عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-11-2015 - 11:43 AM ]


من موقع ستا تيمز :
الشعريات والمناهج اللسانية في تحليل الخطاب
عبير الفردوس
20:52 - 2010/07/31 معلومات عن العضو
الشعريات والمناهج اللسانية في تحليل الخطاب ـــ د.رابح بوحوش- الجزائر

تمهيد:‏

تنطلق هذه الدراسة من تجارب سابقة اصطنعت مناهج نقدية متنوعة كالمنهج اللساني، والمنهج الشعري، والمنهج السيميائي تعاملت مع ((الخطاب discours)) على أنه فعل النطق، أو فاعلية تقول، وتصوغ في نظام ما يريد المتحدث قوله من حيث هو كتلة نطقية لها طابع الفوضى، وحرارة النفس، والرغبة في الحديث عن اللغة باللغة، لا هو جملة، ولا هو نظام، أو قاعدة؛ إنه الخطاب الذي يمارسهمخاطب يعيش في مكان، وزمان تاريخي تسود فيه العلاقات الاجتماعية بين المتحاورين، والمتكلمين.‏

ولما كان هذا الخطاب يتميز بهذه المميزات المتفردة بالإضافة إلى كونه جسماً ثائراً يلد خارج النظام، ويعمل على تجاوزه، وخرقه، وتكسير جموده انفلت من المسكة المنهجية على اعتبار المنهج هو مجموعة الأدوات، والإجراءات التي يستعين بها الناقد، أو المحلل كي يفك لغزه، ويدخل إلى عالمه المجهول؛ لترويضه، وتطويعه، وارتياده، لكن من دون جدوى فلا المنهج اللساني أدرك الغاية، ولا المنهج الأسلوبي، ولا المنهج اليسميائي، ولا المنهج الشعري ((poetique)).‏

وعلة ذلك ـ بتقديرنا ـ هو أن الخطاب جسم عجيب زئبقي يشبه السمكة في البحر عبثاً تحول إمساكه باليد، فهو ينفلت من كل شيء: من المنهج، وسوط الناقد، بل إنه ينفلت حتى من ذاته، ومن السلطة، والأنظمة الجائرة.‏

وقد أقامت الشعريات بالنظر إلى خطورة الخطاب، وصعوبة الظفر به حلفاً مع علم الأدب؛ لكبح جماحه، فجاءت محاولة تودوروف مباركة المصاهرة، وداعية إلى إمكانية بحث ولادة الخطاب من خلال القوانين العامة النابعة من داخل الأدب ذاته، كما تحالفت الشعريات مع التداولية ((pragatipue))؛ لتقاطعهما في الرؤية، وانطلاقهما من بنيات التواصل التركيبي، الدلالي، والشعري من حيث هي أركان أساسية يرتكز عليها الخطاب في تواصله مع الآخر؛ لأن الخطاب بنظرهما هو موضوع يفترض وجود فاعل منتج، وعلاقة حوارية مع مخاطب.‏

وتأتي سلسلة التحالفات، والتعاون بين الشعريات، واللسانيات، والأسلوبيات، والسيميائيات، وعلم التواصل، والتداولية؛ لتكشف عن العلاقة المتميزة بينها، وبين هذه العلوم؛ إذ تهدف كلها إلى محاولة الإطاحة بالخطاب، وتفكيك نظامه السيميائي المشفر، ومن ثمة كشف أسراره، وإدراك أغواره التي هي جوهر خلوده، واستمراره.‏

والسؤال كيف تعاملت الشعريات، وما استعانت به من علوم، ومناهج مع الخطاب؟‏

النص في المعالجات الشعرية يصير "خطاباً"؛ لارتباطه بفكرة التداولية أو الخطابية التي تميّز بها، فسمّي باسمها، وهي مسألة حظيت باهتمام علم التواصل واللسانيات التداولية، وكان لها حظّ في هذه الدراسة التي ترتكز على إبراز وجه جديد للنص، وذلك بالانطلاق من ثنائية "اللغة والكلام" التي أحكم استغلالها اللساني "فرديناند دي سوسير"، واعتمدها اللسانيون من بعد، فدقّقوا في المصطلحين ونوهما بسمات اتجاهاتهم.‏

المبحث الأول:‏

الشعريات ونظرياتها والحديثة.‏

الشعريات جزء لا يتجزّأ من اللسانيات، وهي العلم الشامل الذي يبحث في البنيات اللسانية(1).‏

بدأ الاهتمام بها مع "جاكبسون" ونظريته اللسانية التواصلية التي اهتدى فيها إلى مفهوم "الرسالة"، وما يمكن أن تولّده من دلالات كالوظيفة الشعرية التي تكون فيها الرسالة غاية في ذاتها؛ لأنَّها العمل الفني المعني بالدراسة(2).‏

والشعريات "poetics" مفهو م حاول اللسانيون والنقاد العرب نقله إلى العربية، فاختلفوا، ولم يتفقوا على تسمية واحدة، من ذلك أن بعضهم سمّه " الإنشائية" أو " الأدبية" والبعض الآخر سمّاهُ " الشعرية" وهناك من أطلق عليه مصطلح " الشاعرية" فمزقت هذه الاختلافات جوانب العلم، وأضاعت الغاية المرجوة، فاختلف القراء في فهم كنهه، وأعرض عنه المبتدئون.‏

ما نحن فننظر إلى " poetics" على أنّه مفهوم لساني حديث يتكوّن من ثلاث وحدات:”poeim”، وهي وحدة معجمية: “lexeme” تعني في اللاتينية "الشعر" أو القصيدة، واللاحقة “ic”، وهي وحدة مرفولوجية “morpheme” تدّل على النسبة، وتشير إلى الجانب العلمي لهذا الحقل المعرفي واللاحقة “s” الدالة على الجمع.‏

هذا المستوى من مستويات التفكيك، وجمعها يعطي: علوم الشعر “sciences du poèsie”، ولمّا كان الذوق العربي قد تعامل مع ما يشبه هذا الضرب من المصطلحات، واطمأنّ إلى أسلوب نقل أصحابها، واستأنس إليه، فإننا نقترح ـ انطلاقاً من هذه المبررات ـ تسمية “poetics” بالشعريات، خدمة للقارئ العربي، والثقافة اللسانية والنقدية.‏

يبدو أنّ مردّ اختلاف اللغويين العرب في النقل والتعريب هي المنطلقات الفلسفية، والمدارس التي ينتمي إليها كلّ دارس أو باحث. وهذا يعود إلى طبيعة "الشعريات نفسها التي تغيرت أوجهها، واختلفت قديماً وحديثاً وهذه أبرز صورها:‏

أ ـ شعريات أرسطو:‏

لقد عدّ "تودورف" كتاب أرسطو "فن الشعر" كتاباً في نظرية الأدب، وهو برأيه استثناء جميل وصفه بالإنسان الذي خرج من بطن أمّه بشوارب يتخلّلها المشيب، وهي إشارة لطيفة إلى "شعريات" أرسطو التي تميّزت بمواصفات العلم بمقياس الشعريات الحديثة.‏

ب ـ شعريات العرب:‏

حاول الدكتور محمد لطفي اليوسفي البحث في الشعريات العربية من خلال كتابه القيّم: "الشعر والشعرية"(4)، فذهب إلى أنّ الفلاسفة والمنظرين العرب قد نظروا في النص من منظار بياني، فنظروا لفعل الشعر وانشغلوا به، فجاءت مباحثهم تنظيراً للشعريات بعدّها صفة للشعر لا ماهية، ومعنى ذلك أنّهم نظروا في النص القديم من حيث وظيفته التي تفي بحاجات وجودهم.‏

وتبرز قيمة هذا العمل في كونه محاولة لقراءة منجزات الفلاسفة والمنظّرين العرب في الشعر والشعريات، وهو عمل غايته الإسهام في تأصيل الكتابة النقدية.‏

جـ ـ شعريات "بول فاليري":‏

الشعر ـ عند فاليري ـ طقس، دين ليس له من هدف معيّن أو محدّد، فهو القانون الخاص لذاته، وهو غايته الخاصة. وهذه إشارة واضحة إلى الخصائص النوعية للأدب باعتبارها شكلاً مطلقاً منها. وقد بحث "فاليري" عن علم مناسب لهذه الموضوعات، فاهتدى إلى "الشعريات"، وهي عنده تحمل دلالتين:‏

1 ـ الشعريات عنده مفهوم بسيط مشتق من فعل “poèim”، وهي اسم ينطبق على معناه الاشتقاقي، أي هي فضاء لكلّ ما لـه صلة بإبداع كتب، أو تأليفها، حيث تكون اللغة في الوقت نفسه هي الجوهر والرسالة، ومن ثّمة فالشعريات لا تعني مجموعة من القواعد والمبادئ الجمالية ذات الصلة بالشعر، وإنَّما هي دراسة للخصائص النصيّة.‏

2 ـ الشعريات عنده مرتبطة بالاستعمال العام، فهي ليست عالقة بمجموعة قواعد، ولا بفن الشعر.‏

د ـ شعريات "جاكبسون":‏

الشعر عنده لغة في سياق وظيفتها الجمالية، وموضوع علم الأدب ليس هو الأدب، ولكن الأدبية، وهذا يعني أنّ موضوع الشعريات هو الأدبية، أي آليات الصياغة والتركيب؛ لأنَّ الشعر هو تشكيل للكلمة ذات القيمة المستقلة في سياقاتها التعبيرية.‏

كان لهذا الطرح تأثير كبير في كلّ من ألمانيا، وإنكلترا، وأمريكا، وفرنسا، حيث تبلور مفهوم الشعريات وتطوّر، ولعلّ من أبرز إفرازاته ظهور التيار البنوي الفرنسي الذي كانت اهتماماته مركّزة على كيفية قراءة النصوص باعتبارها بداية جديدة للمرموز الذي صاغ ذلك الأثر.‏

وهكذا فملامسة النص لا تكون من طريق الرؤية، وإنَّما من طريق الكتابة والقراءة؛ لأنَّ القراءة ـ عادة ـ ما تتوخَّى تشهيا للنص، وعشقا للأثر الأدبي.‏

هـ ـ شعريات "تودوروف":‏

يتبنَّى "تودوروف" تعريف "فاليري": فيذهب إلى أنّ الشعريات ترتبط بكل الأدب (منظومه ومنثوره). غير أنَّ شعريات "تودوروف" لا تتأسس على النصوص الأدبية باعتبارها عينات فردية، إذ لا يهمّها الأثر الأدبي في ذاته بقدر ما يهمّها الخطاب الأدبي، ليس بعد حضوره زمنيا ولا فضائيا، أي هي اتّجاه يتأسّس موضوعه على قاعدة المفهوم الإجرائي.‏

وهكذا فشعريات "تودوروف" بنوية تهتم بالبنيات المجرّدة للأدب، وتتّخذ من العلوم الأخرى عوناً لها ما دامت تقاطعها معها في مجال واحد هو الكلام.‏

ويبدو أنّ البلاغة من أكثر المعارف اتّصالاً بالشعريات؛ لأنّ كليهما يشتغل على الخطاب وخصائص الخطاب الأدبي، ومن هنا فهي تهتمّ بالأثر الأدبي تجلياً لبنية مجرّدة عامة. الأثر الأدبي فيها هو إمكانية من الإمكانات التي تسمح بوصف الخصائص العامة.‏

و ـ شعريات "كمال أبو ديب":‏

يرى الدكتور كمال أبو ديب أنّ كلّ تحديد للشعريات يطمح إلى امتلاك درجة عالية من الدقّة والشمولية، ينبغي أن يتمّ ضمن معطيات العلائقية، أو مفهوم أنظمة العلاقات؛ لأنَّ الظواهر المعزولة كما أكّدتها الدراسات اللسانية لا تعني، وإنَّما تعني نظم العلاقات التي تندرج تحتها هذه الظواهر، ومن هنا فلا جدوى من تحديد "الشعريات" على أساس الظاهرة المفردة كالوزن والقافية، والإيقاع الداخلي، أو الصورة، أو الرؤيا، أو الانفعال، أو الموقف الفكري أو العقدي؛ لأنَّ أيّاً من هذه العناصر في وجودها النظري المجرّد عاجزة عن منح اللغة طبيعة دون أخرى، ولا يؤدى مثل هذا الدور إلاَّ حين يندرج ضمن شبكة العلاقات المتشكّلة في بنية كليّة.‏

انطلاقاً من هذا المبدأ الجوهري لا يمكن أن توصف الشعريات عند كمال أبو ديب إلاّ حين يمكن أن تتكوّن أو تتبلور، أي تتشكّل في بنية كليّة. ومن ثمّة فالشعريات عنده خصيصة علائقية، أي أنّها تجسّد في النص شبكة من العلاقات التي تنمو بين مكوّنات أوّلية بنيتها الأساسية أنّ كلاّ منهما يمكن أن يقع في سياق آخر دون أن يكون شعرياً، لكنّه في السياق الذي تنشأ فيه العلاقات، وفي حركته المتواشجة مع مكونّات أخرى لها السمة الأساسية نفسها يتحولّ إلى فاعلية خلق الشعريات، ومؤشر على وجودها.‏

إنَّ الشعريات التي يحاول "كمال أبو ديب" أن يقيمها هي وظيفة من وظائف الفجوة أو مسافة التوتر، وهو مفهوم لا تقتصر فاعليته على الشعريات، بل على أساس في التجربة الإنسانية بأكملها.‏

وبناء عليه فالشعريات عنده هي إحدى وظائف الفجوة، أو مسافة التوتر، ومعدن هذه الرؤية الطريفة هو الانطلاق من أن المادة الوحيدة التي يطرحها النص الشعري للتحليل هي لغته، هي وجوده الفيزيائي المباشر على الصفحة أو في الفضاء الصوتي، ومن هنا كانت الإمكانية الوحيدة لتحليل الشعرية في النص هي اكتناه طبيعة المادة الصوتية والدلالية، أي نظام العلامات. والظاهر أنّ شعريات كمال أبو ديب ـ وإن كانت تنطلق من النص الشعري ـ تتقاطع مع التعريفات الحديثة التي تحاول إحياء مفهوم البلاغة، تدمج الشعريات ضمنه باعتبارها تحليلاً لتقنيات التحويل مع التمييز الدقيق بين الأنواع والمواضيع، ومعرفة الطرائق الكلامية المميّزة للأدب من حيث تكون الشعريات عند أصحاب هذا التيار الحديث هي المعرفة الشمولية بالمبادئ العامة للشعر بعدّه أنموذجاً للأدب، وهو الاتّجاه الذي ارتداه "جنيت"، فذهب إلى أنّ الشعريات في أحد معانيها بلاغة جديدة.‏

وهكذا فللشعريات دلالات كما وردت في لغتها الأصلية منها: أنّها كلّ نظرية للأدب، أو الاختيار الذي يقع عليه مؤلف أدبي (شاعراً كان أم ناثراً) وذلك باعتماد طريقة معيّنة في الكتابة، أو اصطناع أسلوب معيّن في التعبير. أمَّا موضوعها فهي تهتمّ بالإحالات والشفرات المعيارية التي تتّخذها مدرسة أدبية مذهباً له كجملة القواعد الفنيّة العلمية التي يصبح استخدامها إجباريا(8). وإذا كانت الشعريات تبحث في الخطاب، وخصائص الخطاب الأدبي، فما هو الخطاب(9)؟‏

يتبع :


رد مع اقتباس