عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 9 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-25-2017 - 01:14 PM ]


وإذا كان الأمر كذلك، فما أحرانا أن نستعيد القاعدة الفقهية الجدلية التاريخية الدقيقة في ضبطها لما نحن بصدده؛ تلك هي: تتغير الأحكام بتغير الأزمان... ولما كان الأمر متصلا بالإسلام وبنصيه الكريمين (القرآن والسنة)، فإن الخروج بهما من المأزق التاريخي الراهن لعله يقتضي الأخذ بالعناصر الناظمة التالية مدخلا أوليا للتصدي لهذه الأمور المركبة والمعقدة: الحرية في البحث العلمي وفيما يتطلبه من حوار علمي مفتوح وملتزم؛ والعقلانية، وما تشترطه من رؤية متبصرة نقدية؛ والتاريخية، في ضبطها للحدث ضمن كيفية تجليه بشريا على نحو مفتوح أفقيا وعمقيا؛ والجدلية، في اشتراطها النظر إلى الأشياء والظواهر والأحداث في الكون الطبيعي والوجود الاجتماعي البشري ضمن سياقاتها وعلائقها ونموها واضمحلالها، ومن موقع فواعلها الرئيسة الحاسمة والثانوية، على نحو يكشف عملية التحول والتغير فيها. (الإسلام والعصر تحديات وآفاق ص 101- 109) ثم يطرح المصدر الأساسي لهذه التعددية وهو وجود بنية معينة للنص القرآني، كما يلي، ليس في ذلك كله غضاضة، فهو متحدر من واقع الحال المشخص القائم على تعددية واسعة في مختلف الحقول. فالنص الديني، الذي يجري الحديث باسمه وتتصارع الأطراف وتشهر السيوف تحت دريئته، هو نص (حمال أوجه...يتكلم بلغة الرجال)، كما يؤثر عن الإمام على ابن أبي طالب. إن هذه الأوجه، التي تحدث الرسول الكريم عن نظائره لها في القرآن الكريم...هي من خصائص بنيته الداخلية، مما يسمح بالتحدث عن مصدر آخر حاسم لـ(التعددية القرائية القرآنية) هو هذه البنية ذاتها.
أما أهم خصائص البنية المذكورة فلعلها تقع في التالية: أولا_ إجمالية هذه البنية وعموميتها. ثانيا-كونها ذات طابع إشكالي عبر إشكالية المحكم والمتشابه. ثالثا – هي بنية تأويلية احتمالية متنا من جهة، ومفهوما (أي هي نفسها تحفز على مطالبة أن تقرأ هكذا) من جهة أخرى. رابعا- هي بنية تثير في قارئها هاجس التوغل في (باطنها) الكامن وراء (ظاهرها)، أو في (خافيته). خامسا – إنها بنية (نزلت نجما نجما)، أي أتت ضمن سياق تاريخي وبلغت كذلك. سادسا- إنها بنية أتت بحسب (أسباب نزولها)، أي بمقتضى الحاجة إلى إيضاح طريق (الهدي والرحمة والموعظة والبشرى والاطمئنان) أمام البشر. إن ذلك كله، مفردا ومجتمعا، يفضي إلى الإقرار بإمكانية بروز تعددية قرائية للنص الديني، من موقعه ذاته. ويبقى القول ضروريا بأن مصدري هذه التعددية الاثنين المأتي عليهما توا (الواقع المجتمعي المشخص والنص الديني) يفصحان عن نفسيهما – عمليا – عبر من يتلقى هذا النص قراءة أو إنصاتا أو استذكارا. إن فعل القراءة والإنصات والاستذكار هذا هو نفسه يمر عبر قناتين اثنتين تلخصان شخصية المتلقي إياه، على هذا الصعيد. القناة الأولى تتحدد بـ(المعرفي)، الذي يتحدد بدوره وينضبط بالمستوى المعرفي الذي حصله المتلقي. أما القناة الثانية فتعبر عن نفسها بـ(الأيديولوجي)، الذي قد نكثف القول فيه بأنه كل ما يتصل بالمصالح المادية والاتجاهات السياسية والرغبات المتحدرة من هذه وتلك، كما من الصراعات الاجتماعية والفئوية والطبقية والوطنية والقومية وغيرها. وبصيغة أخرى نقول: إن هاتين القناتين هما اللتان تمليان – استضمارا أو علنا أو كليهما – كيفية ظهور التعددية في واقع المتلقي المجتمعي المشخص أولا، وكيفية تناول التعددية في النص الديني (ونصوص أخرى) من هذا المتلقي ثانيا. (الإسلام والعصر تحديات وآفاق ص 114- 116)
وعلى هذا الأساس يرى تيزيني ضرورة أن يكون لكل قراءة قرآنية خلفية أيديولوجية تمتلك مشروعيتها الخاصة، وكما هو بين من ذلك، فإن كل (القراءات) تمتلك – بصيغة أو بأخرى – (مشروعية اجتماعية). ذلك لأنها لم تنشأ في (فراغ اجتماعي)، وإنما أنتجها وأعاد إنتاجها أو أنتج غيرها بشر ذوو مواصفات محددة تنتمي لعصر أو مجتمع معين. وهذا ما يطمح إلى تقصيه وضبطه، عادة، مؤرخون وباحثون في تاريخ الإسلام، بمختلف أوجهه وحقوله. ويظهر ذلك، على صعيد نظرية (السند والإسناد)، تحت عناوين متعددة، منها (تاريخ الرجال) و(الجرح والتعديل)..الخ؛ كما يظهر في إطار علم التاريخ العام بصيغة "النقد الخارجي والداخلي" للحدث التاريخي أو للوثيقة التاريخية، دينية كانت أم سياسية أم اقتصادية...الخ.
ولعلنا إذ بلغنا هذا المنعطف الدقيق من البحث، أن نكتشف سمة بارزة من سمات القراءات الدينية (أو الأخلاقية أو الجمالية أو الأدبية وغيرها)، وهي أنها قراءات نظرية اجتماعية (سوسيولوجية)، وكذلك – بحكم التركيب السياسي للعصر المنتجة فيه تلك – سياسية. إن جدلية السلطة السياسية المهيمنة وغير المهيمنة والثقافة لا تسمح بأن تنفلت من وشمها أية قراءة من تلك المذكورة. وهذا يصدق أكثر وأعمق على تلك القراءة، التي تتحول إلى (خطاب) تتدخل فيه وتخترقه فواعل وآليات متحدرة – بدرجة ما من المباشرة والإفصاح – من حرارة وحيوية الصراع أو الجدال السياسي والديني والفلسفي بين الأطراف المتعددة، كما من حضور (التقية) في ذلك الخطاب أو من غيابها، حسب واقع الحال المشخص.
ومن أجل ذلك، لا يصح القول بقراءة (بريئة) أو بخطاب (بريء) على صعيد الفكر الإسلامي. فهذا القول يمثل خطلا معرفيا، كما قد يتحدر من موقع إيديولوجي وهمي إيهامي. وفي كلتا الحالتين، يتبين الباحث أحد معالم إحدى سمات (القراء السلفوية المثالية الطوباوية)، وهي الاعتقاد بإمكانية العودة إلى الماضي الإسلامي الباكر، أو إعادته – في بكارته النبوية – إلى الحاضر عقيدة وتشريعا وفقها، وربما كذلك مؤسسات، وبالصيغ ذاتها التي هيمنت هناك في حينه. فإذا كنا نجل أسلافنا العظام، فإننا نتحفظ حيال السلفويين في اعتقادهم بتخطي القرون، دون المرور بمقتضيات وضوابط العصر المعاش إيديولوجيا ومعرفيا.
وبذلك، تظهر استحالة انفلات الفكر الديني (الإسلامي وغيره) من الواقع استحالة منطقية وواقعية. وإذا كانت هذه الاستحالة تنطبق – دون خلاف – على السنة النبوية وعلى القرآن الكريم حيث يتموضع اجتماعيا وبشريا أي حيث يغدو (كتاب تأويل)، فإنها تظهر – كذلك – في إطار القرآن نفسه وفي سياقين اثنين أومأنا إليهما توا، الأول منهما يفصح عن نفسه، بعد "أن أنزل (القرآن) إلى السماء الدنيا جملة واحدة، حيث "أنزل (بعد ذلك) على النبي آية آية، وكان بين أول ما نزل منه وآخره عشرون سنة". لنتمعن في هذا النص الفائق الأهمية. ففيه نتبين مستويين اثنين لـ(حركية) القرآن: المستوى الأول ذو (طبيعة إلهية – ميتافيزيقية)، تتحدد بـ(الإنزال إلى السماء الدنيا جملة واحدة)، والثاني ذو (طبيعة تاريخية)، تتجلى في تصير القرآن حدثا تاريخيا، متورخا. وبذلك جاء التقاطع بين الميتافيزيقا والتاريخ إيذانا بتاريخ الفكر الإسلامي، ليس بعد تلقف الرسول للقرآن، بل في سياق ذلك نفسه. (الإسلام والعصر تحديات وآفاق ص 128-134)
أما القضية الثالثة التي يعالجها الدكتور تيزيني فهي الشروط اللازم تحققها لتحقيق النهضة. ولأن أحد هذه الشروط، من وجهة نظره، ظهور إنتاج فلسفي عربي جديد، يطرح الدكتور تيزيني في "أفاق فلسفية عربية معاصرة" بالاشتراك مع الدكتور أبو يعرب المرزوقي تصوراته بخصوص احتمالات مثل هذا الإنتاج الفلسفي العربي. أولا، من الضروري البعد عن اتجاهين فكريين كلاهما يلغي احتمال ظهور فكر فلسفي عربي جديد. الأول هو الاتجاه الكوسمولوجي الذي يلغي الخصوصية العربية، والثاني هو النزعة الذاتية التي تعزل الفكر العربي عن محيطه الإنساني. ويعبر عن ذلك كما يلي، إن ذلك يقود بدوره إلى كشف النقاب عن نزعتين لهما حضورهما في التفكير المنهجي الفلسفي، وينبغي الحذر منهما في سياق التفكير في إنتاج فلسفي عربي راهن. النزعة الأولى تتمثل في النظر إلى الفلسفة بمثابتها نشاطا نظريا ذا بعد كوسمولوجي (كوني) فحسب، في حين تقلص النزعة الثانية إلى حدودها الجغرافية القومية. وكما هو واضح – ضمنا على الأقل – فإن كلتا النزعتين قاصرة معرفيا حيال ضبط التجادل بين الخصوصية والعمومية في الحقل الفلسفي... من هنا نتبين إحدى وظائف الفلسفة، وهي أنها – في بنيتها واتجاهاتها – تدعو لوحدة البشرية في نطاق اختلافها، باعتبارات سوسيولوجية وثقافية وتاريخية. وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى موضوعات الفلسفة ومهماتها على نحوين متقاطعين متعاضدين، واحد تاريخي (عمودي)، وآخر مجتمعي (أفقي).
وعلى هذا النحو، لم يعد في وسع الباحث أن يتجنب الحديث على ما أنتجه تاريخ الفلسفة من قضايا محورية كبرى، تبرز في مقدمتها قضايا الوجود (الأنطولوجيا)، والمعرفية، والقيمية. فهذه الفئات الثلاث ليس هنالك من القضايا والمشكلات الفلسفية المعاصرة ما يجبها، أو ما يجعلها زائفة غير ذات مدلولات فلسفية محورية... وفي الحديث عن تأسيس راهن لفلسفة عربية متقدمة، لن يكون بوسعنا أن نسوغ – بنحو أو آخر – أية عملية لإقصاء تلك القضايا المحورية. ولكن سيبقى هاما وحاسما أن نكتشف صيغا مناسبة دقيقة لتخصيصها وتوطينها عربيا. وهذا، بدوره، يقتضي القيام بمهماته في ضوء قراءة فلسفية تاريخية للتراث الفلسفي العربي، ولمن أنتجه من مفكرين وفلاسفة، تحدروا من مرجعيات إسلامية ومسيحية وغيرها من طرف، وللفكر الفلسفي العالمي المعاصر من طرف آخر. (آفاق فلسفية عربية معاصرة ص 193-196)
ولكي يتحقق النجاح في تحقيق شرطي الخصوصية والعمومية في نفس الوقت يجب العمل على تأسيس وتحقيق مجموعة من المفاهيم الأساسية يوجزها تيزيني كما يلي، والآن، إذا حاولنا وضع اليد على ما هو أكثر خصوصية وأقل عمومية، على صعيد الموضوعات والمحاور والوظائف التي تناط أو ستناط بالإنتاج الفلسفي المعاصر المحتمل، فإنه لا سبيل إلى تجاوز ما اعتبرناه إطارا سوسيوحضاريا وثقافيا سياسيا راهنا لعملية الإنتاج المذكورة، وهو مشروع نهوض وتنوير عربي جديد. في سبيل إنجاز ذلك، ينبغي الإشارة إلى مجموعة من المصطلحات والمسائل والمفاهيم الفلسفية، التي فقدت أو هي في طور فقدانها مصداقيتها المعرفية والتاريخية بالنسبة إلى خصوصية الفكر العربي... يمكن الانطلاق، على هذا الصعيد من مجموعة من تلك القضايا والمسائل والمعضلات، التي لا سبيل إلى تحاشيها في سبيل التأسيس لفلسفة عربية معاصرة متقدمة، نظرا لكونها حاسمة في ضبط نشوء فكر فلسفي وتحفيزه، والإفصاح عن نفسه بانبساط وتميز واستمرارية ذات بعد تاريخي تراكمي. ولعلها تبرز مجسدة بهذه التالية منها: 1) مسألة الحرية: ونعني بها حرية الإنتاج الفلسفي المبدع، وكل إنتاج ثقافي وأدبي وفني وجمالي وغيره، بعيدا عن الإكراهات المتحدرة من الأطر السياسية والمجتمعية. 2) مسألة الذاتية: إن إقرارا بهذا المبدأ يتضمن احتراما مفتوحا وغير مشروط لمن ينتج الفلسفة، الفيلسوف، بحيث لا يغدوا واردا، بأي اعتبار، انتهاك حريته، التي تتماهى هنا بذاتيته. 3) مسألة الديمقراطية: هاهنا تبرز هذه الأخيرة بمثابتها مدخلا إلى الفلسفة وناتجا متجددا عنها، وداعيا لإعادة إنتاجها. 4) مسألة الحقيقة: مسوغ ذلك فيقوم على الاعتقاد بأن كل مجموعة سياسية أو رؤية فلسفية أو كل تيار فكري أو مذهب أيديولوجي، ناهيك عن أن كل تيار ديني يرى أن (الحقيقية) بحوزته. 5) مسألة الفلسفة والأيديولوجيا: تكونت حالة طريفة ومعقدة من النقد الإيديولوجي، تسعى إلى تهديم الإيديولوجيا حيث تعتبرها مسألة فكرية زائفة تحولت إلى (شرك) يحاصر المعرفة الفلسفية المؤسسة إبستيمولوجيا، وينتهك خصوصيتها النقية. ووصل الأمر لدي بعض الكتاب العرب إلى إدانة الفكر العربي. إن الفكر العربي المعاصر يجد نفسه مدعوا إلى ضبط العلاقة الناظمة بين الأيديولوجيا والفلسفة، وليس إلى التفريط بالأولى لصالح الثانية. 6) مسألة العلاقة بين الدين والفلسفة: أولا، نرى العلاقة بينهما قائمة على التمايز النسقي، بالاعتبار الإبيستيمولوجي. فعلى هذا الصعيد يتضح ببساطة أن الفلسفة هي فلسفة، وأن الدين هو دين. وجدير بالاهتمام والتبصر أن التمايز النسقي الإبيستيمولوجي بين الدين والفلسفة ليس من الضروري والقطعي أن يفضي إلى صراع بينهما، إذا ما احترم كل منهما الآخر وعرف حدوده. وثانيا، التمايز القائم بينهما، على صعيد المنهج. فهنا يظهر التمايز في منهج النظر إلى الوجود والمعرفة والقيم. 7) مسألة النهضة والتنوير العربي: وهي الحامل النظري والسوسيوسياسي للمشروع الفلسفي العربي المعاصر؛ في حين يجد مشروع النهضة والتنوير هذا في الأمة العربية حاملها الاجتماعي التاريخي. هاهنا تجدر الإشارة الضرورية إلى أن القوى الحية والفاعلة في هذه الأمة أو ما قد يتمثل فيما نطلق عليه (الكتلة النهضوية)، هي التي ينعقد عليها الرهان التاريخي؛ دون أن نعني بهذه (القوى الحية) صيغة مكررة من نخب سياسية ثقافية، أولا، ودون الوقوع، كذلك، في أوهام الشعبوية ثانيا. (آفاق فلسفية عربية معاصرة ص 197 -204) ويتبلور موقف الدكتور تيزيني في مواجهة قضية النهضة العربية في كتيب بعنوان "بيان في النهضة والتنوير العربي". في هذا العمل يطرح ما يمكن أن نسميه بشروط النهضة العربية انطلاقا من تجربته الفكرية الذاتية. وهو يقسم هذه الشروط إلى عدة مستويات، أولا، الأسس الفكرية التي يجب أن يقام عليها فكر النهضة. ثانيا، العوائق المجتمعية والحضارية التي تحول دون تحققه. ثالثا، الأسس النظرية والمفاهيمية للنهضة. رابعا، الشروط المجتمعية اللازمة لتحقق النهضة. يبدأ تيزيني طرح جماع تصوراته لشروط النهضة بطرح تقليدي هو التساؤل عما إذا كان سؤال النهضة العربية مشروعا أم لا. والهدف من ذلك، بطبيعة الحال، مواجهة الفكر الذي يعمل على إحباط فكرة النهضة، وفي نفس الوقت طرح الأسس العامة التي يقوم عليها مفهوم النهضة باعتبارها من مسوغات المشروع نفسه، وذلك كما يلي، قد يبدو أنه من البلاهة الثقافية المعرفية والإيديولوجية...أن يطرح العرب في مرحلة تفككهم...مشروع نهوض وتنوير يجعلون هم منه مدخلا ومتنا إلى تحررهم مما هم فيه، ويضعهم أمام آفاق ومداخل تاريخية جديدة...بيد أن المفارقات من ذلك النمط غالبا ما تخفي وراءها وفي ثناياها أوضاعا واحتمالات قد تستبطن "مفاجآت"...هاهنا يطل برأسه نمط من "العقل" اللاهوتي والتاريخي المراوغ الماكر، على نحو ما جاء لاهوتيا بلسان القرآن، وعقليا جدليا بقلم هيجل، معلنا..أن التاريخ ماكر مراوغ في كيفية تجليه وأنه في هذا يبقى سياقا مفتوحا لا سبيل إلى أن يفضي إلى دائرة نهائية مغلقة، يجري الحديث عليها بما يصطلح عليه، الآن، تحت عنوان "ما بعد التاريخ"...وفي ضوء مقاربة نظرية معرفية يصح القول بأن الحدث الاجتماعي أكثر غنى وثراء من أي تنظير له...ومن ثم، ليس في الغالب إلا من قبيل إيديولوجيا تسويغية زائفة أن يقرر البعض أن الواقع العربي الراهن انتهى إلى التحول إلى دائرة أحكم إغلاقها بفعل التغيرات الهائلة...وفي كل الأحوال، سنتتبع ذلك في ضوء النظر إليه من موقع التساؤل عما إذا كان الأمر يحتمل، أو لا يزال يحتمل نشوء مشروع عربي جديد في النهضة والتنوير. (ص 9-11)
هنالك من المحاذير ما قد يجعل الحديث عن "المسوغات" لمشروع النهضة أمرا زائفا أو نافلا، مما يؤدي إلى إحباط العمل على المشروع إياه. منها ما يراه البعض من أن مثل هذا المشروع يقوم على شخصية "الإنسان العربي" التي تطرح في هذه الحال كبنية فريدة فذة لا تخضع للتاريخ بل تقف ببساطه فوقه. في هذه الحال نكون أمام نزوع إيديولوجي يقوم على النظر إلى الإنسان المذكور بمثابته تلك البنية المغلقة والقطعية، مما يضعنا أمام قصور منهجي معرفي يتمثل في تعميم مرحلة من مراحل التاريخ العربي تعميما فاحشا. أما الوجه الآخر لهذه المحاذير فيقوم على النظر إلى "الإنسان العربي" على أنه "دون التاريخ" بالاعتبارات الفكرية والإبداعية والحضارية. وهذا الوجه يفضي إلى أن العرب بما فيه عقلهم "العقل العربي" هم دون مفهوم التقدم التاريخي وآلياته واستحقاقاته، وكلا الوجهين يخرج العرب من التاريخ.
إن الإجابة الأولية على سؤال مسوغات البحث في مشروع عربي للنهوض والتنوير يجب أن تنطلق من مقولتي التاريخ والتأريخ. عبر الأولى نضع يدنا على "تاريخية" ما نصطلح عليه بـ"الحطام العربي المفتوح"، أي على أن هذا الأخير ليس حالة مطلقة قاطعة، وإنما هو حالة تاريخية، ينبغي التشديد على أن تجاوزها أمر محتمل، وليس أمرا يجد مرجعيته خارج السياق التاريخي. أما عبر المقولة الثانية، فيمكن الوصول إلى أن الوعي الذي يمكنه أن يحيط بذلك "الحطام" ويجعل منه موضوعا للمعرفة ومسألة معرفية هو "الوعي التاريخي النقدي". (ص 13-16)
هكذا وعلى نحو ما قدمنا، يتضح أن قضية "مشروع" جديد في النهضة والتنوير العربي ناهيك عن أنها تعيش حالة من الارتباك والنكوص منذ ظهورها في أواخر القرن الثامن عشر حتى مرحلة تفكك الاتحاد السوفيتي فإنها مع اتضاح الوليد العولمي الجديد – في بداية العقد الأخير من القرن العشرين – دخلت مرحلة عظمى من القلق والنوسان ومحاولات التغييب والتهميش والتشكيك الجذري، ومعها محاولات إخراج العرب من تاريخهم الخاص وإدخالهم في التاريخ العمومي كلقطاء. إن من شأن ذلك وغيره أن يحفز على التفكير بـ"مشروع" جديد للنهوض والتنوير في الواقع العربي.


رد مع اقتباس