عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 11 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-03-2016 - 09:20 AM ]


1- تقسيمه لتطور العلم

في إطار ما وصل إليه من تحليل لتاريخ العلوم ومن كشف عن دور العلم العربي يضع الدكتور راشد تقسيما ثلاثيا للعلم، والمقصود هنا هو العلم الذي تمكن من أن يتبلور كعلم عالمي للإنسانية. على هذا الأساس ينقسم تاريخ العلم لديه إلى العلم الكلاسيكي القديم، أي العلم العربي، ثم العلم الحديث، الذي نشأ في عصر الحداثة، ثم العلم الصناعي المعاصر، يقول،

فإن تجنبنا "الوهم الإحصائي" سنجد أن الحديث عن المجتمع العلمي لا يمكن أن يتم دون تحديد المعايير والعوامل المتعلقة بالعلم وتاريخه أولا. وحتى يتسنى لنا ذلك علينا أولا أن نميز بين ثلاثة أنماط علمية، يهم كل منها المنطقة العربية في تاريخها الممتد. وهذه الأنماط هي: "العلم الكلاسيكي" و"العلم الحديث" و"العلم الصناعي".

لقد تطور العلم الكلاسيكي فيما بين القرن التاسع الميلادي والنصف الأول من القرن السابع عشر الميلادي. ونشأ في أول الأمر في المراكز المدنية الإسلامية وباللغة العربية. إن الترجمات اللاتينية لمؤلفات علماء الإسلام والبحوث التي قام بها البعض على المنوال نفسه، كانت تشكل جزءا مكملا من هذا العلم الكلاسيكي...

أما "العلم الحديث" فهو أوروبي. ويمكن أن نؤرخ بدايته بشكل تقريبي مع نيوتن وخلفائه في القرن الثامن عشر الميلادي، أو بعد ذلك الوقت. إننا نقصد، بوصفنا لهذا العلم بـ"الأوروبي" أنه نشأ وتطور في أوروبا الغربية فقط. يتميز هذا العلم الحديث من العلم الكلاسيكي بنزعة قوية إلى توحيد فروعه...

يتميز "العلم الصناعي"، أي علم المجتمعات الصناعية المتقدمة التي تنتج وتستهلك العلم على درجة عالية، بتصنيع البحث؛ وتعني كلمة "تصنيع البحث" ليس فقط أن هذا العلم يقوم بتطوير التطبيقات العلمية على الصناعة أو تطوير البحث الصناعي بحد ذاته، بل إن البحث العلمي نفسه يجري في مؤسسات ومخابر (المركز الوطني للبحوث العلمية، مركز الدراسات النووية، الخ) أصبحت هي نفسها خاضعة لطرائق التنظيم والإدارة الخاصة بالممارسات الصناعية. فصار مفهوم "المجتمع العلمي" ذا معنى مختلف عن ذلك الذي عرفناه في العلم الحديث. (الوطن العربي وتوطين العلم ص 10 – 11)

أ- الصورة الخاطئة للعلم العربي

ينقد الدكتور راشد الصورة التقليدية للفكر الأوروبي الحديث لتاريخ العلم على أساس أنه تحول إلى التمييز بين الأجناس والعقليات على أساس اللغات، وعلى أساس تجاهله للعلم العربي باعتباره خزانة للعلم اليوناني. ويرى أن الفكر الأوروبي قد اضطر إلى البحث في العلم العربي دون أن يعطي له شرعية الوجود، ويرصد هذا التناقض في الفكر الغربي. يشرح ذلك كما يلي،

بدأ مع هذه المدرسة الألمانية دون أدنى شك دراسة تاريخ اللغات درسا مكثفا ومقارنا. ولكن سرعان ما تحول هذا الدرس للغات إلى دراسة التاريخ باللغات، أعني إلى التمييز بين الأجناس والعقليات حسب اللغات، وهناك اللغات الآرية وهناك اللغات السامية، الأولى صالحة لعقلية علمية فلسفية، والثانية لذهن "ديني شعري". ومهما كان الأمر كان من الطبيعي والمتوقع أن يزداد الإحساس بالتاريخ نفاذا ووضوحا، وهذا ما تم، وازداد الاهتمام بالنصوص اليونانية واللاتينية ونشطت دراستها نشاطا جما. ولكن دراسة هذه النصوص وخاصة اليونانية والعلمية منها ألزم بالاهتمام بدراسة النصوص العربية نفسها، فكثير من الأصول اليونانية لم يقدر له البقاء إلا في الترجمات العربية. إلا أن دراسة التاريخ بواسطة اللغات كانت بمثابة شرك يحاك لتاريخ العلم العربي: من جهة نظرية خالصة لم يكن للساميين الحق في العلم والفلسفة تبعا لرأي هذه المدرسة في اللغة وارتباطها بالعقلية، ومن ثم لم يبق للعلم العربي شرعيا الحق في الوجود: ولكن من جهة واقعية كان هذا العلم العربي يفرض نفسه أكثر فأكثر على المؤرخين الذين تزايد رجوعهم إليه. ودام هذا التناقض أكثر من قرنين، ولا تزال آثاره عند جمهرة المؤرخين. والغريب العجيب أن هذا التناقض يحكم مؤلفات ثانوية في تاريخ العلوم ولم يقتصر عليها، بل نراه يطبع بطابعه مؤلفات هامة مثل "نظام الكون" لـ"Pierre Duhem". ويبدو لي أن هذا التناقض كان لا مفر منه، فمهما كانت نظرة المؤرخ العقائدية في هذا الوقت لم يكن باستطاعته تفادي العلم العربي لدى تصديه لوقائع المادة العلمية التي كان يرغب في التأريخ لها. ومن ثم إن كان هذا أو ذاك المؤرخ لا يرى في العلم إلا ظاهرة أوروبية خالصة لم يعد يمكنه أن ينظر إلى العلم العربي نظرة مستقيمة صائبة. ففي أحسن الأحوال لم ير فيه إلا خزانة لترجمات يونانية، ولم يعتبره إلا علما يونانيا محدثا. لم يبق إذن حسب هذه الرؤية للعلم العربي إلا دور واحد: فهو حقل للتنقيب يحفر فيه المؤرخ بحثا عن آثار الحضارة والعلم اليوناني. ولقد أسرف البعض في هذا ومازالوا مما أدى إلى تشويه نتائج العلم اليوناني وإلى سوء فهم ما تم في القرن السابع عشر على السواء. فلقد قرأ الكثير في العلم اليوناني ما لم يكن فيه، واستقر في وهم آخرين أن علم القرن السابع عشر هو ثورة عليه من أوله إلى آخره. (العلوم العربية بين نظرية المعرفة والتاريخ، الفلسفة والعصر، العدد الثاني، يناير 2002، ص 30 – 31)

2- العلم العربي

حجر الزاوية في إسهام الدكتور راشد في تصحيح تاريخ العلم هي كشفه عن جوانب عديدة لطبيعة وقيمة العلم العربي/الإسلامي. فلم يقتصر في فحصه وتحليله للعلم العربي على القضايا الرياضية التخصصية وإنما امتد لبحث وفهم الظروف المجتمعية التي أحاطت به وأدت إلى ظهوره. وامتد كذلك إلى إدراك الارتباط المتبادل بين العلوم المختلفة بما في ذلك العلوم الشرعية والفقهية، مثل علم أصول الفقه، وارتباطها بباقي منظومة العلوم. كذلك امتد تصوره للعلوم العربية إلى إدراك وظيفتها في المجتمع وارتباطها بالتوجهات الدينية للمجتمع الإسلامي القديم.

ويمكن تقسيم تحليلاته للعلم العربي إلى تحليل للعوامل التي أدت إلى ظهور العلم العربي والظروف التي صاحبت ظهوره، ثم السمات الأساسية التي تميزه، ثم العلاقة بين العلم العربي وتاريخ العلم وأثره في تصحيح تاريخ العلم نفسه.

أ- عوامل ظهور العلم العربي

يرد راشد العوامل التي أدت إلى ظهور العلوم الطبيعية العربية إلى ثلاثة عوامل، أولا، تشجيع السلطة السياسية، ثانيا، الحاجات المادية والثقافية، ثالثا، ظهور نهضة في العلوم الإنسانية والاجتماعية سابقة عليه. يشرح ذلك تفصيليا كما يلي،

لا يمكن بحالٍ فهم الحضارة العربية – الإسلامية منذ بدايتها دون الوقوف على البعد العلمي فيها. فالعلم كان بعدا أساسيا للمدينة الإسلامية. بل ليس هناك مدينة قديمة أو من العصر الوسيط، أو حتى من القرن السابع عشر، كان العلم فيها بعدا أساسيا مثل المدينة الإسلامية. وطوال التاريخ الإسلامي لم يهاجم العلم مرة واحدة، أما المرات القليلة التي اضطهد فيها المفكرون، فقد تعلقت كلها بالفلسفة، أي بنظرة "قدم العالم" (ابن رشد) أو بـ "وحدة الوجود" أو "الحلول" (الحلاج والسهروردي). بل إن أكثر الفقهاء تشددا – ابن حزم، ابن تيمية – لم يهاجموا العلم قط.

فإذا رجعنا إلى التاريخ فسنجد مع بداية الدولة العباسية نهضة علمية لا تقل أهمية عن تلك التي سنشاهدها إبان القرن السابع عشر في أوروبا. ولفهم هذه النهضة العلمية لا بد من التذكير بعوامل عدة، أولها: تشجيع السلطة السياسية والاجتماعية؛ وهذا ما يستفاد مما روى عن الخلفاء العباسيين وعن إنشاء بيوت الحكمة والمراصد. ولم يقف الأمر على الخلفاء، فقد قلدهم في هذا الأمراء والوزراء والأغنياء، مثل بني المنجم وابن المدبر، الخ. والمقام هنا ليس مقام تفصيل، ولكن لا يفوت على من ينظر في تاريخ الحركة العلمية العربية ملاحظة دور السلطة السياسية في تهيئة الوسائل المادية وتهيئة الباحثين. واستمر هذا النهج بعد تمزق الخلافة وقيام الدويلات المتنافسة التي معها تعددت المراكز العلمية. فقد أدى هذا إلى خلق "المدينة العلمية" بفرقها المتعددة والمتنافسة. فلو أخذنا بغداد في منتصف القرن الثالث لرأينا إحدى صور هذه المدينة العلمية بفرقها: بنو موسى وأعوانهم، الكندي وحلفائه، أبو معشر وتلاميذه.

أما العامل الثاني فقد انبثق من حاجات المجتمع الجديد من مادية وثقافية. فلقد اقتضت الدولة الجديدة الشاسعة الأنحاء، المتعددة الحضارات والأنظمة، تعميرا وتوحيدا، مما ألزم الاستعانة بالعلم. فإنباط المياه الجوفية، وشق القنوات، وإنشاء المدن، ومد الطرق وتنظيم الدواوين، وجباية الخراج، ومسح الأرضين وغير ذلك، أدى إلى توحيد النظم الحسابية والاستعانة بالجبر وفروع الهندسة: أعني الاستعانة بالعلوم لحل مسائل عملية، كما أدت الفرائض الدينية، من صوم وصلاة وحج – إلى أبحاث فلكية كان لها جل الأثر في رقي علم الهيئة. وأدى علم الميقات والوظيفة الاجتماعية الجديدة – أي وظيفة المؤقت – إلى تمثل الثقافة التقليدية للبحث العلمي. وساعدت الدواوين والوظيفة الاجتماعية الجديدة – أعني الكاتب – على تقدم الحساب والجبر. ويمكن أن نعدد أمثلة أخرى من الطب والكيمياء وعلم الحيل. فالعلم أصبح بتطبيقاته جزءا من الممارسة الاجتماعية، كما كان جزءا من تلك الممارسة عن طريق التدريس والبحث. فلم يكن العلم هامشيا في المدينة العربية – الإسلامية. ولم يكن هامشيا في الثقافة العامة. وهذه إحدى خصائص الحضارة العربية حتى في عصور الانحطاط.

أما العامل الثالث، الذي أسهم في النهضة العلمية فهو نهضة أخرى سبقتها في العلوم الإنسانية والاجتماعية، أعني علم الكلام وعلوم اللغة والتاريخ والفقه والتفسير وغيرها. فثمة ملابسات لها وزنها اكتنفت نشأة هذه العلوم التي أعدت وحثت على الاهتمام بالعلوم الرياضية وغيرها. وكمثال على هذا، نذكر كتاب العين للخليل وظهور أول علم معجمي في التاريخ. كان هذا العمل يقتضي معرفة متقنة بعلم الأصوات وكذلك بمبادئ حساب التوافيق والتباديل لحصر ألفاظ اللغة. وهو ما أخذ به الخليل. وباختصار أثارت هذه العلوم الاجتماعية والإنسانية العديد من المسائل التي تطلب حلها الأخذ بالعلوم الأخرى من رياضية وغيرها وتطويرها، أو ابتكار علوم جديدة – مثل علم التباديل والتوافيق – وهيأت هذه العلوم الاجتماعية جمهورا كبيرا من المهتمين بالعلوم الأخرى، وكذلك الوسائل اللغوية، مما أعد اللغة العربية لاستقبال المعارف الجديدة.

فمن الواضح أن هذه النهضة العلمية شملت كل فروع المعرفة في هذا الوقت ولم تقف على بعضها دون البعض الآخر. كما شملت أيضا الفروع النظرية والتطبيقات المتعلقة باحتياجات المجتمع الجديد. وهكذا أصبح العلم جزءا أساسيا من الثقافة العامة التي لم تكن دينية – لغوية أدبية فقط. وأصبحت هذه إحدى خصائص الثقافة العربية، كما تشهد به كتب تصانيف العلوم القديمة والمتأخرة، وكما تشهد به الثقافة الشعبية. فلنستمع في هذا الصدد إلى حلاق بغداد في ألف ليلة وليلة: يقول "... ستجدني أحسن حلاق في بغداد، حكيم مجرب وصيدلي عميق ومنجم لا يخطئ، ضليع في النحو والبلاغة ومؤهل في العلوم الرياضية، في الهندسة والحساب وكل مسائل الجبر، في التاريخ أعرف تاريخ الممالك في العالم، وأعرف أيضا جميع أبواب الفلسفة...". (الوطن العربي وتوطين العلم، ص7-8)

ب- ظروف ظهور العلم العربي

إضافة إلى تلك العوامل الثلاثة يرى راشد أن ظهور المدارس الفقهية المختلفة ووجود مشكلات في تفسير النصوص وتطبيقها على الواقع أدى إلى ظهور العلوم الإنسانية أولا ثم بعد ذلك العلوم الطبيعية والترجمة عن اليونانية. ويرى راشد أن ذلك كله كان نابعا من قبول فكرة التعددية في الفكر الإسلامي القديم، يعبر عن ذلك في حواره مع مجلة العربي الكويتية كما يلي،

من العهد الأول بدأت مشاكل حقيقية وكانت في التفسير والتدليل، وفي الوقت نفسه بدأ الاهتمام بالعلوم الإنسانية والبحث في العلوم الإنسانية، وتأسست مدارس، ومدارس منافسة سمح لها بالتنافس مع سواها، وظهرت في الكوفة والبصرة وبغداد، ثم في الاماكن الأخرى بالعالم الإسلامي، كما ظهرت علوم أخرى لم تكن معروفة من قبل.

فلو أخذنا -على سبيل المثال - أعمال الخليل بن أحمد في اللغة وتطبيقه للرياضيات على اللغة، واختراعه لمواضيع جديدة في اللغة. أو أخذنا من جانب آخر الفقه، نرى كيف ظهرت المدارس الفقهية أيضا مثل مدارس الحنفية والشافعية وغيرهما التي بدأت تطبيق الرياضيات في حساب المواريث وحساب الفرائض مما أدى إلى فكرة تطوير علوم أخرى وإدخال الرياضيات.

مثال على ذلك الشيباني الذي كتب نسخة من كتاب في حساب الفرائض، ليظهر علم جديد من الحساب يفرض الاختلاف والتناقض، فالشيء الأساسي هو ظهور فكرة التناقض، دون وجود لفكرة التكفير، والسماح بالتعددية منذ البداية، مما ساعد على ظهور الكلام الذي له أيضا أصول اجتماعية، فمنهم من ترجع أصوله إلى فارس والإمبراطورية البيزنطية ـ حيث لديهم عقائد مختلفة.

ظهرت هذه المسائل الفلسفية العميقة مما شجع على حركة الترجمة، وأخذت الدولة المبادرة في الترجمة، ولم تقل إن هذه علوم كفرة، أو إنها علوم غير أصيلة، ولا قيل إن كل العلوم اليونانية هي علوم غير أصيلة، فقد استوعبت بشكل ضخم وخلاق احتياجات جديدة، وأصبحت هناك سوق بمعنى الكلمة، سوق للفكر وسوق للفلسفة وسوق للعلوم.

كان هناك علماء وفقهاء ولغويون يحتاجون إلى ثقافة مغايرة غير الاحتياجات العلمية الأخرى، مثل الفلك. الشيء الأساسي كان التعدد والاحتكام إلى العقل بوجود النص. وبالنظر مثلا إلى نظرية القياس التي كانت تدور حولها مناقشة ضخمة، وهل نقبل بأحكام القياس أو لا نقبل فقد كان هناك تعدد في الآراء لدى المذاهب الأربعة كافة كما كان لعلماء الشيعة آراء أخرى، فالأمور كانت تؤخذ هكذا، فلم توجد تلك التعقيدات التي - مع الأسف - بعضها موجود الآن .هذا التعدد والاختلاف والاحتكام إلى العقل خلق هذه الحال .(حوار مجلة العربي الكويتية، إبريل 2007)

ج- السمات الأساسية للعلم العربي

أما السمات الأساسية للعلم العربي، كما يراها راشد، فتتلخص في عقلانية رياضية جديدة، والتجريب كنمط من أنماط البرهان. وقد ظهرت هذه السمات في ظل أكبر حركة ترجمها عرفها التاريخ وفي ظل سعي للمعرفة العلمية الإبداعية وليس لمجرد تكوين المكتبات،

بنيت هذه الثقافة العلمية الجديدة ابتداء من نقل علوم الأوائل، وخاصة تلك التي ترعرعت في أحضان الحضارة الهلينستينية كما هو معروف. ولكن إذا تأملنا حركة الترجمة العلمية، من فلكية ورياضية على الأخص، فستظهر لنا خاصة أخرى ذات معنى عميق. سنرى أن هذه الترجمة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالبحث العلمي وبالإبداع. فلم يكن القصد من الترجمة إنشاء مكتبة علمية الهدف منها إثراء خزائن الخلفاء والأمراء، بل لتلبية حاجات البحث العلمي. وإذا لم نع هذه الظاهرة حق الوعي، فلن ندرك شيئا من حركة الترجمة هذه، التي كانت أكبر حركة ترجمة علمية عرفها التاريخ. ويكفي أن نذكر هنا بأن المترجمين أنفسهم كانوا من قادة الحركة العلمية، بل إن بعضهم من العلماء الخالدين على مر العصور، فمن بينهم: الحجاج بن مطر وثابت بن قرة وقسطا بن لوقا، هذه واحدة؛ والأخرى أن اختيار الكتب، وكذلك توقيت هذا الاختيار كانا وثيقي الصلة بما يعرض للبحث، ولنأخذ مثلا واحدا: فعندما ترجم ثابت بن قرة عدة كتب من مخروطات أبلونيوس – وهي أصعب وأرقى ما كتب في الهندسة اليونانية – كان ذلك لحاجته إليها في أبحاثة الرياضية الجديدة، وخاصة تلك المتعلقة بحساب المساحات والأحجام. فارتباط الترجمة العلمية بالبحث العلمي المتقدم ليس حقيقة تاريخية فحسب، بل هو يفسر لنا في مجال الفلك والرياضيات سر نشاط الترجمة على أيدي أعلى الباحثين طبقة، كما يبين لنا بعض خصائص الترجمة اللغوية.

ولا مجال للشك أن إحدى النتائج لكل هذه الأنشطة كانت نشأة اللغة العربية العلمية عند التقاء تيارين للبحث، أحدهما في العلوم الإنسانية وخاصة اللغوية منها، والآخر هو تيار البحث العلمي نفسه الذي سلك نهجين متزامنين، أعني الترجمة المرتبطة بالبحث العلمي، وبالإبداع فيه، وابتكار علوم جديدة لم يعرفها القدماء. ولعل أهم خاصتين للمعرفة الجديدة التي أنتجتها الحضارة العربية هما:


رد مع اقتباس