عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
إدارة المجمع
مشرف عام
الصورة الرمزية إدارة المجمع
رقم العضوية : 21
تاريخ التسجيل : Feb 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 2,876
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

إدارة المجمع غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 02-11-2020 - 01:00 PM ]



- والذي يعنينا الآن هو بيانُ معالمِ هذا الفن في العلومِ اللغويةِ والشرعيةِ - ما عدا علم الحديث - مكتفين بعرض نماذجَ تدللُ على المعْلَم الضبطي
- ففي العلوم اللغوية نرى مظاهرَ هذا الفنِّ تتجلَّى فيما يأتي:
1- اعتمادُهم الحركات العربية للدلالة على المعاني، يبدو ذلك من صنيع أبي الأسود الدؤلي حين اعتمد الحركاتِ العربيةَ للدالة على المعاني، فالضمة دالة على الفاعلية، والفتحة دالة على المفعولية، والكسرة دالة على الإضافة، ويندرج تحت هذا ما صنعه أهل المعجمات اللغوية في ضبط ألفاظهم بالحركات، أو بالألفاظ، أو بالتمثيل بالميزان الصرفي، وهذا أمر واضح بيِّنٌ.
2- وضعُهم نقط الإعجام للحروف، ووضع علامات الرَّوم والإشمام والوقف... إلخ، ولا يخفى الآن أن علامات الترقيم الحديثة هي امتداد لفن الضبط.
3- تآليفُهم التي تعد متوناً سواء أكانت شعرية أم نثرية كالمفصل للزمخشري، والكافية والشافية لابن الحاجب، والألفية لابن مالك، والأجرومية، لابن آجروم.... إلخ، والظاهر أن كتاب نظم الفرائد وحصر الشرائد للمهلبي المتوفى سنة 583هـ يعد من أهم الكتب المؤلفة في هذا الفن، ويتصل بهذا الجانب أيضاً الكتب والقصائد المؤلفة في الفروق اللغوية، ككتاب الفروق اللغوية للعسكري، وكتاب الفرق بين الضاد والظاء لغلام ثعلب أبي عمر الزاهد، وقصيدة ابن مالك المشهورة في ذلك أيضاً، ولاننسى أخيراً أن نذكر مقصورة ابن دريد المشهورة المعروفة، وقصيدة ابن مالك في الألفاظ المقصورة والممدودة المسماة (تحفة المودود في المقصور والممدود) المؤلفة من مائة وستين بيتاً، لقد حوت ما يقرب من ستمائة وخمسين لفظةً من الكلم المقصورة والممدودة(4)
ومثل ذلك القصيدة الحائية للسيد محمد بن هاشم الشامي الصنعاني المتوفى سنة 1207 هـ، فقد جمع فيها بين الألفاظ التي وقع فيها التضاد، وضرب فيها الأمثال منها:
إذا صدحَ الحمامُ يقول غنَّى المنعمُ *** والشجيُّ يقول ناحـــــــــــــا
وكم قد أخرسَ المنطيقُ يومـــــــا *** وأعطى الخُرس ألسنةً فِصاحا
وكم من حكمةٍ خفيتْ علينـــــــــــا *** وأخرى وجهها الوضاحُ لاحـا
وكم أمرٍ نشاهدُه فســــــــــــــــادا *** وذاك فساده كان الصلاحــــــا
ولبروزها وصفها الشوكاني بقوله:
جاء فيها بما لا يقدرُ عليه غيره، فلو لم يكن له إلا هذه القصيدة، بل لو لم يكن له إلا بعضُ أبياتها، لكان ذلك موجباً لعلوِّ طبقتِه (5)

4- لم يكتف علماؤنا بتأليف قصائد خاصة ضابطة أو متون نثرية، بل اتجهوا إلى صوغ الأبيات المفردة، والمقطوعات الشعرية الضابطة، ولو أردنا جمع هذه المقطوعات والأبيات المفردة الضابطة لجاء منها مجلداتٌ كثيرة، وكنت قدماً أسجل ما يمر بي من أمثلة تؤكد ما أذكره الآن من تقرير هذا الفن عند العرب، فكثر ماجمعته كثرة لايمكن سردها في هذا المقال، ولكن مالايُدرك كله لايُترك جُلُّه- كما قالوا- ولئلا يقعَ القارئ في الملل، اخترت من ذلك الأمثلة الآتية:

- ظم ابن مالك للآلات التي جاءت مضمومة الأول والثالث،بيتاً قال فيه:
مُكحُلةٌ مع مُدهُنٍٍ ومُحرُضَه *** مع مُنخُلٍ مُنصُلٍ ومُنْقُرٍ مُدُقّ(6)
- ومن ذلك أيضاً بيتان من الشعر نظم صاحبها اللغات الواردة في (الاسم) فأوصلها إلى ثماني عشرة قال:
للاسم عشرُ لغاتٍ معْ ثمانيةٍ ***بنقلِ جدي شيخ ِالناسِ أكملها
سِمْ سَماةٌ سُما واسْمٌ وزدْسِمَةً *** كذا سماءٌ بتثليثٍ لأولها (7)

- ومن ذلك ما قاله بعضُهم حول ضبط لفظة (الضّعف) إذ ورد في لفظ ضادها الحركات الثلاث، ولكل ضبط ٍمعنى، قال الضابط:
في الرأي والعقلِ يكون الضَّعفُ *** والوهَنُ في الجسمِ فذاك الضِّعف
زيادةُ المثِلِ كذا والضُّعفُ *** جمعُ ضعيفٍ وهو شاكي الضُّرِّ(8)


- ومن ذلك ما قاله يوسف بن محمد العبادي السرمري العقيلي في الفرق بين وسط بالسكون ووسط بالفتح قال:
فرقُ ما بين قولِهم وسَط الشي *** ءِ و وسْط تحريكاً او تسكينا
موضع ٌصالحٌ لـ(بينَ) فسكِّــــــــنْ *** ولـ(في) حَرِّكا تراه مبينــــــا
كجلسنا وسْط الجماعة إذْ هــــم *** وسَطَ الدارِ كلُّهم جالسينــا(9)

- ومن ذلك الأبياتُ الضابطةُ لحركة همزة فعل الأمر، قالها يحيى بن القاسم الثعلبي التكريتي الشافعي، قال السيوطي: ومن نظمه:
لألف الأمرِ ضروبٌ تنحصرْ *** في الفتح ِوالضمِّ وأخرى تنكســـرْ
فالفتحُ فيما كان من رباعـــي *** نحو: أجبْ يا زيدُ صوتَ الداعي
والضمُّ فيما ضُمَّ بعد الثانــي *** من فعله المستقبلِ الزمانــــــــــــي
والكسر ُفيما منهما تخلَّـــــى *** إن زادَ عن أربعةٍ أو قَـــــــــــــــلَّا(10)

- واستطاع بعضُهم أن يضبطَ في أبياته الخلافات التي تحتاج إلى شرح وتفصيل،
من ذلك النظم الذي ذكروه حول وزن لفظة(أشياء) قال بعضهم:
في وزنِ أشياءَ بين القوم أقــوالُ *** قال الكسائي: إن الوزن أفعـالُ
وقال يحيى بحذفِ اللامِ فهي إذاً *** أفعاء ُوزناً وفي القولين إشكـالُ
وسيبويهِ يقول القلبُ صيَّرهـــــا *** لفعاء َفافهمْ فذا تحصيلُ ما قالوا(11)

وربما استهواهم هذا الفن في الضبط الشعري، فراح بعضهم ينظِم بيتاً واحداً يضبط فيه معنى لفظةٍ معجميةٍ، فلفظة(جَحْمَرِشٍ: أي المرأة العجوز) نظمها أحدهم بقوله:
وللعجوز قد أتى جَحْمَرِشُ *** وهي التي من كِبَرٍ ترتعشُ (12)


(يتبع..)
_________________________________
(4) - تحفة المودود، تحقيق الشيخ إبراهيم اليازجي، 1-5 وقد التزم ابن مالك فيها بأن يضمن كل بيتٍ منها أربع كلمات، كل اثنين منها تجريان في قرن واحد، وذلك مما اختلفت فيه اللفظتان في الضبط أو المعنى أو في كليهما ومطلعها:
مطيع الهوى مأوى حجاه هواءُ *** وبعضُ الصفا قلبٌ عداه صفاء
(5) - البدر الطالع 2/276
(6) - المزهر 2/105 والمحرضة: وعاء الأشنان , والمنقر: بئر ضيقة
(7) - روح المعاني 1/52
(8) - تفسير القرآن وإعرابه 21/352
(9) - الأشباه 2/435 ، نقل السيوطي عن الفارسي قوله: إذا قلت: حفرت وسط الدار بئراً بالسكون، فوسط ظرف وبئر مفعول به، وإذا قلت: حفرت وسط الدار بئراً بالتحريك، فوسط مفعول به وبئراً حال.
(10) - البغية 2/328
(11) - ينظر كتاب الوجيز في التعريف للدكتور عبد الكريم الأسعد 92م ولم يذكر المصدر الذي ذكر هذه الأبيات
(12) - القرعبلانة، 60




التعديل الأخير تم بواسطة إدارة المجمع ; 02-11-2020 الساعة 01:30 PM

رد مع اقتباس