عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-25-2017 - 01:09 PM ]


الإسلام والتحليل الاجتماعي
يحرص تيزيني في تحليله الجدلي بين المثالي (الإسلام) والمادي (العلاقات المادية للمجتمع الإسلامي) على إبراز مشروعية كلا الجانبين وأثرهما في تطور الأحداث، وذلك بطبيعة الحال في إطار تحليله الأولي للكيفية الطبيعية التي نشأت بها هذه العلاقة الجدلية تاريخيا. فالجانب المادي يؤدي إلى نشوء الجانب المثالي، والجانب المثالي يؤدي إلى دفع الجانب المادي. ويحرص تيزيني في إطار هذه الجدلية على تجنب الوقوع في التفسيرات الغيبية أو الميتافيزيقية. فالتغيرات الاجتماعية، رغم هذه الجدلية، يمكن تفسيرها تماما من خلال العوامل المادية الجدلية وحدها. ونورد هنا أهم المواضع التي توضح جوهر تحليلاته الجدلية للعلاقة بين الإسلام كظاهرة اجتماعية ودينية وبين العوامل المجتمعية التي صاحبت ظهوره، فالحركة الإسلامية قد قدمت مخرج من خلال فكرة "الانسلاخ عن العالم المادي" وحققت بذلك الحرية للعوام والرقيق، ولكن في نفس الوقت لا يجوز أن نرجع هذا التحول الكبير إلى عوامل خارقة للعادة، إن الحركة الإسلامية قد عبرت في تلك الحقبة من وجودها عن البؤس المكثف لجماهير العوام الأحرار ونصف الأحرار والرقيق المكيين وغير المكيين على طريقتها الخاصة. إن هذه الطريقة الخاصة في التعبير، التي يحتل فيها الانسلاخ عن العالم المادي (الطبيعي والاجتماعي) مكانا رئيسيا، لا تعني أبدا نفي النتائج العملية المباشرة والإيجابية التي انعكست في حياة المعدمين، بل تعني نفي وجود ارتباط مباشر بينها وبين المعطيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي كانت وراء تكونها وتطورها. فهي – أي تلك الطريقة الخاصة في تمثل الأمور واستيعابها – ترجع التحول الكبير الذي حدث في بني المجتمع العربي الجاهلي إلى عوامل خارقة ومفارقة. فاللحظة التاريخية تفقد هنا كيانها من خلال ذلك التصور اللاتاريخي. وإنه من الخطورة الجدية أن لا يستطيع الباحث تقصي وكشف تلك اللحظة التاريخية، حيث يقع في متاهات المثالية الفلسفية الموضوعية، أو في متاهات التصورات الغيبية. ولكن في حال انفلات الخط الأساسي للمسار التاريخي الحقيقي من يد الباحث في تاريخ الأديان والحضارات أو تعقد هذا الأمر بالنسبة إليه، يمكن ضبط هذا الخط، بشكل مباشر ومتوسط، من خلال النتائج العملية التي اتكأت عليها تلك الأديان والحضارات. والحركة الإسلامية، كأية حركة دينية أخرى، تضمنت - بالطبع ضمن أطر خاصة ونوعية – ذلك التقاطب بين كونها مرتبطة بنتائج عميقة في المجال الاجتماعي العملي وكونها تلحق المجتمع والطبيعة والإنسان بمحرك أو بمحركات مفارقة وخارقة. وهذا التقاطب كان شيئا طبيعيا، كما كان في حينه، أيضا، نشوء الفلسفة المثالية الموضوعية (القائلة بوجود وعي أو عقل لا إنساني يوحد ويحرك العالم المادي) على يد أفلاطون شيئا طبيعيا، نتيجة لتقسيم العمل الإنساني إلى جانب فكري وأخر يدوي في المجتمع الحضاري – الطبقي. فالإنسان في هذا المجتمع يحقق أشياء ومكتسبات هامة جدا على المستوى الاجتماعي-العملي. ولكنه – ضمن الأطر النظرية للمثالية الفلسفية الموضوعية وضمن التصور اللاهوتي الغيبي – يجتزئ هذه الأشياء، التي حققها، من إطارها الاجتماعي الحي، ويلحقها بفعل مفارق خارق. لا شك أنه من الضروري التمسك بـ"تاريخية" البني الاجتماعية والفكرية والدينية، أي التأكيد على أن هذه البني وجدت نتيجة تطور تاريخي سابق وطويل كثيرا أو قليلا، ولكن من الضروري أيضا الإلحاح على أن "التصورات" الدينية تتضمن شرطيا محاولة الانسلاخ من التاريخي العياني المشخص، بحيث تنشأ، عبر ذلك، هوة بين ما يعتقد المرء وبين ما يفعله. فما يمكن أن يكون، في هذا الإطار، إيجابيا، يكمن – بشكل جوهري – في الممارسة العملية التي يحققها المرء الآخذ بتلك التصورات. أما هذه التصورات نفسها، فإنها طريق معبد لانسلاخ الإنسان عن اللحظة التاريخية العيانية التي يعيشها. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 155-156) وتطبيقا لجدلية المثالي والمادي يحلل تيزيني طبيعة الفكر "المثالي" الإسلامي ويوضح جوانبه الإيجابية التي أدت إلى تحقيق هذا التحول الكبير في المجتمع الجاهلي. ويرصد بشكل أساسي سمات التقدمية والدنيوية التي تميز بها الإسلام، ويحلل هذا السمات مقارنة بالمسيحية واليهودية، مع نشوء الإسلام وتبلور آفاقه نجد بدايات حياة فكرية قد أخذت في التكون. و"الجدة" الحقيقية التي جسدها الإسلام نفسه كمنت في تقدميته التاريخية. إن هذه التقدمية التاريخية كانت قد برزت في تعارض واضح مع المسيحية واليهودية. ونحن هنا نرى أن ذلك يكمن في "دنيويته". هذا يظهر بنا بشكل متميز عبر مقارنة مع المسيحية الأرثوذكسية. إذا كانت العلاقة بين الإنسان والإله في إطار فكرة التثليث لدى الأشكال الأساسية السائدة آنذاك في الكنيسة المسيحية، وهي اليعقوبية والملكانية والنسطورية، قائمة على ارتباط وجودي "أنطولوجي" معين ما بين الإله والإنسان، والإنسان والإله، فإنها تكتسب الصيغة التالية: الأب والابن والروح القدس. على أساس هذه العلاقة نرى أن ليس هنالك من هوة لا تعبر بين الإنسان والإله. فالإنسان (أي المسيح) هو على نحو ما جزء من الإله، أو شيء مشابه له حسب الزمان والذات. أما الأمر في الإسلام فإنه يختلف في نقاط معينة. ففيه تكمن هوة لا تتجاوز بين الإله والإنسان. فالإله هنا خلق الإنسان ليس من ذاته (أي من ذات الإله) وليس من مادة ما، وإنما من عدم سلبي مطلق. فالقرآن يؤكد: "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون"(سورة آل عمران الآية:31). ولقد توجب، انطلاقا من واقع الهوة تلك، على الفلاسفة والمتصوفين في إطار الدولة العربية الإسلامية الوسيطة أن يكافحوا من أجل أنسنة العلاقة بين الإله والإنسان بغاية إبراز الإنسان كعنصر فعال ليس فقط في العالم المادي، وإنما أيضا في العالم الآخر، الإلهي. ولهذا السبب بالضبط كانت فلسفة "وحدة الوجود" و"نظرية الفيض" قد احتلتا مكانا بارزا في الحياة الفكرية للدولة تلك. إن الارتفاع إلى الإله من قبل الإنسان قد حل ضمن المسيحية حسب كل من الآراء التي طرحت لدى الفرق المسيحية المختلفة. أما في الصوفية الإسلامية – العربية فقد برزت مسألة الارتفاع ذاك في محور ومركز المشكلة، وكذلك أيضا إلى حد ما في الفلسفة آنذاك. إن هذا الموقف الفكري النظري للمسيحية والإسلام انتصب بشكل معارض للممارسة لدي الإنسان المسيحي والإنسان المسلم. ففي الممارسة المسيحية تبرز سلبية العلاقة بين الإله السلبي والإنسان المعذب، أو سلبية الإله والإنسان في آن واحد. إنها غربة تجاه العالم المادي الواقعي. ولكن من الملاحظ أن التأكيد على "الفرد" في المسيحية وإبرازه إنما هو شكلي. ففي الحقيقة، ليس ذلك الإبراز لدور الفكر أكثر من موقف ذاتي تأملي يسهم في عملية اغتراب هذا الفكر تلقاء واقعه الموضوعي الحقيقي. إنها ذاتية سلبية تكمن مهمتها في "تخليص" الإنسان الفرد من "هذا" العالم التعيس الملعون، أي إخضاعه وتبييئه مع هذا العالم. لقد كان هذا ولا يزال جانبا جوهريا من جانب التصور المسيحي حول علاقة الإنسان بالإله. بيد أننا نلاحظ المسألة مختلفة لدى الإسلام. فالفرد هنا يرى نفسه أمام مهمات كثيرة وعميقة تجاه نفسه هو. و"خلاصه" يتعلق به نفسه إلى حد متميز. إن الخطيئة الأصلية، التي يمكن إزالتها أو التخفيف من تأثيرها ضمن المسيحية من خلال تضحية شخصية، ولكن سلبية، إن هذه الخطيئة تضع أمام الإنسان المسلم وجائب ومهمات دنيوية وملموسة من أجل تجاوزها. وهكذا فليس "العذاب" السلبي هو طريق إلى الخلاص، كما هو الحال في المسيحية، وإنما "الكفاحية" الدنيوية المغلفة بأغلفة دينية هي محتوى الخلاص في الإسلام. إن "الخلاص" يكتسب ضمن الإسلام مضمونا آخر، حيث أنه (أي الإسلام) يؤكد على الإنسان المشخص الاعتيادي. ومن الأمور التي تحتاج إلى التقصي والبحث الدقيقين كون "الإسلام"، الذي نشأ في القرن السابع ضمن ظروف حرجة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، قد جسد مرحلة جديدة هامة من مراحل عملية تجاوز الأطر الماورائية الموغلة في انغلاقها الماورائي. ففيه لم يتكون جهاز كهنوتي مستقل عن البنية الاجتماعية السائدة فالشيخ أو الإمام أو الفقيه لم يكن وظيفة دينية من حيث هو كذلك (في وقت لاحق تكونت هذه الوظيفة)، بل كان يمارس في نفس الوقت مهنة ما، كأن يكون لحاما أو فلاحا أو طباعا، تاجرا..الخ. لا شك أن هذا "التوزع" الاجتماعي الطبقي في بنية "المؤمنين" المسلمين قد لعب دورا خطيرا في التطور الفكري آنذاك، ولاحقا ضمن المجتمع العربي- الإسلامي. إن التوزع الاجتماعي الطبقي ذاك كان الخلفية "الاجتماعية" للتوزع الفكري والديني ضمن المسلمين. والجدير بالاهتمام العميق أن نشوء الفرق والتيارات والاتجاهات الدينية والفكرية انطلاقا من الإسلام كان قد رافقه عملية تأويل عميقة الجذور من قبل المسلمين المتميزين اجتماعيا وطبقيا وفكريا وثقافيا. إلى جانب ذلك العنصر الثوري المحرك، طوال وجود الدولة تلك، يمكن أن نذكر أيضا تنكر الإسلام لفكرة "الوسيط" كجانب محرك آخر منه في اتجاه تعميق آفاقه الدنيوية. بمناسبة موت "الرسول" في 8 حزيران عام 632 وقف الخليفة الأول ابوبكر الصديق يخطب في الناس: "من يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن يعبد الله، فإن الله حي لا يموت". إن محمدا لم يتمتع بتلك المواصفات التي أطلقت على المسيح. إن المسيح هذا، "ماسح العذاب من على الأرض"، يموت من أجل خلاص الآخرين. فالخلاص المسيحي متجسد في فعل التضحية الذي حققه المسيح. ومن الخطأ البين وضع مفهوم "الشفاعة" المحمدية مع مفهوم "الخلاص" المسيحي في إطار واحد. إن "الشفاعة" المحمدية لا تتآخى مع فكرة "الوسيط المخلص"، الذي يحمل على كتفيه أثقال الإنسانية بمجموعها، فلكل "نفس ما كسبت". فالإنسان يقف أمام أو تحت الإله وحيدا، دون وسيط، وبمعنى آخر، دون مؤسسة كنسية. أما الإله فهو، على العكس من ذلك، في كل الوجود، أيضا في داخل الإنسان. وهذا يتضمن في ذاته نتيجة، هي أن الإنسان المسلم ليس بحاجة "للاتحاد" بالإله لكي يحقق مطامحه ومثله العليا. إن مطامحه ومثله هذه يمكنه تحقيقها في عالمه الإنساني الحقيقي. إن الإله الإسلامي يستطيع الوصول إلى أي فرد. والعكس ليس كذلك. أي أن الإنسان غير قادر للوصول إلى الإله أو الاتحاد به. بالطبع هو يستطيع "الوصول" إلى الإله بالمعنى المجازي، بمعنى أنه (أي الإنسان) ينفذ "أوامر" الإله المنصوص عليها في "كتابه". وبذلك فهو قريب منه، محبب إليه. بيد أنه ضروري أن نشير إلى أن تلك العلاقة بين الإله والإنسان المسلم لا يمكن أن تؤدي إطلاقا إلى اقتراب الإنسان منه اقترابا وجوديا "أنطولوجيا". إن تصوري "المفارقة" و"العلوية" يتمتع بهما الإله من حيث "الذات"، في الحال الذي يظل فيه ضمن العالم الإنساني من حيث الفعل والتأثير وانطلاقا من مقتضيات "العناية الإلهية". ولكن بالرغم من هذا فإن العلاقة تلك – منظورا إليها انطلاقا من الإله إلى الإنسان – كانت تشكل ملامح أولية غير صريحة وغير مباشرة لتصور كوني قائم على "وحدة وجود" مثالية. أو ربما يكون أدق إذا رأينا في جانب العلاقة تلك (إله- إنسان) عاملا غير مباشر من عوامل نشوء وتطور نظرية عربية – إسلامية في وحدة الوجود. والتصور الإسلامي الأولي هذا حول وحدة الوجود أحادي الجانب. فهو ينفي، كما رأينا، كل علاقة متبادلة نشيطة بين الإله والإنسان. ذلك لأن هذا الأخير (الإنسان) يعتبر، ضمن هذه الرؤية للمسألة، نتاجا سلبيا للإله. بل إنه يشكل "الهيولي" السلبية، التي تحدث عنها أرسطو. وهو بالتالي لا يملك سوى حاضره المفرد المتعين. وفي الوقت الذي تشغل فيه الهيولى لدى أرسطو مكانا أبرز تاريخيا من الإنسان الإسلامي (ذلك لأنها خالدة في الزمان، بينما يخلق الإنسان ذلك من عدم محض)، فإنه (أي أرسطو) يحد من نطاق فعالية الإله، بحيث يجعل منه في الخط الأول محركا أول. إن هذا الإله الأرسطي خالد، ولا نهائي. لكنه لا يتدخل في جزئيات العالم. وهذا يعني أن أرسطو أسقط صفة وقدرة "العناية الإلهية" عن الإله. على العكس من ذلك، تكون "العناية الإلهية" جزءا جوهريا من مفهوم الإله الإسلامي. والحقيقة، أن تصور الإله المطلق، المحيط بالعالم والمسير له كله نشأ كتعبير عن رفض الإله المسيحي المؤنسن والإله اليهودي المحدود الأفق والفاعلية في العالم. وهي (أي تلك الفكرة) حيث تكونت، فإنها كانت بذلك تعبيرا عن النشاطية العملية غير المباشرة للمكيين، الناحية منحى توحيديا في الحقول الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 204 – 208) ويطرح تيزيني موقفه في الجدل بين المثالي والمادي بشكل أكثر صراحة فيما يخص الموقف من القرآن. حيث يرى أنه يمكن النظر إلى القرآن كوثيقة روحية دينية "مثالية" وكذلك كوثيقة تحمل تراثا حقوقيا وأخلاقيا واجتماعيا "ماديا". ويرى أن استيعاب تأثير الجانب المثالي يجب أن يتم من خلال قوانين الجانب المادي، وحين يرى بعض المؤرخين الإسلاميين كتاب القرآن ليس فقط كوثيقة دينية، بل كذلك كتراث حقوقي وأخلاقي واقتصادي واجتماعي، فإن هذا صحيح إذا أخذنا بعين الاعتبار الجانبين، الروحي والعملي في الإسلام. ولا شك أن الجانب "الروحي" قد أثر آنذاك بشكل إيجابي. أما استيعاب هذا التأثير فيكمن في تفهم الوضع الاجتماعي الحضاري في تلك الحقبة التاريخية. إن فكرة أو تصورا ما من التصورات تكتسب دلالات اجتماعية ونظرية مختلفة باختلاف الحالات التاريخية المتعاقبة. هذا يعني أن المشكلة تتحدد من خلال "المشروعية التاريخية" و"الحقيقة المعرفية". وقد تعرضنا لهذه المسألة في موضع آخر من فصول هذا الكتاب. هاهنا يجدر بنا التأكيد فقط على أن الفكر المثالي والفكر المادي، والعلم والدين، ظاهرات مشروعة تاريخيا، وإن لم تكن جميعها صحيحة من وجهة نظر علمية معرفية دقيقة. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 211) في إطار هذا التصور للعلاقة بين المثالي والمادي أو بين الدين الإسلام والعلاقات المجتمعية يطرح تصوره لمفهوم العلمانية كما يلي، دعاة العلمانية العرب نظروا إلى المسألة من موقع التمييز بين جانبين في الدين المهيمن وفي كل دين له تأثير ما في المجتمع الذي نشأ فيه. ذينك الجانبان هما العقيدة والحضارة؛ أو الوظيفة العقيدية والوظيفة الحضارية. فإذا صح أن الوظيفة الحضارية للدين يمكن أن تكون أمرا مشتركا بين مجموعة من الناس المنتمين إلى أديان مختلفة، فإن الوظيفة العقيدية تتصل بالموقف أو بالعلاقة بين المؤمن والإله الذي يؤمن به. وبذلك، يمكن أن تبرز الوظيفة الحضارية للدين المهيمن في المجتمع العربي دون أن تكون مقترنة بهذا الدين كموقف عقيدي. وهذا ما عبر عنه بالضبط بالشعار، الذي أتينا عليه آنفا، وهو (الدين لله والوطن للجميع). فالدين، هنا، يتحول إلى وجه مدني من الوطن المدني والدولة الوطنية. وكذلك فإن التعامل معه، هنا، يغدو خاضعا لقوانين التطور والتقدم في الحياة البشرية. إذ أن الأمر يتصل في هذه الحال، بمجموعة من التشريعات القانونية والاقتصادية والسياسية الخ...، التي من شأنها أن تخضع لتلك القوانين. أما الموقف العقيدي، أو "الموقف من الله" على حد تعبير الشعار، فقد اعتبر شخصيا بقدر ما اعتبر محترما ومصونا. (على طريق الوضوح المنهجي - العلمانية في الفكر العربي، ص 52-53).


رد مع اقتباس