عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 8 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-25-2017 - 01:13 PM ]


على هذا نرى في تصور الجابري، المعني هنا، شططا منهجيا واعتباطا أيديولوجيا، وربما كذلك امتهانا ساديا للفكر العربي. ويلاحظ أن هذه العناصر الثلاثة تتحدد معرفيا، بكون التصور المذكور قائما على امتهان السياقات الثلاثة الكبرى للحدث موضوع البحث، الاجتماعي والجدلي والتاريخي. فهو يرفض مفهوم العلاقة بين الفكر النظري وواقعه الاجتماعي البشري، كما يجهل آلية الفعل الناظم للعلاقة بين فكر ينتمي لواقع من جهة وواقع (أو فكر) آخر سابق عليه أو معاصر من جهة أخرى، وأخيرا يفرط بما يربط بين السابق واللاحق، وبما يفصل بينهما. ص 46
ودون التوقف، الآن، عند "القطاعات الثلاثة" التي يعنيها صاحبها بمثابة تكونات الثقافة العربية (وهي البيان والعرفان والبرهان)، نطرح التساؤل التالي: كيف أتيح للجابري أن "ينظر إلى الثقافة العربية ككل" من طرف، وأن يميز فيها – من طرف آخر – ثلاثة قطاعات "يشكل كل منها حقلا معرفيا متميزا يكفي نفسه بنفسه؟" كيف استطاع الكاتب أن يخترق الجزئيات الثلاث المستقل بعضها عن بعض استقلالا تاما باتجاه ما يجعل منها "كلا واحدا؟" بل، ما هو المسوغ المنطقي لعملية الاختراق من موقع ثلاث بنيات تتقوم، أساسا وبرأي الجابري، بأنها مستقلة ومتفردة على نحو تام، وباتجاه "كل واحد" يراد له أن يكون ناظما وضابطا عبر "عنصر ما" يوحد بينها؟ إن البنيانية التي يجعل منها الكاتب الجابري – هنا - تكئة منهجية له، تقوده إلى تناقض منطقي وأنطولوجي ينطوي على اضطراب وقلق في كيفية استخدام المفاهيم والمقولات والحدود. ص 46-47
إن الخطاب الجابري المقدم هنا، هو خطاب أيديولوجي سياسي وكذلك معرفي. وإذا كان – في بنيته السطحية – يظهر ( ويسهم في ذلك رهط من الكتاب والنقاد) بمثابة خطاب معرفي أو حتى معرفي نقدي، فإنه – في بنيته الخفية وما يقترب من بنيته السطحية – خطاب أيديولوجي ممعرف وخطاب معرفي مؤدلج. ولذا، كان من مهمات البحث النقدي، الذي ننجزه هنا، أن نخضع ذلك الخطاب بوجهيه المتضايفين لمبضع تفكيكي جدلي تاريخي صارم يفك الارتباط – تجريدا – بين البنيتين المذكورتين، ويضع يده على عملية تسلل الأيديولوجي السياسي – بقوة - في نسيج المعرفي؛ بحيث إننا قد نرى في المعرفي الجابري هنا منزعا من منازع التلبس الأيديولوجي. (من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي ص 25 – 49)
بعد نقده المنهجي يقوم تيزيني بنقد المفهوم الجابري للعقل والعقلية العربية. ويرتكز نقده على أساس الانزلاق إلى المفهوم العنصري "للعقل". والتفرقة الإثنية بين العقلية المشرقية والعقلية المغربية. والاعتماد على المفهوم الاستشراقي للمركزية الأوروبية الذي يفرق بين العقلية الشرقية والعقلية الغربي، وأن الأول هو خيالي غير عقلاني والثاني منطقي عقلاني، وضع الجابري نفسه أمام مهمة وإن لم تكن جديدة، فقد كانت صعبة ومعقدة إلى درجة قصوى. وصعوبتها تكمن في أنها محكومة بمفارقة يكاد يكون حضورها في الفكر العربي المعاصر الراهن كثيفا وواسعا. وتتحدد "المهمة" هذه في دراسة "العقل العربي" وضبطه إبستيمولوجيا. فالرجل يعلن أن هناك "ميدانا واحدا لم تتجه إليه أصابع الاتهام بعد، وبشكل جدي صارم، هو تلك القوة أو الملكة أو الأداة التي بها (يقرآ) العربي و(يرى) و(يحلم) و(يفكر) و(يحاكم)...إنه (العقل العربي) ذاته. أما المفارقة فتقوم على تناول ما هو تاريخي لا تاريخيا، ومن ثم الوقوف أمام حالة من الثنائية الميتافيزيقية طرفاها ينحدران من نسقين أنطولوجيين متمايزين تمايزا ماهويا.
ويمكن القول، على مستوى ما نحن بصدده، إن انطلاق الجابري – في تناول ذلك – من البنيانية تطبيقا ونظرا (رغم الجلبة التي أحدثها باسم المنهج التاريخي)، أفصح عن نفسه في مسألتين تعين عليه أن يواجههما "منزوع السلاح". المسألة الأولى تبلورت في انزلاق القلم الجابري من "العقل العربي" إلى "العقلية العربية". أما المسألة الثانية فقد أخذت تتضح في المعجمية الجابرية بصيغة حالة غير متوقعة نشأت على أنقاض "معركة منهجية خاسرة"، تلك المعركة التي استمدت شخصيتها من الإجابة عن السؤال التالي: كيف نقرأ الحدث التاريخي أو التراثي، "من الداخل"، أم "من الخارج" أم من موقع آخر. ص 85
فإذا كنا – في نص سابق – قد شهدنا على أن الكاتب الجابري أخذ على عاتقه ألا يتناول العقل العربي من موقع الإقرار بوجود "عقلية" عربية فطرية وراسخة رسوخ البيولوجيا، فإننا – الآن – نكتشف أن شهادتنا هذه هي "شهادة زور". فالرجل يحل نفسه من ذلك التعهد النظري، حيث يأخذ عمليا بما ينفيه هناك. فهو يتحدث عن "العقلية اليونانية (التي) لا تستسيغ حدوث شيء خارج الزمان". هاهنا، يفقد الكاتب "مصداقيته" و"شجاعته" الفكرية في طرح الأشياء بمسمياتها: نعم، الجابري ينطلق في كتاباته من المرجعية الأوروباوية الاستشراقية (المركزوية الأوروبية)، التي تجد أحد أسسها الكبرى في مصطلح "العقلية" وفي الثنائية الجبرية بين "عقلية غربية – أوربية" و"عقلية لاغربية – شرقية". وهذا من شأنه أن يشكك في أن الجابري ينتج نصا متسقا بالمعنى المنطقي التوثيقي المخترق من معجمية أساسية موحدة. ص 97
أما في النقطة الثانية، فإن محاولات الجابري تقديم كتاباته في "الفكر والعقل العربي" على أنها "تدشين عهد جديد" في تاريخ هذين الأخيرين وفي "عملية النهوض العربي" المطروح على بساط البحث العربي الراهن، توضع في موقعها الحقيقي وفي حدودها: إنها كتابات تندرج – فيما يخصنا منها في هذا المبحث – في التأسيس الإبيستيمولوجي للثنائية الجبرية المنوه بها وفي إظهار أنها فصل المقال في التمييز بي الشرق والغرب (وكذلك بين المشرق والمغرب كما يتضح معنا على مدار مبحثنا هذا)، ومن ثم في الإلحاف على دونية الأول إزاء الثاني. هاهنا، تظهر خطورة الفكر الجابري على الفكر العربي، لأنه يتحدث من داخله وباسمه. وسوف نلاحظ أن الحديث عن "عقلية يونانية لا تستسيغ حدوث شيء خارج الزمان" سيكرس من قبل الجابري بحديث عن "عقلية يونانية تكرس العدل والحرية والديمقراطية"، مقابل الحديث عن "عقلية عربية تستسيغ حدوث شيء خارج الزمان" و"تقوم على السطو والاستبداد"...نعم، إن "الخداع" و"غياب التوثيق" و"المصادرة على المطلوب"، وغيره، تمثل عناصر في عملية تسويغ مفهوم "العقلية" والدفاع عنه وتسويقه عربيا في مرحلة الانهيارات والهزائم والاختراقات العظمى: إنها عودة مؤزرة للأيديولوجيا الجبرية الجيوبولوتيكية، مع الإشارة إلى أن المفهوم المذكور يأتي – في السياق الجابري – بصيغة محددة، هي التي أسس لها عتاة المستشرقين العرقيين، وهي صيغة التقابل بين الشرق والغرب، العقلانية واللاعقلانية. أما الخصوصية الجابرية فتكمن، هنا، في جعل "الشرق" شرقين، مشرقا عربيا ينتمي إلى "الشرق القح" ومغربا عربيا ينتمي إلى حضارة "العقلانية النقدية"، إلى "الغرب". ص 98-100
ولكن "جديد" السيد الجابري يتمثل في أنه يعلن – بملء فيه وبحماسة يعوزها التواضع العلمي غير المفتعل – "تدشين عهد جديد" في الثقافة العربية، وفي الخطاب العربي المعاصر، والرؤية التاريخية للفلسفة العربية الإسلامية وللتراث. بيد أن نقطة الضعف الفائقة الطرافة فيما يكتبه السيد الجابري تكمن في أنه أوجد سابقة رديئة يمكن أن تطاله هو نفسه راهنا ولاحقا، وهي أنه اعتقد أنه قادر على الانطلاق من الصفر في الفكر العربي الحديث والمعاصر، زاعما أنه سيضع حدا لثقافة تقوم على الاجترار، ولعقل يكرر ذاته منذ مائة عام أو أكثر، وللغة – هي التي يكتب بها – حسية ولا تاريخية وليس بوسعها أن تكون لغة ثقافة وفكر، مدمرا – بذلك – تاريخية الثقافة المذكورة وتاريخية عملية اجترارها نفسها ( إن أخذنا بهذه القولة النغلة)، وتاريخية العقل المذكور وعملية تكراره (إن لم نعلق هذا الزعم منطقيا وتاريخيا)، وتاريخية حسية ولا تاريخية اللغة العربية التي يكتب بها ويعلن أنه "دشن عهدا جديدا" يبشر بها عبرها وبمقتضى منطقها الداخلي (إذا منحنا هذا الهوس اللاتاريخي شيئا من المصداقية). ص 129
ٍومن هنا، "إذا كان مفهوم العقل في الثقافة اليونانية والثقافة الأوروبية الحديثة والمعاصرة يرتبط بـ(إدراك الأسباب) أي المعرفة...، فإن معنى (العقل) في اللغة العربية، وبالتالي في الفكر العربي يرتبط أساسا بالسلوك والأخلاق...ولكن فرق كبير بين الاتجاه من المعرفة إلى الأخلاق والاتجاه من الأخلاق إلى المعرفة. في الحالة الأولى، وهي حالة الفكر اليوناني – الأوروبي تتأسس الأخلاق على المعرفة، أما في الحالة الثانية حالة الفكر العربي، فتتأسس المعرفة على الأخلاق...إن (العقل العربي) تحكمه النظرة المعيارية إلى الأشياء...وهذا في مقابل النظرة الموضوعية...أما النظرة الموضوعية فهي نظرة تحليلية تركيبية...لقد انطلقنا في تلمس خصوصية (العقل العربي) من...لغة عرب الجاهلية...:نحن إذن لم نخرج عن (العصر الجاهلي)" [تكوين العقل العربي ص 38-39].
خطاب الجابري في نصوصه الأخيرة هو خطاب الهيمنة المركزوية الأوروبية في صيغته الخفية والمعلنة. إنه خطاب يعكس، بامتياز، تغلغل ثنائية الشرق – الغرب "داخل الوجدان الأوروبي"، كما يكتب صاحب العلاقة نفسه. وكذلك داخل الوجدان العربي المستغرب، أي الذي تكون ضمن دائرة التهيمن الفكري الغربي في الفكر العربي المعاصر. (من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي ص 85 – 210)
القضية الثانية التي واجهها الدكتور تيزيني هي كيفية قراءة الفكر الديني عموما، والقرآن خصوصا. في حوار بعنوان "الإسلام والعصر – تحديات وآفاق" بالاشتراك مع الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، يطرح تيزيني موقفه من هذه القضية. فيطرح أولا، تصوره وتحليلاته للتعددية في قراءة القرآن وفهمه كما يلي، في هذين النصين – وغيرهما مما يدخل في حقلهما كثير – نواجه إصرار على الاعتقاد بأن التاريخ لا يحتمل ولادة مراحل نوعية من التطور والتقدم والتغير أو تشكيكا في نوعية هذه المراحل. وبالتالي، فإن ما يأتي بعد مرحلة إنسانية معينة يعتبرها هذا الكاتب الإسلامي أو ذاك نقطة انطلاقه التاريخية، أو المنهجية، لا يحمل في طياته ما يعتبر جديدا حقا بالنسبة لمرحلة سابقة منصرمة، بما تنطوي عليه من مشكلات وإشكاليات ومعضلات اجتماعية واقتصادية وسياسية ومعرفية وأخلاقية وعلمية (طبيعية واجتماعية وإنسانية). وحيث يكون الأمر بهذه الصيغة من نفي الجدة التاريخية والمنطقية، فإن حالة من الاغتراب الواقعي والذهني لا بد أن تحيط بنا حيال أنفسنا وما يحيط بنا من تدفق في الزمان التاريخي... ولقد سبق النبي الكريم عليه الصلاة والسلام هؤلاء، من الصوفية ومن يدخل في نطاقهم، حين أعلن في سياق وضع يده على واحدة من أهم خصائص النص القرآني الكريم: "القرآن ذو وجوه متعددة، فخذوا بوجهه الحسن (أو الأحسن)"!!
ولعلنا نلاحظ أن تحديد (الوجه الحسن) للقرآن الكريم ليس مهمة نصية ذاتية يتفق عليها الفقهاء أو يختلفون، دونما أخذ الجديد الفتي الوعي والعتيق الهرم من التطور التاريخي البشري بعين الاعتبار. ومن ثم، فإن الواقع المشخص يمثل – في حركيته المتدفقة أو في جموده المتثاقل – طرفا في تحديد كيفية تناول النص الكريم، خصوصا حين نضع يدنا على التطور الكمي والنوعي الهائل لمناهج البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية وما يقترن بها من أنساق علمية فرعية.
ومن شأن ذلك ألا يسمح بالقول: إنه "حين يكون الواقع مناقضا للإسلام فإنه لا يجوز تأويل الإسلام حتى يتفق مع الواقع لأن ذلك تحريف للإسلام"، أولا؛ بأن "القطعي والظني في الإسلام كفيلان بتحقيق التغطية الشاملة لكل المستجدات، وسعة دلالات ألفاظ النص قادرة على استيعاب كل شيء"، ثانيا، ولعل السيوطي قد وضع يده – مع غيره – على واحد من أهم المسوغات للنظر في المسألة على نحو آخر، وهو الأخذ بأسباب النزول، نزول الآيات القرآنية. فقد كتب ما يلي: " لمعرفة أسباب النزول فوائد، وأخطأ من قال لا فائدة لجريانه مجرى التاريخ. ومن فوائده الوقوف على المعنى أو إزالة الإشكال"... ومن بالغ الأهمية أن نلاحظ (وهنا يفصح عن نفسه الإسهام الذي نعمل على تقديمه في هذا البحث) أن القرآن أتى، في حينه، ليخاطب بشرا في سياق تاريخي ومجتمعي معين مشخص، ومن ثم ليجيب عما كان لديهم من أسئلة ومشكلات ومعضلات؛ وذلك جنبا إلى جنب مع التبشير بمبادئ اعتقادية ذات طابع عمومي شمولي ومجرد.
وإذا وضعنا في اعتبارنا أن في القرآن الكريم حوالي ستة آلاف آية "ليس منها مما يتعلق بالأحكام إلا نحو مائتين (وأن) بعض ما عده الفقهاء، آيات أحكام لا يظهر أنها كذلك"، اتضح لنا أن هذا الكتاب (أي القرآن) هو – في أساس الأمر – "كتاب هدى ورحمة وبشرى وموعظة واطمئنان للمسلمين"...إنه كتاب مودة وأخلاق، يقول كل شيء ولا يقول شيئا، ولكنه يترك للبشر أن يضبطوا مفهومي المودة والأخلاق ويجعلوا منهما حالة تعج بالحياة البشرية المشخصة؛ وإنه كتاب معاملات وأحكام وعقائد، ولكنه لا يملي على البشر كيف يفهمون – بالمعنى الدلالي – ذلك ويدرجونه في منظوماتهم الأيديولوجية والقيمية إدراجا وظيفيا، وبحدود العلاقات الاجتماعية السائدة، وتحت مفعول الإرث السوسيوثقافي والاعتقادي والجمالي والنفسي، إضافة إلى الشرط الإثني (الأقوامي) والحضاري الفاعل في حينه؛ وإنه كتاب عدالة ومساواة، ولكنه يترك للناس أن يحددوا ذلك ويضبطوه وفق شروطهم الاجتماعية التاريخية والمعرفية؛ وهو كتاب يحث على التقدم الاجتماعي والعلمي، ولكنه يقر – في ضوء قراءة محددة له – بآليات وقانونيات هذه العملية الخاصة ويدع العلماء والمختصين أسيادا في مجالهم هنا..ألخ.
إن الحديث، هنا، يدور على أمرين اثنين كلاهما يفضي إلى الآخر. أما الأول منهما فيتمثل في الإقرار بوجود مراحل تاريخية مختلفة الواحدة منها عن الأخريات اختلافا يقوم على (الجدة النوعية)؛ في حين يفصح الأمر الثاني عن نفسه بصيغة التأكيد على أن المشكلات المتحدرة من تلك المراحل هي، كذلك، تقوم على الاختلاف النوعي. ومع هذا، يظل الحديث واردا وضروريا على الاتصال – إلى جانب الانفصال – في حقل المراحل والمشكلات المذكورة. وهذا بدوره، يدعو إلى صوغه بـ(جدلية الاتصال والانفصال)، أو (جدلية الاتصال منفصلا والانفصال متصلا).


رد مع اقتباس