عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 10 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-03-2016 - 09:19 AM ]


2- العلاقة بين الفلسفة والرياضيات

يربط الدكتور رشدي في منهجه بين الرياضيات والفلسفة، ويشرح العلاقة بينهما كما يلي،

لبضعة أعوام نشرت عدد أكبر من الدراسات عن العلاقة بين الرياضيات والفلسفة، كيف وجدتها؟

هذا مجال واسع بالكاد بدأت في وضع خطواتي الأولى فيه. يقرأ المرء عادة هنا وهناك ملخص لبعض الأفكار للفلاسفة عن الرياضيات أو ذلك للرياضيين في علاقتهم بالفلسفة. هذه الإشكاليات هي إشكاليات ضعيفة. السؤال يجب أن يوضع بشكل مختلف، تحت سمتين مشتركتين: ما هو الجزء الحي من الفلسفة في الرياضيات؟ هل هذا الجزء الحي هو عمل الفلاسفة، الرياضيين، الرياضيين-الفلاسفة، أو الفلاسفة الرياضيين؟ السؤالان ليسا مستقلين عن بعضهما البعض. ما هو المكان أو ما هي الأمكنة حيث تلتقي الرياضيات بالفلسفة حقا؟ لقد طرحت على نفسي هذه الأسئلة. بالنسبة للسؤال الثاني، نجد أنفسنا في مواجهة احتمالين: إما أن يستدعي المرء الفلسفة من أجل حل، أو الاعتقاد في حل، المشكلات الرياضية، أو أن يستعمل الرياضيات لحل المشكلات الفلسفية. ثم حاولت أن أجد مثالا لكل من هذه المشكلات التي تم التعامل معها بواسطة رياضيين أو فلاسفة، ولكن في الحقيقة هي عادة ما يتم التعامل معها بواسطة رياضيين-فلاسفة. هذا بدأ بدراسة منحنيات التماس "asymptote" واستعمال التصورات الفلسفية للتفكير في طبيعتها الغامضة. ثم درست بعد ذلك المذاهب الميتافيزيقية للفيض "emanation" واستخدام تحليل التوافيق "combinative analysis" من أجل التفكير في الاحتمالات تحت شروط معينة. قمت ببعض المحاولات، لا شك جزئية، لمعرفة ما هي تصورات الفلاسفة عن الرياضيات، ما هي التصورات، على سبيل المثال، التي اعتمدوا عليها في تصنيف العلوم أو تكوين أنطولوجياتهم. هذه المحاولات تصنع الاعتقاد بأن فلسفة هذا الوقت لا ترد إلى نظرية في القلب، ولا إلى نظرية في الوجود، وإنما هناك فلسفة العلوم كما يتم تصورها اليوم، خصوصا فلسفة الرياضيات والتي هي جزء جوهري في الفلسفة. (مناقشة مع رشدي راشد، 2004، XXI-XXII)

3- مفهوم عالمية العلم

يمثل مفهوم عالمية العلم عنصرا أساسيا في منهج الدكتور راشد. وهو بذلك ينقد ويرد على المركزية الغربية التي ادعت أن العلم لم ينشأ سوى في الغرب سواء اليوناني القديم أو الأوروبي الحديث. كما ينقد من خلال منهجه هذا المفهوم النقيض القائل بالاختلاف الجوهري للعلم العربي باعتباره مرتكزا على الدين الإسلامي، أي مفهوم إسلامية المعرفة. ويرد المعرفة بدلا من ذلك إلى الشروط الاجتماعية المصاحبة لإنتاجها في إطار من صورة عالمية تطورية للعلم. في حواره مع جريدة المصري اليوم يوجز هذا المفهوم كما يلي،

العلوم تراث إنسانى وعالمى، والغرب بدأ الاهتمام بتاريخ العلوم العربية منذ الخمسينيات، وأكبر جزء فى التراث العربى، هو الخاص بالعلوم، التى لا تعتمد على التصديق بل البرهان، وهو ما يعنى أن أى فرد يمكنه التعامل مع نتائجها مهما كانت أيديولوجيته التى يؤمن بها. فما انتقل لأوروبا من حضارة العرب، هو العلوم والفلسفة، وكذلك كان ما وصل من حضارة اليونان للعرب، فترجموه ودرسوه وأضافوا عليه.

وهذا هو مفهوم عالمية العلم، وما فعلته أنا وزملائى، كان بدافع أن الجزء العربى فى العلوم لم يأخذ حقه من البحث والتطوير، وهذا ليس خطأ العرب وحدهم، بل خطأ شارك فيه الاستعمار الذى علمنا منذ سنوات طويلة أن العلوم أوروبية المنشأ والتطور والمصير، وهو أمر يجب أن ينتهى ولن يحدث هذا بالخطب ولكن بالعمل العلمى والبحثى. (المصري اليوم، 10 مايو 2009)

ومفهومه للعلوم هو مفهوم شامل يربط بين العلوم الطبيعية والرياضية والاجتماعية، لذلك يعتمد منهجه على الترابط بين هذه المجالات العلمية المختلفة، في حواره مع مجلة العربي الكويتية (2007) يقول،

هذا التناقض غير مجد، ان التاريخ بذاته لا فائدة منه إن لم يكن يحث على تجديد الفكر وعلى البحث العلمي، ودون هذا فلا فائدة منه، فليس هناك تناقض. فلايمكن أن تبحث في مجال وتنسى آخر. مثال على ذلك في عام 820 ظهر علمٌ جديد وهو علم الجبر وحتى أفهم ظهور هذا العلم تدخل العلوم الانسانية أولا ـ بمعنى أنه لفهم كيفية ظهور علم الجبر لابد من العودة إلى علم اللغة، وعلم الفقة ـ فحين تدرس تاريخ العلوم فإنك لا تدرس وقائع فقط، بل تدرس فكرة علمية، وفلسفة علمية، وتدرس مضمونًا علميا وأشياء عديدة في الوقت نفسه. فليس هناك تناقض بين تدريس التاريخ العلمي والتجديد باللحاق في العلم الجديد. (حوار مجلة العربي الكويتية، إبريل 2007)

4- التحليل الرياضي للكشف عن التقاليد العلمية

يعتمد الدكتور راشد في تحليله التاريخي لنشأة وتطور التقاليد العلمية على منهج خاص هو البحث في تطور هذه التقاليد من داخل البحوث العلمية ذاتها، وتتبع بنياتها ونظامها حتى يتمكن من اكتشاف المعالم العلمية لهذه التقاليد. يظهر ذلك من استعراضه التالي لمعالجته للتقاليد العلمية لترييض الجبر،

مع السموأل، الفكرة التي خطرت لي، وهذا مهم جدا بالنسبة لي، هي تلك الخاصة بترييض الجبر "mathematization of algebra". بمعنى آخر، في وقت معين، يقوم المرء بتطبيق معاملات الرياضيات على التعبيرات الجبرية، وبهذا يحدد مفهوم "تعدد الحدود" "polynomial"، من أجل ضمان شروطها وفحص ما يترتب عليها. وأعتذر عن قول ذلك، لم ير أحدا ذلك من قبل. كان هناك استنتاج، والذي كان كذلك مهما جدا، وهو أن نعرف أنه في تاريخ الجبر هناك تقاليد: من أجل فهم السموأل من الضروري فهم الكرجي، ومن أجل فهم الكرجي من الضروري فهم أبو كامل والخوارزمي. هناك تقليد بدأ مع الخوارزمي وانتهى بهذا التطور: ترييض الجبر وتطوير التفاضل المجرد. ما التحولات التي مر بها هذا التقليد؟ أين يمكن تعيين وقت انتهائه؟ وهكذا ذهبت بشكل تلقائي تماما إلى الجبر الإيطالي، وتجاه الألماني "كوسسيستس" "Cossists"، وحتى "ستيفل" "Stifel" الذين لم يفعلوا شيئا يزيد على ما فعله متخصصي الجبر العرب. في فصل أو آخر، يمكن للمرء أن يتبين مسار معين؛ على سبيل المثال، إذا أخذنا كتب الكرجي، هي تنتهي بفصل عن التحليل الديوفنطي. وإذا أخذنا كتيبا في الجبر لأويلر "Euler"، سوف نلاحظ نفس العملية. احذر! أنا لا أقول أويلر هو الكرجي. ولكن أقول بأن هناك تقليد، أو أقول أن هناك آخرين منهم، أو لا يوجد، في كل مرة هذه نقطة للبحث. هناك تقليد، ذلك الخاص بالجبر؛ هناك تقليد آخر هو الخاص بالهندسة الجبرية، وسوف يقوم المرء بالنظر فيه بنفس الطريقة متى بدأ، بأي أسلوب استمر، وأي تحولات مرت به. لقد بدا لي في الحقيقة مدهشا أن شخصا مثل الخيام لم يكن له سابقين أو لاحقين. إذا لم يكن هناك عقلانية في التاريخ، إذن يتوقف المرء عن صنع التاريخ، يفعل شيئا آخر. هذا الاعتقاد هو الذي سمح لي بأن أكتشف عمل شرف الدين الطوسي بعد الخيام. (مناقشة مع رشدي راشد، 2004، XV-XVI)

5- التحليل التاريخي للكشف عن التقاليد العلمية

من جانب آخر يعتمد منهجه على التحليل التاريخي للكشف عن نقاط البدء والنهاية للتقاليد العلمية، ويشرح ذلك كما يلي،

عندما يبحث المرء عملا من أجل الحكم على مدى جدته، حيث أن التقاليد التي يقوم عليها هذا العمل تمتد عبر فترة زمنية طويلة، السؤال يطرح نفسه، ذلك الخاص بمعرفة متى توقفت هذه التقاليد. إضافة إلى ذلك، حيث أنه يوجد تشابه قوي بين ما قامت به تلك الرياضيات الخاصة بالقرن الحادي والثاني والثالث عشر، والعمل الخاص برياضيات معينة في القرن الثامن عشر، يرفع المرء السؤال فورا: هل النتائج التي تم التوصل إليها في القرن السابع عشر هي امتداد طبيعي للعمل في القرنين الحادي والثاني عشر؟ هذان السؤالان متعلقان ببعضهما البعض. من أجل إيضاحهما: إذا كان هناك شيئا جديدا، أين يجب وضعه بالضبط؟ على سبيل المثال، من أجل جعل الفكرة أكثر وضوحا، إذا قلت أن ما هو جديد لدى فرما في نظرية الأعداد هو أنه حولها إلى نظرية جبرية، هذا لا يفسر لماذا توصل فرما إلى نتائج جديدة. لماذا؟ لأنه هذا التحويل الجبري كان قد تم عمله قبل فرما. هكذا السؤال هو أن نعرف ما هو محدد، ما هو الجديد حقيقة عند فرما وما الذي مكنه من الذهاب بعيدا. على أية حال هذا الشيء موجود، هو منهج الانحدار اللانهائي "infinite descent". بالنسبة لديكارت الأمر مماثل، يمكن إذا أن نستخدم الخيام من أجل تفسير بعض الحقائق، على سبيل المثال، حقيقة أن ديكارت يتكلم عن المنحنى الجبري غير المحدد، في حين أن الخيام يبقى في مستوى المنحنى المخروطي. السؤال إذن يمكن وضعه كما يلي: ولكن لماذا في هذه اللحظة يأتي هذا الشيء؟ بهذا المعنى، معرفة الرياضيات العربية، في رأيي، هو أمر ضروري مطلقا، في نفس الوقت، من أجل وضع هذه الأسئلة – لأنه لا أحد يضعها – ومن أجل تحديد الإبداع بدقة؛ عندما تعرف ماذا فعل الآخرون، هذا يمكنك من أن تعرف إذا كنت لازلت في هذا التقليد أم أنك قد تجاوزته. على سبيل المثال في العمل الذي ترجع إليه، أصررت على التمييز بين المنحنيات الميكانيكية والمنحنيات الهندسية عند ديكارت؛ سوف لا أعود إلى التفصيلات التاريخية، ولكن هناك شيئا ملموسا. وهكذا، ضع جانبا الاهتمام بتاريخ الرياضيات العربية في ذاته، لا يمكن للمرء حقا أن يفهم رياضيات القرن السابع عشر بدون معرفة هذه الرياضيات. هكذا، عندما نتحدث عن هؤلاء الذين عرفوا القرن السابع عشر جيدا – هنا أفكر بشكل خاص، بكل الصداقة، عن شخص أكن له كل الاحترام، جان إيتار- لا يمكنني أن أتفق معه عندما يقول أن إبداع فرما يكمن في تحويله الجبري لنظرية الأعداد، بالوضع في الاعتبار ما أعرفه من ارتباط بما حدث قبله. (مناقشة مع رشدي راشد، 2004، XVII-XVIII)

6- تحقيق المخطوطات

إضافة إلى التحليلات الرياضية والتاريخية للنصوص التي أنتجت وطورت التقاليد العلمية أنشأ الدكتور رشدي منهجا مميزا لنقد النصوص والمخطوطات خاصا بالمخطوطات العربية والعلم العربي. يشرح ذلك الدكتور شدي كما يلي،

كتب كتاب السموأل بهذه الطريقة، ثم رأيت تقريرا بواسطة شخص لا يعرف من العربية سوى القليل، يلعب دور العالم، لا يقول الحقائق، الخ؛ رغم ذلك فقد كنت مندهشا منه. وهكذا عرفت أهمية أساليب التجميل في الكتابة. لم أصبح حقيقة مهتما بهذا العمل حتى اكتشافي لكتاب ديوفنطس في بدايات السبعينات. بدأت في معالجة ديوفنطس بنفس الطريقة، ثم أدركت أنني إذا استمررت في العمل بهذا الأسلوب سوف ببساطة أخرب عملي. فقط في المرة الثانية عندما بدأت في الحقيقة في فهم أهمية تاريخ النصوص ونقد المخطوطات، كما كان الحال بالنسبة لمخطوط ديوفنطس. مع ديوفنطس تبينت أهمية كل ذلك: إذا تغيرت كلمة واحدة، خصوصا عندما تكون عن ترجمة من الإغريقية، يمكن لذلك أن يكون له تأثير كبير. في هذا الوقت، رغم أنه كان متأخرا قليلا، أصبحت على دراية بأنه من الضروري الارتكان بجدية على تحقيق المخطوطات. كذلك أدركت أنه كان من الضروري إيجاد قواعد خاصة لتحقيق المخطوطات للنصوص العربية، لأنه من الضروري التحكم في المعايير المتعلقة باللغات الإغريقية واللاتينية. ولكن أيضا من الضروري مع الوضع في الاعتبار الظروف الخاصة لكل لغة ولكل تقليد أن نجد قواعد مناسبة لتحقيق النصوص العربية: أشكال الأدوات الهامة، متطلبات الكتابة بالعربية، الخ. هذا العمل بدأ مع ديوفنطس ومنذ ذلك الوقت لم أتوقف عن تطوير وتدقيق هذه المعايير... لقد كان اختيارا فرض نفسه. أتذكر كل مرة أقيم فيها ندوة في المعهد، أقمت على الأقل ستة منها كل عام، وأقدم شيئا مستخلصا من النصوص شخصا قال لي: الدليل؟ قلت الدليل! تعلم العربية. عندها أدركت سريعا أنه من أجل تقديم هذا الدليل كان من الضروري أن أشكل حقا مكتبة كاملة من النصوص الأساسية إذا كنا نريد أن ننشئ هذا المجال: ضع جانبا مسألة الرد على السؤال، كان الشعور الداخلي هو الذي أدى إلى هذا العمل، وبذلك كان من الضروري أن أوضع في قلب عملية النشر. أعترف بأنني فعلت ذلك دون حماس، لقد اعتبرت ذلك دوري؛ ولكن في أوقات معينة في تاريخه لا يقوم الشخص بتقرير الأعمال التي يجب أن ينجزها، كل فترة تفرض متطلباتها. كان يجب أن يتم إنجازها، وقد أنجزتها! وهكذا أنا محرر على الرغم مني. (مناقشة مع رشدي راشد، 2004، XIV-XV)

ويرى راشد أن تحقيق المخطوطات له شروط عدة، وأنه قد اضطر إلى القيام بهذا العمل نظرا لغياب الاهتمام به سواء في الغرب أو في الشرق، في حواره مع مجلة الأهرام العربي يقول،

أنا لا أحقق مخطوطات لأنني أساسا مؤرخ وفيلسوف علوم‏,‏ وتحقيق المخطوطات كان مصادفة في حياتي‏,‏ فقد عملت في حساب الاحتمالات وتطبيقه علي الأمور الاجتماعية‏,‏ وهذا كان موضوع رسالة الدكتوراه‏,‏ واهتممت بالعلوم العربية لأسباب عدة منها الهزيمة النكراء في‏1967,‏ وعندما كنت أخبر الآخرين ببعض تفصيلات العلوم العربية‏,‏ كان الناس لا يصدقون‏,‏ وهنا بدأت فكرة تحقيق المخطوطات لدي وترجمتها والتحليل والتأريخ لها‏,‏ وقد وجدت أن ما يتم تحقيقه لا يخرج عن إعداد الكتاب للنشر دون تحقيق علمي سليم‏,‏ ولا تأريخ للعلم المحقق فيه ولا تحليل له‏,‏ وليس هناك الأسس العلمية للتحقيق كما يتم في الإنجليزية واليونانية وغيرها‏,‏ وحاولت من جهتي تحقيق هذه الأسس فيما أحققه‏..‏وتحقيق المخطوط العلمي يستلزم ما يلي‏:‏ أولا تكوين معرفة جيدة بتاريخ العلوم‏,‏ ومعرفة جيدة باللغات حديثة وقديمة‏,‏ ثم التكوين العلمي‏,‏ فالذي يحقق رياضيات لابد أن تتوافر لديه علي الأقل دراسة أكاديمية في هذا العلم‏,‏ ويأتي بالإضافة إلي ذلك التمرس في التفكير الفلسفي والمذاهب الفلسفية المتعددة‏,‏ حتي لا يقف علي مجرد التحقيق‏,‏ ويذهب إلي أبعد‏,‏ ولهذا أنشأت معهدا داخل جامعة باريس السابعة لهذا العمل‏,‏ وكونت مجموعة لدراسة تاريخ العلوم العربية وعلوم العصور الوسطي اللاتينية والعربية‏,‏ وهذا المعهد وهذا التكوين العلمي لمحقق المخطوطات العلمية ليس موجودا في أي بلد عربي‏. (الأهرام العربي، 9 فبراير 2009)

ثانيا: تاريخ العلم

تمثل مراجعة وتصحيح تاريخ العلوم الإسهام الأكبر للدكتور رشدي راشد في الفكر العلمي والفلسفي المعاصر. وليس ذلك من زاوية الدفاع عن الحضارة العربية/الإسلامية وإبراز دورها في التطور الحضاري الإنساني وإنما من الزاوية الموضوعية من حيث التوصل إلى فهم أدق وأسلم لتاريخ العلوم الإنسانية، عموما، ولكيفية نشأة العلوم الأوروبية الحديثة، خصوصا. فبحسب راشد لم تكن هناك حداثة واحدة، وإنما أكثر من حداثة، أحدها هو الحداثة العربية/الإسلامية والتي انتشرت فيها العلوم. كذلك مثل العلم العربي أول ظهور للعلم بالمعنى العالمي، بحيث اندمجت الثقافات العالمية في بوتقة العلم العربي وأصبح للعلم لغة هي اللغة العربية. يسمي راشد هذه المرحلة بمرحلة العلم الكلاسيكي ويرى أنها امتدت إلى ما يقرب من القرن السابع عشر الميلادي حيث قامت الثورة العلمية الأوروبية.

ويهتم راشد بتحديد قيمة وأهمية مجال تاريخ العلوم باعتباره وسيلة لنقد المعرفة ويرى أنه قد ظهر لأول مرة في القرن الثامن عشر في عصر التنوير، يشرح راشد مبررات وظروف ظهور هذا المجال العلمي كما يلي،

إن تاريخ العلوم لم ير النور قبل القرن الثامن عشر وفي قلب فلسفة التنوير، وربما يتعجب البعض من هذا الرد وينكرونه مستشهدين على ذلك بما كتبه السلف في تاريخ العلوم، وأعني بالسلف العلماء والمؤرخين على وجه سواء من أي جنس ومن أية ملة كانوا... كانت هذه الكتابات المرجعية الهامة تهدف إلى التذكير والتسجيل ولم تقصد تتبع هذا العلم أو ذاك لبيان كيف أصبح على ما هو عليه في عصر من العصور وما قابله من عقبات تغلب على بعضها، أو كان لها جل الأثر في تغيير مجراه وابتكار بنيات نظرية جديدة، وهذا السعي يتطلب نهجا جديدا في الدراسة والتحليل، فعلى المؤرخ حينئذ تتبع وصف البنيات النظرية وظروف تكونها وما قامت عليه، هذا الأسلوب في التأريخ لم يبدأ حسب علمي قبل القرن الثامن عشر ومع فلسفة التنوير لأسباب عدة: التراكم العلمي من جهة وتأسيس الأكاديميات – أي مراكز البحوث – من جهة أخرى... فتاريخ العلوم يؤدي وظيفتين مترابطتين على اختلافهما عند فلاسفة التنوير: فهو الأداة اللازمة لتعريف الحداثة في سياق جدل عقائدي امتد بين منتصف القرن السابع عشر ومنتصف القرن الثامن عشر على الأقل... والوظيفة الثانية لتاريخ العلوم عند فلاسفة التنوير مرتبطة أشد الارتباط بجوهر فكرهم، أعني رفض هذه الفلسفة نفسها ألا وهو مفهوم التقدم المستمر للحقائق أو التراكم المستمر لها والاستبعاد والتخلص المستمر أيضا من الأخطاء المكتسبة التي أفسدت الطبيعة الإنسانية وحجبت عنها "النور الطبيعي" الذي جبلت عليه. (العلوم العربية بين نظرية المعرفة والتاريخ، الفلسفة والعصر، العدد الثاني، يناير 2002، ص 27 – 29)


رد مع اقتباس