عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-25-2017 - 01:07 PM ]


يعتمد تيزيني على موقفه الذي يضع الفكر العربي كجزء من تطور الفكر الإنساني له سماته المميزة وخصوصيته الذاتية لتدعيم رفضه لفكرة المركزية الأوروبية، ويوضح ذلك كما يلي، والآن، إذا أردنا أن نستوعب الخطوط الأساسية لتاريخ الإنسانية الفكري الثقافي، فإن دراسة وتقصي المكتسبات العربية-الإسلامية الوسيطة في هذا الحقل الفكري تشكل شيئا جوهريا. هذه الحقيقة التاريخية تتناقض على نحو واضح مع الآراء ووجهات النظر اللاعلمية حول تاريخ الفكر الإنساني. في طليعة هذه الآراء تحتل نظرية "المركزية الأوروبية" مكانا مرموقا، أما ممثلو هذه النظرية فهم كثير ولكنهم جميعا يلتقون في نقطة مركزية: إنهم يفهمون التاريخ الإنساني الفكري (والحضاري عموما) على أنه تاريخ للفكر "الأوروبي" بدءا بالعهد اليوناني القديم، ومرورا بعصر النهضة والتنوير، ومنتهيا بالعصر الحديث والمعاصر. إن هذه الرؤية لمسيرة الفكر الإنساني التاريخية يمكن تحديدها بكونها 1-عنصرية رجعية، و2-لاعلمية مناهضة للنتائج التاريخية العيانية التي تحققت في هذا الحقل. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 405).
موقفه من الفكر العربي الإسلامي القديم
من خلال هذه التصورات النظرية يكون الدكتور تيزيني قد أنشأ أساسا نظريا يمكنه من التعامل مع الفكر العربي الإسلامي. فالفكر العربي الإسلامي هو جزء من تاريخ الفكر الإنساني يقبل التعامل التاريخي معه. والجانب المثالي و"الديني" فيه يمكن وضعه في إطار جدلي مع الجانب المادي فيه. تأسيسا على هذه الأسس النظرية يطرح تيزني، بناء على تحليلاته الجدلية المستفيضة، موقفه التفصيلي من الفكر العربي الإسلامي القديم، ويظهر هذا الموقف بوضوح في عدد من المقتطفات التالية. في البداية يكشف عن أن الفكر العربي المعاصر لم يقدم أي معالجة علمية (تاريخية جدلية) للفكر العربي، كما يلي، في الحقيقة، إن فشل الكثيرين من المستشرقين والباحثين العرب في استخراج وتطوير وتعميق وجهة نظر علمية موحدة حول العصر العربي- الإسلامي الفكري الوسيط لهو ذو دلالة عميقة. فهو يكمن في كونهم لم يدرسوا هذا العصر الفكري في علائقه الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية. لقد انطلقوا، في آخر تحليل، من موضوعية استقلالية "الفكر" تلقاء "الواقع الاجتماعي المادي"، فعجزوا، على هذه الطريق، عن فهم استمرارية الفكر، أي خاصية الفكر في كل من فترات تطوره التاريخي. إن الفكر يتضمن في ذاته ليس فقط استقلالية نسبية تلقاء الواقع الاجتماعي المادي، وإنما أيضا ارتباطا أنطولوجيا (وجوديا) بهذا الواقع. وبذلك فهو يحتوي، في نفس الآن، استمرارية ولااستمرارية. فمن أجل بحث العصر الفكري المشار إليه، تتبين الأهمية القصوى لكشف الأطر التاريخية والاجتماعية-الاقتصادية، التي ترعرع وشب فيها العصر ذاك. إننا نقول بكون هذه الأطر قد هيأت، بشكل غير مباشر ومتوسط، إمكانية نشوء وتطور الفكر العربي-الإسلامي الفذ، ولا نقول ضرورة ذلك. أما تحول هذه الإمكانية إلى ضرورة، فقد كان نتاج المنطق والبنية الداخليين الخاصين بالفكر الإنساني منذ الحضارات الكلاسيكية قبل العصر العربي-الإسلامي حتى هذا العصر الأخير. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 126) بالإضافة إلى نقد تيزيني وجهات نظر المجددين الإسلاميين لعدم اعتمادهم على المنهج التاريخي ينقد أيضا المفكرين العلمانيين لنفس السبب وهو عدم الاعتماد على المنهج التاريخي والاعتماد فقط على المنطق المجرد المنقطع عن الواقع ورفض التراث العربي الإسلامي، ويرد ذلك إلى سوء قراءة تراثنا الفكري، كان هنالك تيار فكري تجديدي قد أخذ منحى متميزا بشكل واضح عن منحى المجددين أولئك. إن هذا التيار، الذي يعتبر سلامه موسى من أبرز ممثليه، يقوم في أساسه على محاولة تجاوز شامل للتراث العربي-الإسلامي. إن تجاوزا من هذا النوع كان يتضمن رفضا للتراث هذا، من حيث هو كذلك، والبدء من جديد...في الحقيقة، نحن نستطيع تقصي هذا القصور في فهم قضية تراثنا فهما علميا تاريخيا دقيقا من قبل سلامه موسى والذين تأثروا به من خلال سببين: الأول هو أن تراثنا الفكري – والحضاري عموما – قدم إلينا بشكل مشوه ممسوخ، بحيث أبرزت منه الجوانب السلبية الغيبية والمناهضة للتقدم العلمي والاجتماعي إبرازا بدائيا مملا في طريقة تقديمه. أما السبب الثاني فقد كمن في كون أولئك لم يستوعبوا المنهج المادي التاريخي بشكل جدلي حي. لقد وقعوا في التبسيطية. فهم فهموا الثورة الفكرية الثقافية والاجتماعية على أنها نفي كلي للتراث، بحيث ينبغي تكوين "بداية" جديدة كليا. إن مفهوم نفي النفي الجدلي فهم من قبلهم من حيث هو رفض دون تمثل ودون استعادة جدلية لذاك التراث.( مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 131-132) ولتجنب هذا الخطأ يشدد على قراءة تراثنا الحضاري قراءة موضوعية إنسانية غير ميكانيكية، أي غير سطحية، ويعارض في هذا كافة التصورات الغربية ويشمل ذلك اشبنجلر وتوينبي، لقد ترك لنا أسلافنا العظام إرثا حضاريا عملاقا. ولكن بالرغم من هذا فإننا سوف لن نكون علميين وصادقين مع تراثنا إذا انكفأنا راجعين إليه رجوعا ميكانيكا. إن الإنسانية الحديثة والمعاصرة قد اكتشفت حقائق وأبدعت مكتسبات ضخمة أيضا في مجال العلوم والتقنية والعلاقات الاجتماعية، فهل يحق لنا إنكار هذا انطلاقا من أخذنا بذلك "القمقم الأصل"؟ إن من ينكر ذلك، يستوي مع المتعصبين العرقيين من الأوربيين، المنكرين لمنجزاتنا في العصر الوسيط. فالحضارة الإنسانية تشكل وحدة جدلية عميقة لم يستطع طرحها توينبي أو شبنجلر وغيرهما من المؤرخين المثاليين بالمعنى الفلسفي. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 134) بعد نقد التصورات السابقة سواء في الفكر العربي المعاصر، أو فكر المستشرقين، أو الفكر الغربي الحديث والمعاصر، يستهل تيزيني طرح وجهة نظره في شروط القراءة الصحيحة لهذا التراث. ويتمثل الشرط الأول في التأكيد على أهمية العامل الاقتصادي في قراءة التراث العربي، بدون اعتباره العامل الأوحد، بدون الوقوع في مزالق "الاقتصادية الميكانيكية"، التي تمنح العامل الاقتصادي الدور الحاسم والوحيد في عملية النمو الاجتماعي الإنساني، نرى أنه من اللازب الإشارة إلى أهمية هذا العامل في العملية تلك، بمعنى أنه خطأ فاحش أن نبحث عن نمو "الفكر" في الفكر نفسه بمعزل عن الإمكانات التي خلقتها له الجوانب الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية والتكنيكية. ولقد بحثنا هذه المسألة في السابق. إنما نود هنا، على ضوء ما سبق، التأكيد على أن المنهجية هذه هي القادرة فعلا على طرح قضية "التراث" العربي-الإسلامي بشكل يعيد لهذا التراث حقوقه وجوانبه المشرقة الإيجابية المسلوبة من قبل ممثلي الذهنية الإقطاعية-الغيبية في الحقل التاريخي، وكذلك من قبل الأطر الضيقة الهجينة لممثلي الجديد، المنطلقين من الذهنية البورجوازية – الإقطاعية المتخلفة والانتقائية. إن ذلك التأكيد يقوم على كون تلك المنهجية التاريخية توحد في أثنائها الأيديولوجيا بالعلم، فتتحول بذلك إلى منهجية علمية. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 136) ويتمثل الشرط الثاني في اعتبار ظهور الإسلام في المجتمع العربي "حركة" اجتماعية تخضع لكافة الشروط العلمية لأي حركة اجتماعية. وهذا يستتبع بداهة دراسة الظروف الاجتماعية قبل ظهور الإسلام واستخلاص الظروف والدوافع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أدت إلى ظهور هذه "الحركة"، حينما نصنف مرحلة بحثنا هذا إلى "ما قبل الإسلام" و"ما بعده"، فإننا لا نعني بـ"الإسلام" عقيدة دينية فقط، بل أيضا، وبشكل أساسي، حركة اجتماعية جلبت معها نتائج عميقة. وسوف لن نستطيع استيعاب المرحلة الثانية اللاحقة بمعزل عن المرحلة الأولى. وهذا يقتضي الإحاطة بالوضع الاجتماعي العربي – الجاهلي – إحاطة سريعة، ولكن واضحة. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 138-139) ويحلل تيزيني الظروف الاجتماعية التي أدت إلى ظهور هذه "الحركة" ويعتمد في ذلك على كلاسيكيات الفكر الماركسي، من ذلك تحليلاته المعتمدة على جدلية السادة والعبيد، وأثر هذه الجدلية على التحولات الاقتصادية في هذا المجتمع، وهنا نجد أنفسنا أمام نتيجة هامة حتى الحد الأقصى، تمس قضية العوامل العميقة الدفينة التي مهدت لنشوء الحركة الإسلامية بجانبها الاجتماعي الهام: على أساس تلك الرابطة الوثيقة والمشروط وجودها بشكل موضوعي بين العبيد (الرقيق) والعوام الأحرار ونصف الأحرار، تكونت وتبلورت الدوافع الاجتماعية البعيدة للحركة تلك. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 150) كما يعتمد أيضا على التحليل الاقتصادي لهذا المجتمع وأثر ظهور الرأسمال الربوي في هذا المجتمع وتضاعف أعداد العبيد، فأصبح ظهور الإسلام مخرجا من هذا التحول الدرامي في المجتمع، لقد تكونت وترعرعت الحركة الإسلامية في فترة زمنية بلغ فيها الرأسمال التجاري-الربوي درجات مرموقة، وتضاعف فيها بالتالي استغلال الأرقاء والعوام. وقد أصاب هذا الاستغلال أعضاء القبيلة الواحدة من قبل أغنيائها وأغنياء قبائل أخرى على حد سواء. فالعصر "الذهبي"، الذي سيطرت فيه قرابة الدم والعصبية والذي كان فيه الواحد من أجل الكل والكل من أجل الواحد ضمن القبيلة الواحدة، هذا العصر قد تلاشى بدون رجعة...من ذلك كله يمكن صياغة النتيجة الأساسية التالية: كمخرج عفوي وضروري لجمهور الأرقاء والعوام الحجازي المضطهد والمستثمر – وخصوصا في مكة والمدينة – وكتعبير عن الطموح الاجتماعي المشروع تاريخيا لخلق شعب موحد في الحقول الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وبعيدا عن الحروب المبيدة بين القبائل العديدة، نشأت وتكونت الملامح الأولية الأساسية للحركة الإسلامية في القرن السابع. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 153) وفي نهاية الأمر، حسب تحليلات تيزيني الاجتماعية والاقتصادية أصبحت القبائل العربية مهيأة لاستقبال الرسالة المحمدية. وهنا يظهر بوضوح الجدل "الظاهري" بين العوامل المادية (الاقتصادية والاجتماعية)، والعوامل المثالية (الدينية) في فكر تيزيني. حسب روايات إسلامية وغير إسلامية، كان الوضع في مكة وفي مدن عربية أخرى قبل بدايات الحركة الإسلامية مهيأ لاستقبال "مخلص" جديد للناس من البؤس الاجتماعي والاقتتال القبلي و"الأوهام" الوثنية. فلدى مجموع القبائل العربية، التي دخلت حياتها المسيحية قليلا أو كثيرا، توقع المرء مثل هذا "المرسل". وفي هذا الحقل أضفى المرء على هذا التوقع شغافا أسطوريا متعدد الألوان والأشكال. وكذلك من الوجهة التاريخية كان واردا أن يتكون ويتطور الأمل والطموح في مجيء مثل ذلك المحرر للقبائل المتشتتة المتصارعة. بل أكثر من ذلك، إذا وجد ذلك التوقع وذلك الطموح فعلا، فإنهما برهان واضح على توتر الوضع الاجتماعي-الاقتصادي والسياسي والفكري في مكة ومدن عربية أخرى في مطلع القرن السابع، هذا التوتر الذي أدى إلى تواجد العوامل الضرورية لنشوء وتبلور الحركة الإسلامية التي لعبت دورا كبيرا في تغيير وتحويل البني الاجتماعية والاقتصادية والقيمية للمجتمع العربي الجاهلي. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 154).


رد مع اقتباس