرية. ومن هنا أرى أن من المستحيل الوصول إلى أي فكر نهضوي تغييري حقيقي اليوم، من دون إعادة قراءة الفكر الديني والدخول إلى روح الوسط الإيماني. وهذا ما يدفعني إلى التشديد مجدداً على أن الحامل الاجتماعي – الثقافي الذي يمكنه وحده اليوم مساندة الفكر التغييري، يمتد من أقصى اليمين الوطني والديمقراطي إلى أقصى اليسار التقدمي. كأنك بهذا تعيد الأمور إلى مستوى وجود الطبقة الوسطى التي «غابت» منذ عقود، على رغم أنها هي بانية الأوطان والحضارات عادة... علينا أن نواكب فكرياً إعادة إنتاج الفئات الاجتماعية التي تتسم بسمتين أساسيتين (لبناء المجتمعات): اليُسر الاقتصادي والتنوير الفكري. وهذا يأتي ضمن عملية واسعة هدفها إعادة التوازن إلى المجتمعات العربية، وسط زمن عولمي يكاد أن يلتهم كل شيء... وبطريقة تزيد خبثاً وقوة عما فعلت الدولة الأمنية حتى الآن. (حوار جريدة الحياة).
الموقف النقدي من الواقع
كان من نتيجة هذا التحول الفكري أن تحول تيزيني من استكمال المشروع الذي كان يهدف أن يصل بتحليله "الثوري" المادي إلى العصر الحالي من خلال اثني عشر جزءا، إلى مواجهة مشكلات الواقع. وفي هذه المرحلة تبرز قضايا أساسية ثلاث، أولا مواجهة فكر العولمة الذي يهدد بتفكيك الهوية العربية وبالتالي إجهاض أي احتمالات للنهضة. ثانيا، مواجهة الفكر العربي الذي يتسم بنظرة سلبية بنيوية تجاه "العقل العربي" بما يهدد أيضا بإجهاض مشروع النهضة نتيجة لإفراغها من خصوصيتها الذاتية. ثم مواجهة المشكلات الواقعية المجتمعية التي تهدد من زاوية ثالثة مشروع النهضة. ويعبر تيزيني عن هذه النظرة الثلاثية للمشكلات التي تهدد مشروع النهضة كما يلي، في هذا السياق، ضروري أن نقول بأن التواطؤ الإمبريالي العربي – الإقطاعي وما قبله وما بعده – بما رافقه من قسر وعنف وشراسة، ظل، في أساس الأمر، محكوما بقانون العلاقة الجدلية بين الداخل والخارج. فلقد استطاعت الإمبريالية أن تفعل فعلها في الوضعية العربية انطلاقا من عدم التكافؤ التاريخي في البني الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، أي بسبب من التوقيت الذي حدث بين بدايات الرأسمالية البرجوازية العربية من طرف وبين نهايات الرأسمالية الإمبريالية من طرف آخر. ٍومن ثم، فقد جرى تزوير تلك العلاقة من موقع أوروبا تلك ولصالحها. وإذا وضعنا في الاعتبار البنية الإصلاحية والهجينة والقاصرة للفكر العربي النهضوي، تلك البنية التي تولدت في وضعية الإخفاق المحكوم بالتواطؤ المأتي عليه سابقا، استبان أمامنا أمر على غاية الأهمية المنهجية؛ ذلك هو انطلاء عملية التزوير تلك للعلاقة بين أوروبا والعرب، أو كما يقال، بين الغرب والشرق، على العرب النهضويين. والمهم في ذلك هو بالدرجة الأولى ليست تأثيراته على – الغرب – بقدر ما تمثل في إحداث بعثرة كبرى وعميقة في البنية الفكرية النهضوية إزاء نفسه هو نفسه. إن ذلك كله خلق للفكر العربي مشكلات زائفة أخذ يبحث فيها ومن مواقعها عن حلول لقضاياه المستجدة. وفي الحق بإمكاننا التعبير عن هذا الموقف بأنه إشكالية. لكن هذه الأخيرة لم تجد أدوات البحث القادرة على تشخيصها وضبطها. وهذا أمر مفهوم بذاته. ومن هنا، فقد ظهرت المواقف منها بمثابتها أفعالا وردود أيديولوجية، أي بمثابتها مواقف وهمية إيهامية. (على طريق الوضوح المنهجي – أطروحات في قضية تحديث الفكر العربي، ص 20-21) في إطار معالجته للمشكلات التي تواجه مشروع النهضة ينقد تيزيني الحداثة الغربية والمجتمعات الرأسمالية الإمبريالية، وذلك في إطار نقده لتأثير تدخل هذه المجتمعات في مجتمعات العالم الثالث، عموما، والمجتمعات العربية خصوصا، بيد أن النظر إلى المسألة من الموقع الآخر، موقع التقدم التاريخي، يدعونا إلى أن نأخذ بعين الاعتبار أمرا ذا أهمية خاصة في هذا الإطار، ذلك هو أن التقدم العاصف في المجتمعات الرأسمالية الإمبريالية هو، من حيث الأساس، تقدم في الجانب الصناعي والتقني والعلمي الطبيعي. أما الجانب الاجتماعي فيعاني من أزمة عميقة وشاملة، بحيث أنه أخذ يؤثر تأثيرا مباشرا على ذلك الجانب الأول، ويخلق في وجهه كوابح جدية. والملاحظ أن الصراع الطبقي الذي تمارسه الجماهير العاملة هناك يصطدم بصعوبات كبيرة تبرز في طليعتها اثنتان. الأولى تكمن في اتساع جهاز القمع هناك كما ونوعا. فالتطور العلمي التقني يقدم إمكانات متزايدة تتيح للسلطة مواجهة المواقف – غير المتوقعة – التي تنجزها تلك الجماهير في كفاحها السياسي والاقتصادي والثقافي. فالأجهزة الالكترونية المتطورة أصبحت قادرة على تجهيز مؤسسات المخابرات العليا بالمعلومات الخاصة بكل عائلة في بعض البلدان الرأسمالية الإمبريالية. أما الصعوبة الأخرى فتكمن في التعقيد الواسع، الذي طرأ على الحياة العامة، وجعل من الصعوبة بمكان الكشف عن مواطن الخراب الاقتصادي والاجتماعي الذي يلحق بمجموع العاملين هناك. بتعبير آخر، أضحت عملية الكشف عن آلية الاستغلال والاضطهاد في المجتمعات الإمبريالية الرأسمالية معقدة و"غير مباشرة". فالنظريون الذين يدافعون عن هذه الأخيرة، من حيث هي "مجتمعات المدراء والموظفين والمهندسين"، أو من حيث هي "المجتمعات العظيمة"، يعلنون أن الاستغلال والاضطهاد لم يعد لهما وجود هنا. فلقد أصبح الجميع – تقريبا – يعيشون في مجتمع الرفاه والدخول العالية. وهذا ما يطلقون عليه اسم "المجتمع الاستهلاكي المتطور". (على طريق الوضوح المنهجي – الفكر العربي من موقع النقد، التدخل الإمبريالي ومظاهر الفكر الأوروبي، ص 175-176).


رد مع اقتباس