عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
شمس
مشرف
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,081
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

شمس غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 01-29-2018 - 04:29 PM ]


موقع اللغة العربية في المجتمع المعاصر:

إن الحديث "عن إدراك واع لطبيعة اللغة العربية في المجتمع خصائصها، وعن تقدير دورها بين اللغات السامية ومكانتها، تصدر كلمة فرجسون ferguson التي ردت في مقالة عن اللغة العربية ببريطانيا يقول فيها، "إن اللغة العربية اليوم، سواء بالنسبة إلى عدد متحدثيها أو مدى تأثيرها، تعتبر أحد أعظم اللغات السامية جمعاء. كما ينبغي أن ننظر إليها كسائر اللغات العظمى في العالم اليوم".[4] ويتجلى صدق هذه العبارة إذا نظرنا إلى اللغة العربية من المنظور الديني والاستراتيجي واللغوي، فضلا عن تأثيرها في اللغات السامية الأخرى. فعلى مستوى هذه المنظورات نجد:

دينيا: لقد اتخذ الإسلام من اللغة العربية لسانا له منذ أن نزل القرآن بها، وأصبت العربية لغة تعبدية للمسلين يفرضها الدين أينما حل، ويحلمها معه حيثما انتشر.

استراتيجيا: إن اللغة العربية ذات انتشار جغرافي واسع، وليس المقصود بالانتشار الجغرافي المكان فقط، بل ويقصد به أيضا عدد مستخدمي هذه اللغة وما يشغلونه من مكانة في المجتمع العالمي المعاصر. كما تعتبر اللغة العربية من حيث عدد المتحدثين بها السادسة في العالم، وهي وفق هذا المعيار من أكثر اللغات انتشارا في القارة الإفريقية وفي غرب آسيا، فضلا عن المكانة الكبيرة التي أصبت لها في المجتمع المعاصر.

تاريخيا: لقد استوعبت اللغة العربية بجدارة كلا من التراثين العربي والإسلامي، ولقد عبر عن هذه الحقيقة أنور شحنة بقوله: "منذ العصور الوسطى واللغة العربية تتمتع بعالمية جعلت منها إحدى لغات العالم العظمى على نفس المستوى الذي حظيت به الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، وهذا لا يعزى إلى عدد متكلميها فحسب، بل إلى المكانة التي تشغلها في التاريخ والدور الذي لعبته فيه"[5].

لغويا: وهذا هو الجانب الذي يهمنا في تعليم العربية للناطقين بغيرها، حيث إن هذه اللغة تتمتع بمزايا وتنفرد بها سواء في النحو أو على مستوى المفردات والتراكيب أو القدرة على التعبير عن المعاني واستيفائها، ومن حيث تأثيرها على لغات أخرى أيضا. هذا ما يجعلها إضافة موقعها في المجتمع المعاصر، لغة تواكب كل التطورات اللسانية وتستجيب لها.

إن العربية لغة اشتقاقية كل فعل فيها يتكون من ثلاثة صوامت، ومن هذا الجدر الثلاثي تشتق في بعض الأحيان كلمات بصعب حصرها. هذه القدرة المعجمية على التوليد الكلمات، جعلتها تأخذ مكانة هامة بين لغات العالم المعاصر، وقد زاد الاهتمام بتعلمها من طرف الناطقين بغيرها في مختلف أنحاء العالم. الشيء الذي أدى إلى انتشار المعاهد والمؤسسات التي أنشأت برامج خاصة لتعليمها للناطقين بغيرها، وما أكثر الروابط التي جعلت من تعليم اللغة العربية محور اهتمامها ومنطلق عملها.[6]".

الملامح السوسيولسانية (la sociolinguistique) وتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها:

وتحاول هذه الدراسة أن تقوم إطلالة جديدة على الدرس اللغوي الاجتماعي في علاقته بتعليم اللغة، ومن الملاحظات اللغوية الجديرة بالاهتمام في هذا الإطار ما لاحظه الجاحظ في تأثير اللغة الأم الأصيلة في اللغة الثانية التي يكتسبها الإنسان بالانتقال أو الاختلاط، لكننا نريد أن نستقرأ هذه العلاقة من المنظور العكسي، من خلال تأثير لغة المجتمع (بيئة اللغة المتعَلمَة) في لسان غير الناطق بالعربية. وفي ذلك نجده يقول: "واللُّغتان إذا التقتا في اللسان الواحد أُدخلت كل واحدة منهما الضيم على صاحبتها، وهو يصرح بتأثير اللغة الأم في اللغة الجديدة الدخيلة، وكذلك الحال فإن اللغتين تصبحان محط تأثر وتأثير"[7].

إن اللسانيات الاجتماعية في أساسها تعنى بدراسة التنوع المشترك بين الظواهر اللسانية والمجتمعية، كما ترصد العلاقات الموجودة بين هذه الظواهر بتحديد السبب والنتيجة. ويعني هذا ضرورة البحث عن أسباب التغيرات التي تحدث على المستوى اللساني، وربطها بمسبباتها الاجتماعية أو سياقها التلفظي والتواصلي.[8] هذا التعريف سيجعل من القاعدة الاجتماعية منطلقا أساس يمكن الاعتماد عليه في بناء بعض المكونات الأساسية في برامج تعليم العربية للناطقين بغيرها، خاصة مكون النصوص الذي يجعل المتعلم في احتكاك أكثر مع اللغة، ومنه يتم الانفتاح على المكونات الأخرى، باعتبار النص هو الدعامة الأساسية في تمرير باقي المكونات الأخرى.

فإذا كانت اللسانيات الاجتماعية تركز على الوظيفة الاجتماعية للغة والإحاطة بمختلف التبدلات الاجتماعية لها في علاقتها بالمتكلمين الناطقين، من حيث السن، والجنس، والفئة الاجتماعية، والوسط، والمستوى المهني، والمستوى التعليمي، وتحليل العلاقة القائمة بين اللغة والممارسات الاجتماعية، ثم تفسير الوظيفة الاجتماعية للغة، والاهتمام بقضايا لغوية واجتماعية كبرى تتعلق باللغة الأم، وموت اللغات، وعلاقة اللغة باللهجة والفصيلة، والثنائية والتعددية اللغوية، والأنظمة اللغوية المركبة والمعقدة، وتدبير التعدد اللغوي، والسياسات اللغوية، والتخطيط اللغوي؛[9] فإن استثمارها بهذه الحمولة في البرامج الدراسية لغير الناطقين بالعربية سيختصر على هؤلاء المتعلمين مسافات ثقافية واجتماعية جد مهمة، لأن الباعث الأساسي من تعلم اللغة عند هؤلاء المتعلمون هو الاندماج في مجتمع هذه اللغة والانفتاح عليه.

إن السوسيولسانيات كما يعرفها فيشمان (FISHMAN) " علم يبحث في التفاعل في جانبي السلوك الإنساني: استعمال اللغة والتنظيم الاجتماعي للسلوك".[10] في محاولة منه للإحاطة بكل ما له صلة باللغة والمجتمع. وبناء على هذا وجب تحديد الفرق المركزي مادام استعمال اللغة يحدد التنظيم الاجتماعي بين تعليم اللغة للناطقين بغيرها وللناطقين بغيرها، بحيث تمكننا هذه المقاربة من فهم الدور المركزي للمكون الاجتماعي في تعليم العربية للناطقين بغيرها. وفي علاقة بهذا التصور نقف بالأساس على "الفرق كبير بين تعليم اللغة لأبنائها وتعليمها لغير أبنائها. وقليل من الناس من يعرف ذلك، حتى بين المتخصصين في الدراسات العربية الذين لم يتح لهم فرصة لدراسة علم اللغة التطبيقي.

وتبعا لهذا فإنّه ينبغي أن يختلف الكتاب التعليمي لتعليم العربية لغير الناطقين بها عن الكتاب التعليمي لتعليم العربية لأبنائها، من حيث الغرض والبناء والوسيلة. وقد أغفل كثير من المهتمين بنشر اللغة العربية هذه الفروق الأساسية زمنا طويلا وكانوا – وما زالوا مع الأسف - يبعثون بالكتب التي نستعملها في مدارسنا العربية إلى البلدان الشقيقة غير العربية التي تطلب مساعدتنا في تعليم لغتنا في مدارسها.

وبصورة عامة يكمن الفرق الجوهري بين الكتاب المدرسي المخصص للعرب والكتاب المدرسي المخصص لغيرهم؛ في أنّ الأول يستعمله متعلمين ينتمون إلى الثقافة ذاتـها ويتكلمون اللغة العربية التي يتعلمونـها، أما الثاني فيستعمله آخرون لا ينتمون إلى الثقافة نفسها ولا يعرفون اللغة العربية. والكتاب المعدّ لغير الناطقين باللغة قد يحتاج إلى التحليل التقابلي للغة العربية؛ بحيث يتحدد ما تتفق فيه اللغتان، وما تختلفان فيه للاستفادة من ذلك في معرفة الصعوبات التي يواجهها المتعلم في تعلم تراكيب العربية ونظامها الصوتي، كما يجب أن يتخذ هذا الكتاب بيئة الطالب ومجمل حضارته منطلقا له في تقديم الحضارة العربية. وهذا يعني أن الكتاب الذي يصلح لتدريس اللغة العربية لأبنائها لا يصلح لتدريسها لغير الناطقين بـها"[11].



من خلال هذا التباين الحاصل على مستوى خصوصيات البرنامج الدراسي، يتضح لنا إضافة إلى الجانب النحوي والمعجمي والصوتي؛ ما يتعلق بالكفاية الثقافية التي لها علاقة بالمكون الاجتماعي بالأساس. ويمكن استثمارها لتثبيت الكفايات الأخرى. وهذا ما يبين بجلاء أهمية المكون اللسوسيو لساني في تمرير العناصر اللغوية كمضمون تربوي للناطقين بغير العربية، باعتبار المحيط الاجتماعي مجالا خصبا لبناء أرضية أولية في المقررات، تؤسس عليها الكفاية التواصلية ككل لمتعلم اللغة غير الناطق باللسان العربي.

إن أهمية الجانب السوسيولوجي تتمثل في كونه يضمن نظرة شاملة عن حياة الشعوب وأنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية، كما له مكانة هامـة في تعليم وتعلّم اللغات الأجنبية. أما بالنسبة لاستثماره في تعليم العربية للناطقين بغيرها فتعتبر مكوناً أساسياً ومكمـلاً مهماً لمحـتوى المـواد التعليمية في هذا الميـدان؛ لذلك لا بـدّ أن تندمـج العناصـر الاجتماعية للغة العربية اندماجاً كامـلاً في البرامج التعليمية لهذه الفئة خاصة، وفي جميع أوجه التعلّم ووسائـله عامة.

لقد بات من المعروف أن المعطيات التي يتيحها الحقل السوسيو لساني تعتبر جانبا أساسيا لبناء مـادة تعليمية لتعلّم اللغة الأجنبـية، كما أنـه عامـل مهم من عوامـل النجاح في تعلم اللغـة واستخدامها. والجدير بالذكر أن الكثير من هـؤلاء الدارسين غير الناطقين بالعربية يتوقّعون عندما يبدؤون تعلّم اللغة، أن يحصلوا على قدر معيّن من إمكانية توظيف المكون الاجتماعي كمحـتوى للغة، بنفس القـدر الذي يحصلون عليه من اللغة كوعاء للثقافة. وبالتالي فإننا نقترح أن يكون المدخل الأساسي لتكوين أرضية خصبة لتعليم العربية للناطقين بغيرها هو الإطار السوسيولساني والممكنات المتحصلة التي يتيحها.

إنّ اللغة هي وعاء الثقافة، والثقافة تنشأ وتتطور وتتأرخ في المجتمع، وليس من اليسير تعلم لغة ما دون التعرّض لثقافة مجتمعها، وقيمه واتجاهاته وأنماط معيشته. وهذه العناصر نؤكد على أخذها بعين الاعتبار فوق طاولت الإعداد القبلي لبرامج تعليم العربية للناطقين بغيرها، لأن اللسان الاجتماعي العفوي في البداية، دعامة لاكتساب التقنيات الأولى للمكون الصوتي والمعجمي في تعلم اللغة العربية. مما يعبِّد الطريق لاكتساب، الجوانب اللغوية في المستويات المتقدمة.

وإذا كانت اللغة "من أقوى روابط المجتمع الواحد، فهي من أكثر الوسائل قدرة على نقل ثقافتهم إلى المجتمع العالمي كلّه؛ وهنا تبرز القيمة الكبيرة لما تبذله الشعوب في سبيل تعليم لغاتـها لغيرها من الشعوب، وهنا أيضا تكمن الدوافع الحقيقية وراء استنـهاض الهمم وبذل الجهود نحو تأليف كتب لتعليم العربية في السنوات الأخيرة، إنّ الأمر ليس مجرد حرص على تدريب الآخرين على نطق أصوات العربية، أو حفظ كلماتـها أو تعرف تراكيبـها. إنّه أبعد من ذلك وأعمق. إنّ كتابا يؤلف لتعليم العربية لن يكون مجرد وسيلة لتنمية مهاراتـها أو إتقان استعمالـها وإنما هو ناقل لتاريخ أمة عريقة التراث، ومعبر عن حضارة شعب متميز الملامح، ترتبط لغته بأعز ما لديه، وأغلى ما عنده إنـها لسان عقيدته ولغة كتابه المبين"[12].



ومن الأسس المركزية التي تدفع إلى ضرورة اعتماد المكون السوسيولساني واعتباره جـزءاً أساسياً في برامج تعليم العربية للناطقين بغيرها نجد:

• " أنّ القدرة على التفاعل مع الناطقين باللغة لا تعتمد فقط على إتقـان مهارات اللغة، بل تعتمد أيضاً على فهم ثقافـة أهل اللغة وعاداتـها وآمالـها وتطلعاتـها.



• إنّ فهم اللغة الأجنبية فقط لا يعين على فهم حـياة متحدثيها وواقعهم؛ لـذا فالاهتمام بالمجتمع في برنامج تعليم اللغـة يؤدّي إلى نتيجة فعّالة في عملية الاتصـال باللغة، قـد يفوق ما يقدمـه تعلم مهاراتـها فقط، وهذا يؤدّي إلى حقيقة بارزة وهي أنّ الاتصال الثقافي بين متحدثي لغتين؛ يساعد على تنمية مهارات اللغة وإتقانـها.



• إنّ فهم ثقافة اللغة الأجنبية والتفاعـل معها أمر مهم في حدّ ذاته، فالتفاهم العالمي أصـبح الآن من الأهداف الأساسية للتعليم في أي بلد من بلـدان العالم. كما أنّ فهم التشابه والاختلاف بين الثقافات أصـبح أمراً ضرورياً لإحداث تقارب وتعاون بين الشعوب كأساس لتقدم الحياة واستقرارها في هذا العالم، ولأنّ السـلام العالمي يعتمد بشكل كبير على الفهم والتعاون العالميين. ومن هنا أصبح أمراً ضرورياً الاهتمام بتزويد المـادة التعليمية بمـلامح المجتمعية الأساسية، ثم بأوجه التشابه والاختلاف الأساسية بين هذه الثقافـة وبين ثقافات المتعلمين.



• أنّ الدارسين أنفسهم عـادة ما يكونوا مشغوفين بالناس الذين يتكلمون اللغـة التي يتعلمونـها، ويودون معرفـة أشـياء كثيرة عنهم: من هم؟ ما طبيعة حياتهم؟ كيف يعيشون؟... هذا في الوقت الذي لا يعـرف فيه هـؤلاء الدارسون إلا القليل جـداً عن العناصر الأساسية لهذه المجتمعات، وأيضاً القليل جداً والسطحي والخاطئ عن ثقافة المجتمعات الأخرى.



• أنّ العادات الاجتماعية تشبه إلى حد كبير المهارات اللغوية، فالمتحدث باللغة يتصـرّف بشكل معّين وبطريقة تلقائية، كما أنه يتحدث اللغة بنفس الطريقـة، ومن ثم ينبغي أن نعامل عادات الاجماعية كما نتعامـل مهارات اللغة في المواد التعليمية.



• أنّ الكثير من الكتابات والدراسات في ميدان تعليم اللغات الأجنبية تكاد تجمع على أن الثقافة المجتمعية هي الهدف النـهائي من أي مقرر لتعلم لغـة أجنبية.



• أنّ علماء علم الأجناس ودراسـة الإنسـان يقـررون أن سلوك الفـرد في المجتمع يكمن في حدود النظام العام لأنماط التعلّم. وفي هذا السياق يصبح من الممكن مقارنة دراسـة المجتمع بدراسـة اللغة.



• أنّ المجتمع ميدان واسع ومعقد بالشكل الذي لا يتوقـع معه أن يستوعب الدارسون كلّ عادات الثقافة لمتحدثي اللغة، ولكنهم في ذات الوقـت قد يألفون تلك العناصر المهمّـة لفهم الناس والشعـوب وطرائق حياتهم، كما أنّ مدى الألفة الذي يودّ أن يصل إليه الدارسون بالثقافة الثانية يعتمد بشكل كبير على هؤلاء الدارسين أنفسهم. فالبعض يكفيه مجرد المعرفة، والبعض الآخر يرغب في دراسـة اللغة في وطنـها. ومن ثم يتطلعون للوصـول إلى مستوى من القـدرة اللغـوية والثقافية يمكنهم من الاشتراك والاندماج مع متحدثي اللغـة بشكل لا يقـل كثيراً عن مستوى أهل اللغة ومتحدثيها.



• أنّ البعض يتطـلع إلى التزوّد برؤية اجتماعية واضحـة تمكّنه من تحصيل المعلومات والمعـارف الثقافية التي تسـاعده على التعامـل مع هذه اللغة. وهذا يعني أن ما يقدم من الجانب اجتماعي، ينبغي أن ينتقي ويختار في المقررات، في ضـوء حاجات الدارسين واهتماماتهم وأهدافهم من تعلّم اللغة والثقافة"[13].



ويمكن أن نجمع من خلال هذا أنه إذا كان للغـة مستويات، فإنّ للبنية اللغوية الاجتماعية أيضاً مستويات، حيث لـها مسـتوى حسي ومستوى تجريدي معنوي، ولـها مستويات تبدأ بالفـرد وتتسع للمجتمع. ومن هنا ينبغي وفي المرحلة الأساسية من إعداد برامج تعليم العربية للناطقين بغريها، اعتماد التدرج في تعليم اللغـة بمستويات، من الحسي إلى المعنوي ومن الفرد إلى المجتمـع الأوسع. ومن ثّم ينبغي أن يضبط المحتوى السوسيولساني بالإطار اللغوي الأساسي؛ بحيث يؤدّي الارتفاع بالمسـتوى الاجتماعي في المقررات إلى الارتفاع بالمستوى اللغوي.

البنية للسوسيولسانية واحتياجات المتعلمين غير الناطقين باللغة العربية:

تتأسس البنية السوسيولسانية كما هو معروف على "الربط بين اللغة بوصفها نظاما وبين الجماعة المستخدمة له والمؤثرة فيه. وتتجلى إمكانية إبراز أهمية الدراسة الاجتماعية للغة، وفي الاهتمام بأبعاد تلك الصلة القوية وأشكالها في إطار علم أطلق عليه (علم اللغة الاجتماعي) أو (علم اجتماع اللغة).[14] وفي إطار الترابط بين اللغة ومحيطها، وفي علاقة بتعليم هذه اللغة للناطقين بغيرها، يبقى الاحتياج المركزي لتكوين أرضية مناسبة لطوير الكفايات المطلوبة لهذا المتعلم، هو التمكن من فهم المحيط الذي تتوالد فيه هذه اللغة وتتطور، حيث يمكن اعتباره مؤسسة غير منظمة لحد ما لتحديد بعض ملامح اللغة العربية. لأن العلاقة بين اللغة والمجتمع هي علاقة تأثير وتأثر. وأي موقع احتله هذا المتعلم في إطار هذه الثنائية، سيخدم تعلمه لهذه اللغة أو على الأقل التمهيد لاستعداد تعلمي.

فالحركة التي ستتحكم في العلاقة بين المتعلم العربية غير الناطق بها والمجتمع، ستشكل مجموعة من الأفكار الاجتماعية والدعائم النفسية اللغوية، مما سيطور هذه العلاقة إلى مستويات متقدمة من الاستعداد لتلقي اللغة العربية.[15] لكن الملاحظ على كثير من كثب تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها أنها تفتقد للنظرة الاجتماعية التي يحتاجها المتعلم إلى حدا ما. كما يحتاج هذا المتعلم أن تكون المقررات التي أُعدت خصيصا له، متنوعة في مداخلها أثناء استحضار المكون السوسيولساني في إعداد هذه الكتب التعليمية. وتجاوز المنهجية الآلية التي تعتمد على نظام جاف في التأليف.

ومن الأساسيات التي يحتاجها متعلم العربية غير الناطق بها في البرامج المعد لهذا الغرض، "تحديد بعض المواقف التي يُتوقع أن يمر بها الدارس من غير الناطقين بالعربية في تعامله اليومي، وفي المواقف العامة الأخرى التي يواجهها أثناء التعامل مع الناطقين باللغة العربية. ويقصد بالمواقف؛ تلك التي يشترك فيها معظم الدارسين الأجانب عند زيارتهم للبلدان العربية أو اتصالهم بثقافتها".[16]وبذلك تكون هذه المقررات قد استبعدت بعض المواقف التي لا يحتاجها هؤلاء المتعلمون. كما تحتاج هذه الفئة من المتعلمين في برامجها الدراسية لتعلم اللغة العربية، "تحديد المفردات الأساسية التي تلبي حاجيات التعلم، والتي تمكنهم من الاندماج والانفتاح على المحيط الذين يتعلمون فيه. وبالتالي وجب التفريق ههنا بين مستوين من التعامل مع هذه المفردات:

• أولهما مدى الاستخدام، وثانيهما درجة الفهم.

والذي سيحدد بنية هذه المفردات على مستوى الاستعمال والفهم هي البيئة، إذ فيها سيتم استخدام هذه المفردات وفيها ستعالج مستويات فهمها. وهذا لا يعني أن هذه المفردات يجب أن تتشبع بالخصوصية المجتمعية لعامية محددة، بل يجب أن تراعي مسألة الفهم في كل الأقطار العربية.[17] وإذا كان الاتصال هو الغرض الأساسي الذي أقيمة من أجله اللغة، فإن الاتصال الذي يبتغيه هؤلاء المتعلمون الذين لا يمتلكون ناصية اللسان العربي هو الاتصال مع الناطقين به. وهذا ما يؤكد إصرارنا على استثمار المكون السوسيولساني في برامج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، والبدء بما يتيحه المجتمع لتعلم هذه اللغة، لأن الاندماج في مدخلاته ومخرجاته في الأخير؛ هو الهدف من تعلم هذه اللغة.


رد مع اقتباس