( أعمال المجمع ) أعمال المجمع : 1 ـ دراسة الألفاظ والأساليب والمصطلحات الجديدة في العلوم والآداب والفنون التي لم تدرسها المجامع من قبل . 2 ـ دراسة لهجات القبائل في الجزيرة العربية وما حولها تصحيحا وتأصيلا . 3 ـ إصدار مجلة علمية محكمة ورقية وإلكترونية دورية . 4 ـ دراسة ما يقدّمه المتصفحون من أسئلة ومقترحات. 5 ـ التواصل مع الدارسين وطلبة العلم بواسطة الهاتف (الخط الساخن) كل يوم . 6 ـ تقديم الرأي والمشورة في الصياغة اللغوية لجهات معينة (الجهات الرسمية، القضاء، المحاماة، العقود) . *** للتواصل مع المجمع عبر بريده الشبكي / m-a-arabia@hotmail.com /*** |

مجمع اللغة العربية بمكة يعلن عن إطلاق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > الأخبار > أخبار ومناسبات لغوية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
شمس
مشرف

شمس غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي في مثل هذا اليوم: وفاة شيخ العربية "محمود محمد شاكر"

كُتب : [ 08-08-2019 - 02:57 PM ]


في مثل هذا اليوم: وفاة شيخ العربية "محمود محمد شاكر"











في مثل هذا اليوم: 7 أغسطس 1997م:

رحل عن الدنيا شيخ العربية وسلطان المحققين “محمود محمد شاكر”


الميلاد: 1 فبراير 1909، الأسكندرية
الوفاة: 7 أغسطس 1997، القاهرة




– محمود بن محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر من أسرة أبي علياء الحسينية في جرجا بصعيد مصر، وُلد في الأسكندرية في1 فبراير سنة 1909 م، وانتقل إلى القاهرة في نفس العام مع والده الذي عُيّن وكيلا للجامع الأزهر، وكان قبل ذلك شيخا لعلماء الأسكندرية.

– “أبو فهر”.. محمود محمد شاكر، واحدٌ من فرسان اللغة العربية، والمجاهد الذي وهبَ حياته كلها للغة القرآن الكريم
دافع عن العربية في مواجهة التغريب، وقرأ كتب التراث وحقق العديد منها.
أقام منهجه الخاص في الشعر وسماه منهج التذوق، وخاض الكثير من المعارك الأدبية حول أصالة الثقافة العربية، ومصادر الشعر الجاهلي.

– كانت بداية صناعة الثائر (أبو فِهر) وهو طالب بكلية الآداب، عندما استمع لمحاضرات طه حسين عن الشعر الجاهلي، وهى التي صدرت بعد ذلك في كتاب: «في الشعر الجاهلي»، وكم كانت صدمته حين ادّعى طه حسين أن الشعر الجاهلي منتحل وأنه كذب ملفق، وزادت صدمة العلّامة محمود محمد شاكر عندما وجد طه حسين يردد بالحرف تخاريف مارجليوث.. وكان أبو فِهر قد قرأ ما كتبه المستشرق الإنجليزي الحاقد “مارجليوث”.. وبدأت الحرب بين المستغرب طه حسين والعلّامة محمود محمد شاكر
– ظل محمود محمد شاكر يقاتل على جميع الجبهات، لا يترك المستغربين من أمثال لويس عوض وطه حسين وغيرهم، والمستشرقين، والعلمانيين الذين كانت مصر وما زالت هي واحتهم الآمنة!

– من أشهر أعماله:

المتنبي – القوس العذراء – أباطيل وأسمار – طبقات فحول الشعراء – نمط صعب ونمط مخيف – قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام – رسالة في الطريق إلى ثقافتنا – مداخل إعجاز القرآن – اعصفي يا رياح وقصائد أخرى

ومن أشهر تحقيقاته:

1 ـ فضل العطاء على العسر لأبي هلال العسكري
2 ـ إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع لتقي الدين المقريزي.

3 ـ المكافأة وحسن العقبى لأحمد بن يوسف بن الداية الكاتب
4 ـ طبقات فحول الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي
5 ـ تفسير الطبري (16 جزءا)

6 ـ جمهرة نسب قريش وأخبارها للزبير بن بكار
7 ـ تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله

8 ـ دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني
9 ـ أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني

– تقول صفحة محبي الشيخ محمود محمد شاكر على الفيسبوك، في تعريفها لأبي فهر: (أبو فهر محمود محمد شاكر، شيخ الأدباء، وإمام العربية في هذا العصر، قرأ الموروث كما لم يقرأه أحد في عصره حتى شعت على يديه من أنواره ، وانبلجت من أسراره ما جعله قبلة لكل من أراد أن ينهل من هذا التراث ويستكشف مكنوناته. نافح عن العربية في مواجهة التغريب.

أقام منهجه الخاص في الشعر وسماه منهج التذوق.

خاض الكثير من المعارك الأدبية حول أصالة الثقافة العربية، ومصادر الشعر الجاهلي، بل لقد كان من أوائل من اكتشف الخطر الرهيب الذي كان يحيق بالعرب والمسلمين حين كانت سموم التبشير تتغلغل في العقول، وحمى التفرنج تنتشر، حتى أن ” كبارا ” – كأحمد أمين – كانوا يحرصون على إرضاء نزعات المستشرقين وتعلم اللغات الأجنبية وتفسير التاريخ الإسلامي بما ينسجم مع العقل الغربي المادي،

اكتشف ذلك الخطر المحدق وهو شاب حدث لم يبلغ العشرين، واختط من يومئذ منهجه الذي لم يأت أحد من أدباء عصرنا بمثله، وما بلغ السادسة والعشرين حتى هز الأوساط الأدبية بكتابه “المتنبي” معلنا عن منهجه الجديد فحاول طه حسين وغيره احتذاء منهجه فأعجزهم ذلك. وهو أيضا مفكر عميق القكر، بعيد الغور وإن لم ينل حقه من الإنصاف في هذا الجانب حتى من قبل محبيه،

فالرجل وقف على ثغور هذه الأمة فارسا شاكي السلاح، جمع إلى شجاعته علمه وعمقه قأخرج فكرا عميقا حلل مختلف الجوانب في الحياة العربية خصوصا في الأربعينيات وبداية الخمسينيات).




الأمة


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-08-2019 - 03:13 PM ]


محمود محمد شاكر .. شيخ العربية وفارس الفصحى
د. حيدر الغدير
من موقع الالوكة
محمود محمد شاكر رجل غير عادي في عصرنا، يمكن أن تصفه بأنه كان بما له وما عليه "أمة وحده" رحمه الله وغفر له.
عاش تسعين عاماً فقد ولد في الإسكندرية في شهر المحرم من عام 1327هـ الموافق لشهر شباط "فبراير" من عام 1909م ، وتوفي في القاهرة في شهر ربيع الثاني من عام 1418 هـ الموافق لشهر آب "أغسطس" 1997م.

ولد في أسرة دين وعلم فأبوه شيخ فاضل تقلب في مناصب دينية منها أنه كان وكيلاً للجامع الأزهر، وله مقال ناري في مهاجمة كمال أتاتورك يوم ألغى الخلافة الإسلامية في تركيا عام 1924م، يمكنك أن تجده في كتاب الدكتور محمد محمد حسين "الاتجاهات الوطنية". أما أخوه الشيخ أحمد فكان محدثاً عاش عمره وهو يخدم السنة المطهرة.

ولا يرمي هذا المقال إلى الكتابة عن آثاره المباركة وجهوده المبرورة في الدفاع عن أمته ودينه ولغته وحضارته، التي يمكن أن تجد حديثاً عنها في كتاب الأستاذ محمود إبراهيم الرضواني "شيخ العربية وحامل لوائها أبو فهر محمود محمد شاكر بين الدرس الأدبي والتحقيق"، أو في كتاب "دراسات عربية وإسلامية مهداة إلى أبي فهر"، وهو كتاب أعده عدد من محبيه وتلامذته بمناسبة بلوغه سن السبعين وأهدوه إليه، لكن هذا المقال يرمي إلى تقديم صورة كلية عنه تحاول أن تنصفه بما له وما عليه، وتحاول أن تفسر شخصه وعصره.



وأنا أعلم صعوبة هذه المحاولة لأن رسم الإطار العام لشخص وعصر أمر تكتنفه صعوبات كثيرة، ذلك أنك مطالب بلملمة جزئيات وأشتات كثيرة ووضعها في حيز واحد يجمع عناصرها ويفسر متناقضها، كما أنك مطالب بالنزاهة والأمانة، ثم إنك مطالب بالصراحة في تناول علم شامخ بحيث تقول ما له وما عليه، وهو علم غير عادي في عصرنا له من يحبه ومن يعاديه في كل مكان، ومع علمي هذا سأحاول ومن الله عز وجل العون والتوفيق.
كان الفقيد مجموعة شخصيات في شخصية، كان فيه صدق المسلم المؤمن الموحد المعتز بدينه أي اعتزاز، وكان فيه خلق العربي الذي أحب أمته وما يتصل بها حباً ملك عليه أقطار نفسه، وكان فيه قدر من الإباء والعناد يمتزج بقدر مماثل من طبيعة الفارس المقاتل الذي يشعر أنه ينبغي أن يكون آخذاً بعنان فرسه على الدوام ليذود عن الحمى ويصون الذمار إذا سمع الصريخ. ولقد تملكه إحساس هائل بأن مجمل الظروف العامة والخاصة جعلته مطالباً أن يكون أكثر من سواه بشير أمته ونذيرها معاً، وهو في هذا يلتقي مع أستاذه مصطفى صادق الرافعي الذي كان يمتلكه هذا الشعور إزاء أمته، وهذا أحد الأسباب المهمة في حبه للرافعي وإعجابه به منذ أن راسله عام 1921م حتى وفاته عام 1937م، وقد حزن عليه يومها حزناً شديداً، وحين ألف الأستاذ محمد سعيد العريان كتابه الشيق "حياة الرافعي" كتب له الفقيد مقدمة بديعة، رحم الله الجميع وأحسن إليهم.

وثمة جانب آخر في شخصية الفقيد وهو أنه يحمل قلب طفل فيه الطيبة والبراءة والعفوية والدهشة والانفعال، فضلاً عن سرعة الغضب وسرعة الرضا، والجهر بما عنده دون مداراة أو مجاملة.

محمود محمد شاكر مسلم خالص الإسلام، عربي خالص العروبة، عاش عمراً مديداً حافلاً بالأحداث العامة والخاصة التي تركت آثارها عليه، العامة على صعيد الأمة إذ شهد انطواء الراية العثمانية التي مثلت الخلافة الإسلامية في آخر مراحلها والتي كانت -بما لها وما عليها- دولة تتبنى الشريعة وتحفظ بلاد المسلمين في رقعة واسعة ممتدة، كما كانت سداً عسكرياً منيعاً أمام الهجمة الاستعمارية الصليبية على العالمين العربي والإسلامي ولابد أنه قرأ مقال أبيه الذي سبقت الإشارة إليه في بكائها.



وشهد كذلك سقوط العالم الإسلامي إلا قليلاً منه في قبضة الغزاة المستعمرين، وشهد حركات الجهاد والتحرير ضد هؤلاء الغزاة، وهي حركات كان وقودها الأكبر هو الحمية الدينية لدى أبناء المسلمين، ثم شهد جلاء الغزاة ومجيء الحكومات الوطنية التي قادت البلاد والعباد في مسلسل من التيه بين ثوب ديمقراطي تغريبي، أو عسكري ديكتاتوري، أو ليبرالي علماني، أو حزبي متسلط غشوم، وكان المسلسل في حقيقته مجموعة من الكوارث والنكبات، كان الفقيد يعبر عنه بمرارة فيقول لأبناء أمته: يا أبناء إسماعيل أنتم في التيه، وكأنه يراهم في تيههم يكررون تيه بني إسرائيل. وشهد الفقيد كذلك كارثة سقوط القدس وخروجها من أيدي المسلمين، ورأى تداعيات ضعف الأمة وتآكلها وانقسامها حتى باتت تلهث وراء حل سلمي مع الصهاينة لا يعيد الحقوق ولا يصون الكرامة ولا يحفظ ماء الوجه، ولابد أنه مات وفي قلبه من هذا جراحات كثيرة.



وشهد الفقيد في العقود الأخيرة وبالذات بعد نكبة 1967م انحسار موجة الشعارات القومية والاشتراكية واليسارية والعلمانية والبعثية التي كان زعماؤها ودعاتها السبب الأكبر في النكبة. كما شهد بداية الموجة التي اصطلح على تسميتها بالصحوة الإسلامية وهي موجة متداخلة عبرت عن نفسها بممارسات كثيرة يتداولها الصواب والخطأ وهي بحاجة إلى فرز وتحليل عميقين جداً للخروج بالعبر المستقاة منها خاصة بعد الدروس المرة التي لا تخفى على أحد في أفغانستان[1] وإيران وغيرهما. ولابد أن الفقيد مات وفي قلبه من هذا جراحات وأحزان.

هذا العصر الحافل بالأحداث العامة الكبيرة كانت له انعكاساته على حياته الخاصة، أولاً: لأن التداخل بين الخاص والعام أمر لابد منه، ثم لأنه شخص كان يعيش لأمته ودينه ولغته وحضارته وثقافته، وكان يدرك حجم المؤامرة عليها كما كان يدرك حجم تقصيرها في حق نفسها، وأيضاً لأنه كان رجلاً حاد الطباع، قلق النفس، متوتراً، كأن أعصابه شعلة من نار.

وجاءت مجموعة من الأحداث الخاصة لتلتقي مع المؤثرات العامة المشار إليها فتزيد من أزمة الفقيد وحدته، دخل الجامعة عام 1926م وتتلمذ على أستاذه الدكتور طه حسين في قسم اللغة العربية في جامعة الملك فؤاد "جامعة القاهرة فيما بعد"، وكان الدكتور طه حسين قد طلع على الناس بدعوى انتحال الشعر الجاهلي وهي قضية شغلت الناس كثيراً في حينها، وكان الفقيد يرى أن أستاذه مخطئ من جانبين:

الأول: أن الفكرة في ذاتها خطأ.



والثاني: أن الدكتور طه أخذ الفكرة من المستشرق مرجليوث ولم يشر إلى ذلك وهو عنده سطو يخالف الأخلاق، فضلاً عن التقاليد العلمية المقررة. وكبر الأمر عليه فغادر الجامعة وهو في السنة الثانية عام 1927م دون أن يتم دراسته، وعكف في داره على تثقيف نفسه والتبشير بأفكاره والانقطاع إلى الكتابة مرة والانقطاع عنها مراراً وظل على هذا الحال سبعين عاماً منذ ترك الجامعة حتى وفاته 1418هـ / 1997م.



وفتح الفقيد بيته وقلبه ومكتبته للناس، وبخاصة لطلبة الدراسات العليا في العلوم العربية والإسلامية الذين كانوا يؤمون الجامعات المصرية من شتى بلدان العالمين العربي والإسلامي، فاستفاد منه الكثيرون في اقتراح موضوع، أو حل معضلة، أو تحقيق قضية، فضلاً عن الانتفاع من مكتبته الزاخرة بالكتب والمخطوطات ومن نصائحه الثمينة لما يواجهونه من صعوبات، وكانت داره كأنها خلية علم لهؤلاء الطلبة ولغيرهم من أعلام الشعر والأدب والثقافة، وربما تحولت إلى ما يشبه داراً للضيافة أحياناً، ومنها تخرج أناس بلغوا أعلى المناصب وحملوا أعلى الدرجات، وقد انتهت الأمور بينه وبين بعضهم إلى الخصومة وهو ما جعله يصفهم بالعقوق.

وفي العهد الناصري دخل السجن مرتين، وهو ما ترك في نفسه جراحاً كثيرة، وفي المرة الثانية لازمه إثر خروجه من السجن نوع من الاكتئاب والسخط، تخلص منه أو من جزء منه بصعوبة بالغة.

فإذا أضفت إلى ذلك أنه ظل سبعين عاماً، منذ أن هجر الجامعة حتى وفاته بدون دخل ثابت، تبين لك أن هذا الأمر شغله، خاصة بعد أن كبر، وجاءه ولداه فهر وزلفى في خريف العمر، ولابد أنه كان يشعر بالقلق إزاءهما وهو ينظر إلى شمسه تغرب شيئاً فشيئاً رحمه الله وأحسن إليه.

من هنا يمكن القول: إن تلاقي الأحداث العامة مع الأحداث الخاصة في عمره المديد ترك آثاره على حياته بصورة حادة لا يخطئها من اتصل به أدنى اتصال.



محمود محمد شاكر مسلم صادق الإسلام أحب هذا الدين ومنحه ولاءه وأخلص له، وأحب نبيه الكريم-صلى الله عليه وسلم-، وقرآنه العظيم، وحضارته وثقافته.

وهو عربي خالص العروبة أحب العرب وأخلص لهم ودافع عنهم، وكانت نفسه ملأى بالاعتزاز بهم وبلغتهم وبشعرائهم وبرموزهم في كل ميدان.

وقد تداخل عنده هذان الحبان، حب الإسلام وحب العرب، وهذا أمر منطقي ومبرر، فالعرب مادة الإسلام وهم حاملو رايته ولوائه، ثم إن العربية لغة هذا الدين، والعرب منحوا الإسلام ولاءهم فارتفعوا به، والإسلام يرفع معتنقيه عامة، فكيف إذا كانوا أصحاب مزايا تجعلهم جديرين بأن يكونوا أول من حمله والله أعلم حيث يجعل رسالته؟

ولما كانت اللغة العربية هي لغة الإسلام، كان ينبغي أن تحظى بعناية خاصة قبل الجميع وبالذات من المشتغلين بنشر الدعوة الإسلامية، ذلك أنها المفتاح الصحيح لفهم هذا الدين فهماً سليماً، وقد لاحظ الشاعر الكبير محمد إقبال ‘ أن العقل العربي المسلم في جملته استطاع أن يفهم الإسلام أفضل من أخيه العقل المسلم غير العربي في جملته، وأرجع ذلك إلى اللغة، وقد صدق الشاعر الكبير في هذه الملاحظة التي تؤكدها شواهد كثيرة.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-08-2019 - 03:14 PM ]


تتمة/

والملاحظ في حركة المد والجزر في التاريخ الإسلامي أنه كلما انتشر الإسلام مقترناً بانتشار العربية كان أدوم للإسلام وللعربية معاً، ولذلك حين كان ينحسر الإسلام في بلد عربي لسبب ما يظل هذا الانحسار أقل من مثيله حين يقع في بلد مسلم غير عربي، والمثال التركي أوضح الأمثلة على صدق هذا الرأي وقوته، فلقد كان حجم الانحسار في تركيا هائلاً لأسباب كثيرة منها أن الأتراك لم يتعربوا يوم كانوا قادرين على ذلك ولعل هذا هو أكبر أخطائهم على الإطلاق، ولو أنهم تعربوا لظلت صلتهم بالإسلام أفضل لامتلاكهم أهم أدوات فهمه وهي اللغة. والعبرة المستفادة من ذلك للمهتمين بنشر الدعوة الإسلامية هي أن يحرصوا على نشر العربية معها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فذلك أعون على صحة الفهم من ناحية، وأعون على الدوام من ناحية.



هذا الأمر وعاه الفقيد رحمه الله وأحسن إليه، وكان أحد أسباب حبه للعربية والدفاع عنها، وهو سبب يضاف إلى الأسباب الأخرى من عظمة هذه اللغة بحد ذاتها ومن عروبة الفقيد الصميمة. وحب العربية يقود بالضرورة إلى حب العرب، وحب العرب يتداخل مع حب الإسلام عند كل عربي وعند كل مسلم، وهكذا كان الفقيد.
على أن حبه لأمته المسلمة عامة والعربية منها خاصة لم يكن يخلو من السخط عليها، فقد سخط عليها كما سخط على أعدائه وأعدائها، والفارق بين السخطين أنه جهر بسخطه على العدو في شجاعة خلافاً لسخطه على أمته الذي كان يداريه ويغالبه لكنه يأبى إلا أن يظهر بين الحين والآخر. ومرد هذا السخط إلى شعوره أن الأمة لم تبوئه المكانة التي يستحقها وذلك عنده نوع من الجحود والعقوق، ولعله نسي أنه هو بطبعه ومزاجه السبب الأكبر في ذلك.
كانت حكمته أقل من علمه، وأنا أعلم أن هذا الكلام يغضب عدداً من محبيه وعارفي فضله وأنا واحد منهم، لكن هذه هي الحقيقة، وربما كان في الأمثلة ما يؤكد الفكرة وينفي عنها شبهة المبالغة.
هذا الرجل الذي عاش فترة طويلة من عمره فاتحاً قلبه وعقله وبيته ومكتبته وخبرته لطلبة الدراسات العليا، كان بوسعه أن يجعل من هؤلاء الطلبة رسل خير يتبنون أفكاره الجيدة النافعة ويعممونها حيث يكونون في مختلف المواقع الثقافية التي يحتلونها وعلى امتداد العالمين العربي والإسلامي، وهو ما يترك لا محالة أعمق الآثار وأنفعها للعرب والمسلمين، ولما كان يؤمن به ويدعو إليه ويبشر به ويقاتل من أجله ويحترق بسببه. لكننا لا نجد من هذه الآثار إلا النزر القليل، والسبب هو مزاجه الحاد الذي كان يصطلي به رواده ومحبوه، فينفر من ينفر ويسكت من يسكت، ولطالما سمع منه هؤلاء اتهاماً لهذا أو ذاك بالجهل أو السوء وما يشبه ذلك. لقد كانت لديه القدرة على كسب الناس ثم خسارتهم كلياً أو جزئياً، ولو كان حظه من الحلم والأناة والحكمة والتودد إلى الناس والصبر على أخطاء الطلبة الذين يرونه أستاذهم ومرشدهم مماثلاً لحظه من العلم لصنع خيراً كبيراً لهم ولأمته ولغته ودينه ولنفسه أيضاً.



من أروع ما مر بي من ضرورة التوازن بين العلم والحكمة جملة بديعة جداً تقول: "درهم مال يحتاج إلى درهم عقل لحسن تدبيره و القيام عليه، لكن درهم علم يحتاج إلى درهمي عقل للانتفاع منه"، وهي جملة بليغة جداً، فالعلم وحده معلومات "خام" فيها صواب وفيها خطأ، والعقل هو الذي يفرز الصواب والخطأ من ناحية، ثم هو الذي يدل صاحبه كيف يستعمل الصواب منه زماناً ومكاناً ومناسبة من ناحية. ولقد أدى الخلل بين العلم والحكمة في التاريخ الإسلامي إلى كوارث محزنة في مجالات العلم والدعوة والسياسة منذ الخوارج إلى أيامنا، وسوف تظل هذه الكوارث تطل برأسها ما ظل هذا الخلل
ولا أزال أذكر أول مرة زرت فيها الفقيد في بيته في مصر الجديدة عام 1963م، حيث اصطحبني إليه الأخ الصديق النبيل عبد العزيز السالم وكنا طالبين في السنة الرابعة من قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة القاهرة وكانت صلته به أسبق من صلتي، وكيف كان الزميل النبيل يحدثني في الطريق عن بدواته ومزاجه ويدعوني لأحتمل ما قد يسوؤني منه، ومن يومها وطنت نفسي على ذلك، فما زرته في بيته في القاهرة أو في الرياض التي كان يأتي إليها لأسباب عامة أو خاصة، إلا وأنا على أتم الاستعداد لاحتمال كل ما يقول، لاقتناعي بنصيحة الزميل العاقل، ولشعوري أن هذا الرجل نادر حقاً وله مزايا كبيرة فاحتماله مكرمة لا مهانة، ولقد سمعت منه فعلاً واحتملت.

ومن العجب أن هذا الرجل منذ خصومته مع أستاذه طه حسين اختار الصمت أكثر مما اختار الكلام مع كل الدواعي الشخصية والعامة التي تدعوه إلى الكلام. يبدو لي أنه عاقب نفسه وعاقب أمته بهذا الموقف ولم يعاقب من يراهم أهل الخطأ والزيغ من مبشرين ومستغربين وعلمانيين ومن إليهم.


هذا الموقف يذكرني بطرفة مرت بي في كتاب "الأيام" للدكتور طه حسين، يروي فيها أنه وزملاءه من طلبة الجامعة امتنعوا عن حضور درس لأستاذ إيطالي مستشرق كان يدرسهم احتجاجاً على إيطاليا لأنها قامت بغزو ليبيا، كما لو كان هذا الأستاذ الإيطالي "نلينو" هو المسؤول عن الغزو وكما لو كان الامتناع عن حضور درسه هو الرد الصحيح، يومها قال الأستاذ الإيطالي لطلبته: مثلكم مثل الذي أراد أن يعاقب زوجته فخصى نفسه.



ومن العجب أيضاً أن إنتاج هذا الرجل قليل بالقياس إلى عمره المديد وإلى العقود السبعة التي عاشها متفرغاً لما يريد بدون عمل ولا دخل، ولو أنه أحسن استثمار وقته، لكان إنتاجه أكثر بكثير، فسبعون عاماً مدة طويلة مباركة، وبخاصة لشخص في ذكاء محمود محمد شاكر وعلمه وتفرغه وسعة مكتبته والتفاف الناس حوله، ولكن المزاج الحاد أضاع عليه -وعلى الأمة من بعده- هذا العطاء المنتظر. لقد كان هناك من هو أقل منه علماً وغيرة وحرقة على الدين والأمة واللغة، ولكنه كان أكثر إنتاجا منه، ومرد ذلك، إلى حسن التعامل مع الوقت ومع الناس، فضلاً عن اعتدال المزاج والتوازن بين العلم والحكمة، ولولا أن تسمية بعض هؤلاء لها محاذيرها لفعلت.



ومن العجب أيضاً أن هذا الرجل لم يستطع تجاوز أزمته مع الدكتور طه حسين، فقد ظلت هاجساً ملحاً عليه منذ أن وقعت حتى مات، أي سبعين عاماً. حقاً لقد كانت الأزمة مهمة على مستواه الشخصي وعلى مستوى الأمة، لكن التعامل مع أزمة ما ينبغي ألا يتحول إلى عقدة دائمة بحيث تأخذ أكبر من الاهتمام المكافئ لها وبحيث تجور على اهتمام آخر ينبغي أن يوجه لأزمة أخرى قد تكون أخطر وأكبر، ولكنه -مرة أخرى- المزاج الحاد وعقابيله.



وثمة نقطة أخرى هي من العجب، بل من أعجب العجب، وهي أن الرجل الغيور على دينه ولغته وأمته وثقافته لم يشتغل بفكر البدائل كما اشتغل بفكر المكاشفة والمواجهة. إن معرفة الداء تحتاج إلى شجاعة عقلية لأن هذه المعرفة عمل فكري بالدرجة الأولى، وإن الجهر بهذه المعرفة يحتاج إلى شجاعة أدبية لأن الجهر قوة نفسية تصدم الآخرين فيما يعتقدون، ولقد امتلك الفقيد الشجاعتين العقلية والنفسية على السواء. ولكن هذا كله هو نصف المطلوب، أما النصف الآخر والأخطر أيضاً فهو تقديم البدائل، وماذا عسى ينفعك الطبيب الحاذق إذا عرف داءك وأعلمك به ولم يصف لك الدواء؟ نعم لقد كان للفقيد اجتهاده في هذا المجال لكنه كان أقل من المتوقع من رجل في حجمه، وكان أيضاً أقل مما شغل به نفسه في عمره المديد.



أبا فهر: لقد حاولت أن أكون منصفاً صريحاً وعساي وفقت. فإن كان في حديثي ما يغضب أحداً من محبيك -وأنا منهم- فلي العذر، وقد تعلمنا منك فيما تعلمنا الشجاعة في الجهر بالرأي.



رحمك الله يا أبا فهر وأجزل لك المثوبة "اللهم تقبل عمله واغفر زلته غير خال من عفوك ولا محروم من إكرامك، اللهم أسبغ عليه الواسع من فضلك والمأمول من إحسانك، اللهم أتمم عليه نعمتك بالرضا وآنس وحشته في قبره بالرحمة واجعل جودك بلالاً له من ظمأ البلى ورضوانك نوراً في ظلام الثرى"[2].



أبا فهر: للشعر فيك موعد قادم بإذن الله أرجو أن أوفق فيه لما يليق بمكانتك.


[1] في أفغانستان سقط الحكم الشيوعي، وآل الأمر إلى الذين قادوا الجهاد الأفغاني ضد الشيوعيين فاقتتلوا فيما بينهم، وقضوا على الأمل الذي تعلق به المسلمون في العالم كله ودعموه، وهو أمل الالتفاف حول جهاد خالص يقيم حكماً عادلاً ونموذجاً مشرفاً للعمل الدعوي والجهادي إذا انتصر، وظهروا خليطاً من نسب متفاوتة من العصبية القبلية الجاهلية، والرغبة الحادة في السلطة، وولاء إسلامي مشوش، فضلاً عن الجهل بحقائق السياسة والجغرافية والاقتصاد، والعجز عن إيجاد طرق حضارية لحل الخلافات تعتمد على ضوابط ومرجعيات لها احترامها، وكل ما يقال عن التدخلات الأجنبية في إيقاد الفتن فيما بينهم لا يصلح للدفاع عنهم فهم المسؤولون أولاً وقبل كل أحد عن الكارثة، لقد كانوا -في جملتهم- نموذجاً رائعاً في إزهاق الباطل لكنهم لم يكونوا كذلك في إحقاق الحق، وكانوا نموذجاً رائعاً في مرحلة القتال لكنهم لم يكونوا كذلك في مرحلة الدولة. والتمييز بين المراحل يحتاج إلى ذكاء وشجاعة نفسية، وكما ينبغي للقائد أن يشهر سيفه عند الحاجة للحرب ويحشد الناس لها، ينبغي له أيضاً أن يغمد سيفه عند الحاجة للسلم ويحشد الناس للبناء والتعمير. إن للموت صناعة، وإن للحياة صناعة، ولا بد من كل منهما في ظروفه، على أن صناعة الحياة أهم وأجدى، ودواعيها أكثر، وحساباتها أدق، والحكيم من يحسن اختيار الصناعة المطلوبة أولاً، ويعرف أدواتها ثانياً.

[2] هكذا دعا الفقيد لأخيه الشيخ أحمد رحم الله الجميع.

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/culture/0/43978/#ixzz5w0jyCs5q


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-08-2019 - 03:19 PM ]


هذا الموضوع منقول من منتدى فرسان الحق نقلا عن ملتقى أهل التفسير :
من ملتقى اهل الحديث
قمة من قمم العربية
(محمود شاكر)_ ابو فهر _ الاديب المحدث
هازم طه حسين و لويس


أديب و مثقف من طراز فريد ... و لولا التزامه و احساسه المفرط بأنه صاحب رسالة لكان أشهر على ألسنة الناس من طه حسين و الحكيم و العقاد.
و الرجل ظاهرة فريدة في الأدب والثقافة العربية الحديثة، فهو كاتب له طريقته الخاصة لا تبارى أو تحاكى، وشاعر مبدع حقق في الإبداع الشعري ما بلغ ذروته في قصيدته "القوس العذراء"، ومحقق بارع لكتب التراث، قادر على فك رموزها وقراءة طلاسمها، ومفكر متوهج العقل ينقض أعتى المسلمات، ومثقف واسع الاطلاع في صدره أطراف الثقافة العربية كلها فكانت عنده كتابا واحدا.
أبو فهر محمود محمد شاكر رحمه الله قمة من قمم العربية ، وعلم من أعلامها ، والحديث عنه إنما هو حديث عن تاريخ هذه الأمة العربية : عقيدة ولغة وفكراً ورجالاً . أسأل الله أن يتغمده برحمته وأن يجزيه خير جزاء المجاهدين في سبيله.
ولد الشيخ رحمه الله ليلة العاشر من المحرم عام 1327هـ في مدينة الاسكندرية.
وتوفي يوم الخميس الثالث من ربيع الآخر عام 1418هـ .
وأما كتبه فهي كلها ثمينة نفيسة ، وقد طبعتها دار الخانجي ويحضرني من كتبه المؤلفة وتحقيقاته ما يلي :
1- المتنبي . ومعه رسالة في الطريق إلى ثقافتنا. وصدر عن دار الخانجي عام 1407هـ .
2- أباطيل وأسمار.
3- نمط صعب ونمط مخيف.
4- برنامج طبقات فحول الشعراء .
5- مداخل إعجاز القرآن. وهو آخر كتبه صدوراً.
6- قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام.
7- ديوان شعر (اعصفي يا رياح).
8- (دلائل الإعجاز) لعبدالقاهر الجرجاني رحمه الله ، حققه وكتب على طرته (قرأه وعلق عليه أبو فهر محمود شاكر).
9- أسرار البلاغة لعبدالقاهر الجرجاني. قرأه وعلق عليه كذلك.
10- فضل العطاء على العسر للعسكري ، ضبطه وعلق عليه محمود شاكر.
11- إمتاع الأسماع للمقريزي ، الجزء الأول. تحقيق.
12- طبقات فحول الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي. حققه وهو من أفضل تحقيقاته وشروحه.
13- تحقيق تفسير الطبري بالتعاون مع أخيه أحمد محمد شاكر رحمه الله. وبلغ في تحقيقه إلى منتصف سورة إبراهيم .
14- تهذيب الآثار للطبري حقق منه 6 أجزاء.
15- الوحشيات لأبي تمام ، زاد في تعليقات الميمني عليه.
16- جمهرة نسب قريش وأخبارها حققه كذلك.
وأما مقالاته الثمينة فقد جمعت ولله الحمد قريباً بعنوان (جمهرة مقالات محمود محمد شاكر) جمعها تلميذه عادل جمال في مجلدين كبيرين وطبعتها دار الخانجي.
وقد كتبت عنه دراسات كثيرة ، طبع منها :
- شيخ العربية وحامل لوائها أبو فهر محمود محمد شاكر بين الدرس الأدبي والتحقيق لمحمود إبراهيم الرضواني.
وقد طبعته دار الخانجي في حياة الشيخ رحمه الله عام 1415هـ .
- محمود محمد شاكر الرجل والمنهج لحسن القيام .
- وهناك رسائل أخرى بعضها في جامعة اليرموك في الأردن بعنوان (محمود محمد شاكر والشعر الجاهلي) وغيرها كثير.
- وهناك كتاب طبعته دار الخانجي بعنوان (دراسات عربية وإسلامية ) مهداة للعلامة محمود شاكر بمناسبة بلوغه السبعين شارك في كتابة هذه البحوث والمقالات عدد من طلابه الشيخ ومحبيه وهو كتاب نفيس
ظل العلامة الشيخ محمود محمد شاكر سنوات طويلة في عزلة اختارها لنفسه، يقرأ ويدرس ويصدح في واحته الظليلة، لا يسمع غناءه إلا المقربون منه من تلامذته ومحبيه تاركا الدنيا ببريقها وأضوائها وراء ظهره، ولم يخرج من واحته إلا شاكي السلاح مستجيبا لدعوة الحق حين يشعر بأن ثقافة أمته يتهددها الخطر، فيقصم بقلمه الباتر زيف الباطل، ويكشف عورات الجهلاء المستترين وراء الألقاب الخادعة؛ ولذلك جاءت معظم مؤلفاته استجابة لتحديات شكلت خطرا على الثقافة العربية.

البداية والتكوين ينتمي محمود شاكر إلى أسرة أبي علياء من أشراف جرجا بصعيد مصر، وينتهي نسبه إلى الحسين بن علي رضي الله عنه، وقد نشأ في بيت علم، فأبوه كان شيخا لعلماء الإسكندرية وتولى منصب وكيل الأزهر لمدة خمس سنوات (1909-1913م)، واشتغل بالعمل الوطني وكان من خطباء ثورة 1919م، وأخوه العلامة أحمد شاكر واحد من كبار محدثي العصر، وله مؤلفات وتحقيقات مشهورة ومتداولة.
انصرف محمود شاكر -وهو أصغر إخوته- إلى التعليم المدني، فالتحق بالمدارس الابتدائية والثانوية، وكان شغوفا بتعلم الإنجليزية والرياضيات، ثم تعلق بدراسة الأدب وقراءة عيونه، وحفظ وهو فتى صغير ديوان المتنبي كاملا، وحضر دروس الأدب التي كان يلقيها الشيخ المرصفي في جامع السلطان برقوق، وقرأ عليه في بيته: الكامل للمبرد، والحماسة لأبي تمام.

المواجهة الخافتة وربما كان في وسع شاكر أن يكون أحد علماء الرياضيات أو فروع الطبيعة بعد حصوله على شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) من القسم العلمي سنة 1925 لكنه فضل أن يدرس العربية في كلية الآداب، وكاد قانون الجامعة أن يحول بينه وبين الالتحاق بقسم اللغة العربية، لولا تدخل طه حسين لدى أحمد لطفي السيد مدير الجامعة وإقناعه بأن يلتحق شاكر بكلية الآداب فأصدر قرارا بذلك.
وفي الجامعة استمع شاكر لمحاضرات طه حسين عن الشعر الجاهلي وهى التي عرفت بكتاب "في الشعر الجاهلي"، وكم كانت صدمته حين ادعى طه حسين أن الشعر الجاهلي منتحل وأنه كذب ملفق لم يقله أمثال امرئ القيس وزهير، وإنما ابتدعه الرواة في العصر الإسلامي، وضاعف من شدة هذه الصدمة أن ما سمعه من المحاضر الكبير سبق له أن قرأه بحذافيره في مجلة استشراقية بقلم المستشرق الإنجليزي مرجليوث.
وتتابعت المحاضرات حول هذا الموضوع، ومحمود شاكر عاجز عن مواجهة طه حسين بما في صدره، وتمنعه الهيبة والأدب أن يقف مناقشا أستاذه، وظل على ذلك زمنا لا يستطيع أن يتكلم حتى إذا لم يعد في الصبر والتحمل بقية، وقف يرد على طه حسين في صراحة وبغير مداراة، لكنه لم يستطع أن يواجهه بأن ما يقوله إنما هو سطو على أفكار مرجليوث بلا حياء أو اكتراث.
وتولد عن شعوره بالعجز عن مواجهة التحدي خيبة أمل كبيرة فترك الجامعة غير آسف عليها وهو في السنة الثانية، ولم تفلح المحاولات التي بذلها أساتذته وأهله في إقناعه بالرجوع، وسافر إلى الحجاز سنة 1928 مهاجرا، وأنشأ هناك مدرسة ابتدائية عمل مديرا لها، حتى استدعاه والده الشيخ فعاد إلى القاهرة.

اكتشاف المتنبي وبعد عودته سنة 1929 انصرف إلى قراءة الأدب ومطالعة دواوين شعراء العربية على اختلاف عصورهم حتى صارت له ملكة في تذوق الشعر والتفرقة بين نظمه وأساليبه، وبدأ ينشر بعض قصائده الرومانسية في مجلتي "الفتح" و"الزهراء" لمحب الدين الخطيب، واتصل بأعلام عصره من أمثال أحمد تيمور وأحمد زكي باشا والخضر حسين ومصطفى صادق الرافعي الذي ارتبط بصداقة خاصة معه. ولم يكن شاكر معروفا بين الناس قبل تأليفه كتابه "المتنبي" الذي أثار ضجة كبيرة بمنهجه المبتكر وأسلوبه الجديد في البحث، وهو يعد علامة فارقة في الدرس الأدبي نقلته من الثرثرة المسترخية إلى البحث الجاد.
والعجيب أن شاكر الذي ألف هذا الكتاب سنة 1936 ولم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره لم يكن يقصد تأليف كتاب عن المتنبي، إنما كان مكلفا من قبل فؤاد صروف رئيس تحرير مجلة المقتطف بأن يكتب دراسة عن المتنبي مسهبة بعض الإسهاب ما بين عشرين إلى ثلاثين صفحة، ولكن هذا التكليف تحول على يد شاكر كتابا مستقلا عن المتنبي أنجزه في فترة زمنية قصيرة على نحو غير مسبوق ونشرته مجلة المقتطف في عددها الصادر في السادس من شوال 1354هـ الأول من يناير 1936م، وصدر فؤاد صروف مجلته بقوله: هذا العدد من المقتطف يختلف عن كل عدد صادر منذ سنتين إلى يومنا هذا، فهو في موضوع واحد ولكاتب واحد.
وقد اهتدى شاكر في كتابه إلى أشياء كثيرة لم يكتبها أحد من قبله استنتجها من خلال تذوقه لشعر المتنبي، فقال بعلوية المتنبي وأنه ليس ولد أحد السقائين بالكوفة كما قيل، بل كان علويا نشأ بالكوفة وتعلم مع الأشراف في مكاتب العلم، وقال بأن المتنبي كان يحب خولة أخت سيف الدين الحمداني واستشهد على ذلك من شعر المتنبي نفسه، وتم استقبال الكتاب بترحاب شديد وكتب عنه الرافعي مقالة رائعة أثنى عليه وعلى مؤلفه.
وكان هذا الكتاب فتحا جديدا في الدرس الأدبي وتحديا لأدباء العصر، فكتب بعده عبد الوهاب عزام كتابه "المتنبي في ألف عام"، وطه حسين "مع المتنبي"، واتهمهما شاكر بأنهما احتذيا منهجه، وسطوا على بعض آرائه، وهاجم شاكر ما كتبه طه حسين في سلسلة مقالات بلغت 12 مقالا في جريدة البلاغ تحت عنوان "بيني وبين طه حسين".

مع سيد قطب والإخوان وبعد وفاة مصطفي صادق الرافعي بعام أشعل سيد قطب معركة أدبية على صفحات الرسالة سنة 1938م، اندفع إليها بحماس الشباب دون روية، ومتأثرا بحبه الشديد وإعجابه الجامح بالعقاد، فهاجم أدب الرافعي وجرده من الإنسانية، والشاعرية واتهمه بالجمود والانغلاق، فثار محبو الرافعي على هذا الهجوم الصارخ، وقاد شاكر الدفاع عن شيخه وفند ما يزعمه سيد قطب، ودخل معه في معركة حامية لم يستطع الشهيد سيد قطب أن يصمد فيها.
ثم تجددت المعركة بينهما بعد سنوات طويلة حين كتب سيد قطب مؤلفه "العدالة الاجتماعية في الإسلام"، وكان سيد قطب قد بدأ مرحلة التحول إلى الفكر الإسلامي، وحمل الكتاب ما اعتبر نقدا وتجريحا لبعض الصحابة، فانتفض شاكر وكتب مقالة شهيرة في مجلة "المسلمون" تحت عنوان " لا تسبوا أصحابي" سنة 1952م.
وهذا يجرنا إلى محاولة معرفة الموقف السلبي الذي اتخذه شاكر من جماعة الإخوان المسلمين، وكان شديد الهجوم عليهم، ولا يعرف حتى الآن الأسباب التي دعته إلى اتخاذ هذا الموقف، فهل كانت المعركة بينه وبين سيد قطب من أسباب ذلك؟! وهل الذين اتصلوا به من جماعة الإخوان كان لهم دور في توسيع الخلاف بينه وبينهم؟! ويجدر بالذكر أنه حين أنشئت داخل جماعة الإخوان المسلمين لجنة الشباب المسلم للتفرغ للدرس والبحث وبعيدا عن الانشغال بالنشاط الحركي، اتصلت بمحمود شاكر، وكان في برنامجها أن يقوم بتدريس السيرة النبوية لها بناء على اقتراح من المرشد العام حسن البنا، وعقدت عدة لقاءات، وعلى الرغم من هجوم شاكر على حسن البنا، فإن الأخير كان يصر على إتمام هذه اللقاءات للاستفادة من علم الأديب الكبير دون أن يتأثر بما يقوله عنه.

العالم الإسلامي في بيت شاكر كانت فترة الخمسينيات فترة مشهودة في حياة شاكر، فقد ترسخت مكانته العلمية وعرف الناس قدره، وبدأت أجيال من الدارسين للأدب من أماكن مختلفة من العالم الإسلامي يفدون إلى بيته، يأخذون عنه ويفيدون من علمه ومكتبته الحافلة، من أمثال: ناصر الدين الأسد وإحسان عباس، وشاكر الفحام، وإبراهيم شبوح، فضلا عن كثير من أعلام الفكر الذي كانوا يحرصون على حضور ندوته الأسبوعية كل يوم جمعة عقب صلاة المغرب، مثل فتحي رضوان ويحيى حقي، ومحمود حسن إسماعيل، ومالك بن نبي، وأحمد حسن الباقوري، وعلال الفاسي، وعبد الرحمن بدوي، وعبد الله الطيب.
وشهدت هذه الندوة الدروس الأسبوعية التي كان يلقيها شاكر على الحاضرين في شرح القصائد الشعرية التي تضمنها كتاب الأصمعيات، وقد انتفع بهذه الدروس كثيرون، وكان الأديب الكبير يحيى حقي يعلن في كل مناسبة أن شاكر هو أستاذه الذي علمه العربية وأوقفه على بلاغتها، وأن ترجمات كتب مالك بن نبي خرجت من بيت شاكر، فقد قام أحد أفراد ندوته وترجمها إلى العربية وهو الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين، وكان آنذاك شابا صغيرا في بداية مشواره العلمي.
وفي ندواته الفكرية في بيته كان يعارض عبد الناصر علانية ويسخر من رجالات الثورة، ويستنكر ما يحدث للأبرياء في السجون من تعذيب وإيذاء وكان يفعل ذلك أمام زواره ومن بينهم من يشغل منصب الوزارة، كالشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف آنذاك، ونتيجة لذلك لم يسلم شاكر من بطش السلطة، فألقت القبض عليه سنة 1959م، وبقي رهن السجن 9 أشهر حتى تدخلت شخصيات عربية، فأفرج عنه وعاد لمواصلة نشاطه في تحقيق كتاب تفسير الطبري الذي بدأ في نشره من قبل، وانتظمت ندوته مرة أخرى.

أباطيل وأسمار
وظل شاكر في عزلته الاختيارية بين كتبه وتلاميذه ومحبيه، لا يشارك في الساحة الفكرية بمقالاته وآرائه حتى بدأ لويس عوض في نشر سلسلة مقالات له في جريدة الأهرام سنة 1964م، تحت عنوان "على هامش الغفران" وكان الكاتب قد لمع نجمه بعد تعيينه مستشارا ثقافيا لجريدة الأهرام، وأصبح مهيمنا على أمور الثقافة في مصر وصار له حواريون وسدنة يبشرون بآرائه.
وقد أثارت مقالات لويس عوض موجة من الشغب بين أوساط كثير من المثقفين لما فيها من تحامل على الشيخ المعري، ولم يجرؤ أحد على الرد سوى محمود شاكر الذي خرج من عزلته، وانبرى للويس عوض في سلسلة من المقالات المبهرة في مجلة الرسالة، كشفت عما في مقالات لويس عوض من الوهم والخلط التاريخي والتحريف في الاستشهاد بشعر أبي العلاء المعري، وعدم تمحيص الروايات التاريخية، والادعاء بتلقي المعري علوم اليونان على يد أحد الرهبان. وكانت مقالات شاكر التي ظهرت تباعا حدثا ثقافيا مدويا كشفت عن علم غزير ومعرفة واسعة بالشعر وغيره من الثقافة العربية، وقدرة باهرة على المحاجاة والبرهان، ولم تقف هذه المقالات التي بلغت ثلاثا وعشرين مقالة عند حدود الرد على كلام لويس عوض، بل انتقلت إلى الحديث عن الثقافة والفكر في العالم العربي والإسلامي، وما طرأ عليها من غزو فكري ولا سيما حركة التبشير التي غزت العالم الإسلامي.
وتدخل الناقد الكبير محمد مندور عند شاكر ليوقف مقالاته دون جدوى، وأصاب لويس عوض الذعر والهلع من مقالات شاكر التي فضحته بين أوساط المثقفين، وكشفت عن ضعف ثقافته حتى في تخصصه في الأدب الإنجليزي حين كشف شاكر عن فساد ترجمته العربية لمسرحية الضفادع لأرسطوفان، وراح لويس عوض يطوف على المجلات والصحف يستنصرهم ضد شاكر ويزعم أن المعركة بينهما معركة دينية، ولم يتوقف شاكر عند كتابة مقالاته حتى أغلقت مجلة الرسالة نفسها، وألقي به في غياهب السجن سنتين وأربعة أشهر من آخر شهر أغسطس سنة 1965م، حتى آخر شهر ديسمبر سنة 1967م، وقد جمعت هذه المقالات في كتابه "أباطيل وأسمار" الذي يعد من أهم الكتب التي ظهرت في المكتبة العربية في النصف الأخير من القرن العشرين.

معارك فكرية أخرى
وبعد خروجه من السجن هذه المرة عاد إلى ما كان عليه من قبل، فكتب في مجلة "المجلة" 7 مقالات إضافية تحت عنوان "نمط صعب، نمط مخيف" استجابة لصديقه الأديب يحيى حقي، حين أشاد بترجمة الشاعر الألماني "جوته" لقصيدة من قصائد الشاعر الجاهلي "تأبط شرا" وتساءل حول الترتيب الذي اقترحه الشاعر الألماني حين ترجم القصيدة إلى الألمانية، وحول الشعر القديم وروايته وافتقاد القصيدة العربية إلى الوحدة، وقد اقتضت الإجابة حول هذه الأسئلة تشعبا في الكلام، وامتدادا في أطرافه بلغ 400 صفحة حين جمع المقالات في كتاب، وقد تخلل ذلك نقد محكم للدكتور عبد الغفار مكاوي حين أعاد ترجمة قصيدة جوته إلى العربية، ودارت بينهما معركة قصيرة حول هذه الترجمة التي اتهمها شاكر بالركاكة والسقم.
ثم دارت معركة أخرى بينه وبين الباحث العراقي الدكتور علي جواد الطاهر حول تحقيقه كتاب "طبقات فحول الشعراء" لابن سلام الجمحي، وتولد عن ذلك كتابه "برنامج طبقات فحول الشعراء".

تحقيق كتب التراث
يعد شاكر على رأس قائمة محققي التراث العربي، وأطلق عليه العقاد المحقق الفنان، وإنجازاته في هذا المجال كثيرة، وهي عنوان على الدقة والإتقان، ومن أشهر الكتب التي حققها: تفسير الطبري (16 جزءا)، طبقات فحول الشعراء (مجلدان)، تهذيب الآثار للطبري (6 مجلدات).. وشاكر لا يحب أن يوصف بأنه محقق لنصوص التراث العربي، وإنما يحب أن يوصف بأنه قارئ وشارح لها، وهو يكتب على أغلفة الكتب التي يقوم بتحقيقها عبارة: "قرأه وشرحه" وهذه العبارة كما يقول الدكتور محمود الربيعي "هي الحد الفاصل بين طبيعة عمله وطبيعة عمل غيره من شيوخ المحققين، إنه يوجه النص ويبين معناه بنوع من التوجيه أو القراءة التي تجعله محررا؛ لأنها قراءة ترفدها خبرة نوعية عميقة بطريقة الكتابة العربية، وهو إذا مال بالقراءة ناحية معينة أتى شرحه مقاربا، وضبطه مقنعا، وأفق فهمه واسعا، فخلع على النص بعض نفسه وأصبح كأنه صاحبه ومبدعه".


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-08-2019 - 03:20 PM ]


صاحب رسالة
لم يكن شاكر في يوم من الأيام موظفا يمد يده نهاية كل شهر إلى مرتب ينتظره فتكون للحكومة كلمة نافذة في رزقه ومكانته، بل انقطع لعلمه وفكره ومكتبته وبحثه ودرسه وزملائه وتلاميذه كالراهب الذي انقطع للعبادة في صومعته.
وعاش على أقل القليل يكفيه ويسد حاجته، ومرت عليه سنوات عجاف لكنه لم ينحن أو يميل على الرغم من أن بيته كان مفتوحا لتلاميذه وأصدقائه وعارفي فضله.
ولم يكن له من مورد سوى عائده من كتبه التي كان يقوم بتحقيقها، وكان اسمه على صدرها يضمن لها النجاح والرواج، ولم يكن يأخذ شيئا على مقالاته التي يكتبها، فأعاد لمجلة العربي الكويتية سنة 1982م مائة وخمسين دولارا نظير مقالة كتبها ردا على الكاتب اليمني عبد العزيز المقالح حول طه حسين، ورفض أن يتسلم من دار الهلال مكافأته عن تأليفه كتابه المهم "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا".
ولأنه كان يشعر أنه صاحب رسالة فإنه كان ينتفض حين يرى انتهاك حرمة من حرمات اللغة العربية فيقف مدافعا عنها بكل ما يملك من أدوات علمية وفكرية، تجعل الخصم يسلم بما يقول أو يلوي هاربا. ومعاركه كلها جمعت في كتب وصارت وثائق في تاريخنا الفكري الحديث، كتبها هو من موقع المدافع والحارس لثقافة الأمة، ولولا خصومه لما ظهرت معظم مؤلفاته؛ لأنها كانت استجابة لتحديات عظيمة، وهي تظهر عظمة شاكر؛ لأنه لم يحتشد لها مثلما يحتشد المؤلفون عند تأليف كتبهم وإنما دخلها كارها مستندا إلى ثقافة واسعة وعلم غزير، وفكر ثاقب وروح وثابة، فأتى بالعجب العجاب.
وفي أخريات عمره رد له بعض الاعتبار، فنال جائزة الدولة التقديرية في الأدب سنة 1981م، ثم جائزة الملك فيصل في الأدب العربي عام 1984م، وفي أثناء ذلك اختير عضوا في مجمع اللغة العربية بدمشق، ثم بالقاهرة.
وبعد رحلة حياة عريضة رحل أبو فهر شيخ العربية وإمام المحققين في الساعة الخامسة من عصر الخميس الموافق 3 من ربيع الآخر 1418هـ= 6 من أغسطس 1997م) ولبى نداء ربه.. فسلام عليك أبا فهر.
منقول من http://www.elshabab.com/docs/general...&categoryid=11
محمود محمد شاكر و تفسير الإمام الطبري
هناك في إقليم طبرستان في ناحية آمُل من بلاد المشرق الإسلامي ولد الإمام محمد بن جرير الطبري عام 224هـ وتوفي عام 310هـ عن ستة وثمانين عاماً قضاها في العلم والعمل والتصنيف ، ورزقه الله القبول فسارت تصانيفه مسير الشمس والقمر ، فقد أوتي رحمه الله قدرة وبراعة على التصنيف ، وواسطة عقد مصنفاته رحمه الله تفسيره العظيم (جامع البيان في تأويل آي القرآن) ، ذلك الكتاب الذي لو سافر مسافر إلى الصين من أجل تحصيله ما كان ذلك كثيراً في حقه كما قال أبو حامد الإسفرايني عندما طالعه.[ طبقات المفسرين للداوودي 2/106] واستعار ابن خزيمة تفسير ابن جرير من ابن بالويه ثم رده بعد سنين ، وقال : (نظرت فيه من أوله إلى آخره فما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير)[ سير أعلام النبلاء للذهبي 14/272].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : (وأما التفاسير التي في أيدي الناس ، فأصحها تفسير ابن جرير الطبري ، فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة ، وليس فيه بدعة ، ولا ينقل عن المتهمين ، كمقاتل بن بكير والكلبي)[ مقدمة التفسير لابن تيمية].
هذا التفسير النفيس لقي من العناية في حياة مصنفه وبعده ما لم يلقه كتاب آخر ، وتنافس العلماء والأمراء في اقتنائه وشراءه ، ولا زال إلى يوم الناس هذا في المقدمة بدون منازع ، على كثرة المصنفات في التفسير ، فإنها – ولا أبالغ – قد زادت على الألف .
وفي العصور المتأخرة فُقِدَ كتابُ ابن جرير ولم يكد يوجد منه إلا نقول هنا وهناك حتى قال المستشرق الألماني (نيلدكه) عام 1860م بعد اطلاعه على بعض فقرات من هذا الكتاب "لو حصلنا على هذا الكتاب لاستطعنا أن نستغني عن كل كتب التفسير المتأخرة عليه ، ولكنه يبدو - للأسف - مفقوداً بالكلية)[ مذاهب التفسير الإسلامي لجولد زيهر ص 108] .وقبل ذلك لم يذكره إسماعيل البغدادي في كتابه (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون).
وبفضل من الله سبحانه وتعالى تم العثور على نسخة كاملة مخطوطة من هذا التفسير العظيم عند أمير (حائل) الأمير حمود من آل رشيد من أمر اء نجد ، وقد طبع الكتاب على هذه المخطوطة قريباً ، مع المخطوطة التي وجدت في دار الكتب المصرية بالقاهرة وإن كانت ناقصة ، والمخطوطة الناقصة كذلك التي وجدت في حلب في مكتبتها الأحمدية ، وقد ابتهجت الأوساط العلمية بطباعته في ذلك الحين ، واقرأ ذلك في كتاب جولد زيهر حيث صور الفرحة التي عمت أوساط المستشرقين بطباعته ، وقد رصدت أكاديمية الفنون الجميلة بباريس عام 1900 جائزة لمن يتصدى لدراسة التفسير وبيان منهج مؤلفه فيه!! ولك أن تعجب.
* أهم طبعات الكتاب:
- طبعة المطبعة الميمنية ، سنة 1321هـ الموافق 1901م في ثلاثين جزءاً.
- طبعة مصطفى البابي الحلبي في عشرة أجزاء عام 1321هـ الموافق 1901م.
- طبعة بولاق عام 1323هـ في ثلاثين جزءاً وبهامشه تفسير غريب القرآن للنيسابوري وانتهت هذه الطبعة عام 1330هـ.
- طبعة المطبعة الأميرية عام 1333هـ في ثلاثين جزءاً وبهامشه غريب القرآن للنيسابوري.
- طبعة أخرى لمكتبة البابي الحلبي في ثلاثين جزءاً عام 1373هـ ، وهي من أفضل طبعات تفسير الطبري ، ذلك أنها روجعت على عدة نسخ خطية ، مع ضبط النص على يد علماء أجلاء منهم مصطفى السقا رحمه الله الذي كتب خاتمة ضافية بين فيها عمل اللجنة في نشر الكتاب ، وقد شرحوا الشواهد الشعرية ، وصنعوا فهارس لكل جزء من الآيات المفسرة والموضوعات والقوافي.
- وقد أصدرت مطبعة البابي الحلبي نشرة مصورة من هذه النشرة عام 1388هـ .
- وقد اطلعت على طبعة لدار الفكر في بيروت متوافقة تماماً مع هذه الطبعة البابية السابقة ولكنها قامت بحذف المقدمة والخاتمة ولم تشر إلى أنها نشرة مطبعة البابي الحلبي.
- أما واسطة عقد طبعات تفسير الطبري ، التي لو تمت لما ساغ لأحد بعدها أن يقدم على تحقيق هذا الكتاب ، ولا ادعاء ذلك ، فهي الطبعة التي قام عليها العالم الجليل محمود محمد شاكر وأخوه العلامة المحدث أحمد محمد شاكر رحمهم الله جميعاً ابتداء من عام 1374هـ ونشرته دار المعارف بالقاهرة.
هذه هي طبعات الكتاب المشهورة التي عنيت بالكتاب عناية يطمئن إليها مع ما فيها من السقط وعدم وضوح المراد – أحياناً – لطول الفصل وعد وجود علامات ترقيم تهدي القارئ أثناء قراءته عدا الطبعة الأخيرة وهي التي سقنا الحديث من أجلها.
يقول محمود شاكر رحمه الله في مقدمة الجزء الأول من تفسير الطبري مبيناً الباعث له على القيام بتحقيقه بعد أن بين مكانة الكتاب وقيمته قال :(( بيد أني كنت أجد من المشقة في قراءته ما أجد. كان يستوقفني في القراءة كثرة الفصول في عبارته ، وتباعد أطراف الجُمَل ، فلا يسلم لي المعنى حتى أعيد قراءة الفقرة منه مرتين أو ثلاثاً. وكان سبب ذلك أننا ألفنا نهجاً من العبارة غير الذي انتهج أبو جعفر ، ولكن تبين لي أيضاً أن قليلاً من الترقيم في الكتاب ، خليق أن يجعل عبارته أبينَ ، فلما فعلت ذلك في أنحاء متفرقة من نسختي ، وعُدْتُ بَعْدُ إلى قراءتها ، وجدتها قد ذهب عنها ما كنت أجد من المشقة... فتمنيت يومئذ أن ينشر هذا الكتاب الجليل نشرة صحيحة محققة مرقمة ، حتى تسهل قراءتها على طالب العلم ، وحتى تجنبه كثيراً من الزلل في فهم مراد أبي جعفر)).(تفسير الطبري 1/11)
وهناك سبب آخر دعا إلى نشره وتحقيقه وهو ((أن ما طبع من تفسير أبي جعفر ، كان فيه خطأ كثير وتصحيف وتحريف)) . (تفسير الطبري 1/12)
وقد عقد محمود شاكر رحمه الله عزمه على نشر هذا الكتاب نشرة علمية بعد أن رأى الحاجة ماسةَ ، ورغبة في التقرب إلى الله حيث قال ((فأضمرت في نفسي أن أنشر هذا الكتاب ، حتى أؤدي بعض حق الله عليَّ ، وأشكر به نعمة أنالها – أنا لها غير مستحق – من رب لا يؤدي عبد من عباده شكر نعمة ماضية من نعمه ، إلا بنعمة منه حادثة توجب عليه أن يؤدي شكرها ، هي إقداره على شكر النعمة التي سلفت ، كما قال الشافعي رضي الله عنه)). (تفسير الطبري 1/12)
منهجه في التحقيق والنشر: 1- تم التحقيق بالمشاركة مع شقيقه الأكبر العلامة المحدث أحمد محمد شاكر رحمه الله بحيث يقوم الشيخ أحمد شاكر بدراسة الأسانيد والحكم عليها من حيث الصناعة الحديثية ، ويقوم محمود شاكر بالباقي : مقابلة النسخ ، وتحقيق النص ، وتخريج الأقوال والشواهد الشعرية ، ووضع علامات الترقيم ، وضبط النص وما يتعلق بذلك من شرح غريب ونحو ذلك.
2- مراجعة ما في تفسير الطبري من الآثار على كتاب الدر المنثور للسيوطي وفتح القدير للشوكاني ، لأنهما يكثران النقل عن الطبري.
3- الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره لم يقتصر على نقل الآثار ، بل نقل بعض كلام أبي جعفر الطبري بنصه في مواضع متفرقة ، وكذلك نقل أبو حيان في البحر المحيط ، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن في مواضع قليلة من تفسيرهما ، فقام بمقابلة المطبوع والمخطوط من تفسير الطبري على هذه الكتب. ولكن محمود شاكر رأى أن الاستمرار على هذا النهج يطيل الكتاب على غير جدوى فبدأ منذ الجزء الثاني يغفل ذكر المراجع إلا عند الاختلاف ، أو التصحيح ، أو غير ذلك مما يوجب بيان المراجع.
4- قام بمراجعة كثير مما في التفسير من الآثار ، على سائر الكتب التي هي مظنة لروايتها ، وبخاصة تاريخ الطبري نفسه ، ومن في طبقته من أصحاب الكتب التي تروي الآثار بالأسانيد. وقد استطاع المحقق أن يحرر أكثر هذه الآثار في التفسير تحريراً حسناً مقبولاً.
5- ما تكلم فيه الطبري من مسائل اللغة والنحو ، فقد راجعه على أصوله مثل (مجاز القرآن) لأبي عبيدة ، و(معاني القرآن) للفراء وغيرهما ممن يذكر أقوال أصحاب المعاني من الكوفيين والبصريين.
6- شواهد تفسير الطبري الشعرية من أبرز ما في التفسير ، وهي تزيد على ألفي شاهد (2000) شعري ، وقد قام المحقق رحمه الله بتتبع شواهده في دواوين العرب ، ونسب ما لم يكن منسوبا ، وشرحها شرحاً جيداً ، وحقق ما يحتاج إلى تحقيق من قصائدها ، ملتزماً في ذلك الاقتصار حسب الاستطاعة.
7- ظهر للمحقق رحمه الله كما قال أثناء مراجعاته أن كثيراً ممن نقل عن الطبري ، ربما أخطأ في فهم مراد الطبري ، فاعترض عليه ، لمّا استغلق عليه بعض عبارته. فقام بتقييد بعض ما بدا له خلال التعليق ، ولكنه لم يستوعب ذلك مخافة الإطالة.
8- الطبري رحمه الله في تفسيره يكثر من ترداد مصطلحات النحاة القديمة التي استقر الاصطلاح على خلافها ، فقام المحقق بتتبع هذه المصطلحات ، وقام بوضع فهرس خاص بالمصطلحات النحوية في آخر كل جزء من الأجزاء التي قام بتحقيقها.
9- كان المحقق يحب أن يبين ما انفرد به الإمام الطبري من الآراء في تأويل بعض الآيات ، ويشرح ما أغفله غيره من المفسرين ، ولكنه لم يفعل حيث خشي الإطالة مع أهمية هذا الأمر وفي هذا دعوة للباحثين الجادين للقيام على هذا الأمر الذي أراه من المباحث المهمة في حقل الدراسات القرآنية.
أما منهجه في وضع الفهارس فقد كان ينوي ترك الفهارس حتى نهاية التفسير ، ولكنه رأى الكتاب كبيراً ، وحاجة الناس إلى مراجعة بعضه على بعض ، وربط أوله بآخره فآثر أن يفرد لكل جزء فهارسه الخاصة في نهايته فكانت على هذا النحو:
- فهرس للآيات التي استدل بها الطبري في غير موضعها من التفسير. فإن الطبري ربما ذكر تفسيراً للآية في هذه المواضع لم يذكره عند تفسيره لللآية في موضعها من التفسير والذي هو مظنة ذلك القول.
- فهرساً لألفاظ اللغة ، لأن الطبري كثير الإحالة على ما مضى في كتابه ، وليكون هذا الفهرس مرجعاً لكل اللغة التي رواها الطبري ، وكثير منها مما لم يرد في المعاجم ، أو جاء بيانه عن معانيها أجود من بيان أصحاب المعاجم.
- فهرس لمباحث العربية ، لأن الطبري كثيراً ما يحيل على هذه المواضع ، ولما فيها من النفع لقارئ التفسير.
- فهرساً خاصاً بالصطلحات النحوية القديمة التي استقر الاصطلاح على غيرها، وهي كثيرة التكرار في تفسير الطبري.
- فهرس للرجال الذين تكلم عنهم العلامة أحمد شاكر في المواضع المتفرقة من التفسير.
- فهرس عام اقتصر فيه على سوى ما ذكر في الفهارس المتقدمة.
لم يقم المحقق بعمل فهارس للشواهد الشعرية في نهاية كل جزء حيث قد عزم على صنع فهرس عام للأشعار التي وردت في التفسير عند تمامه على نمط اختاره لصناعته، وكذلك فهرس أسانيد الطبري ، وفهرس الأعلام ، وفهرس الأماكن ، وفهرس المعاني ، والفهارس الجامعة لما أفرده من الفهارس في كل جزء. كل ذلك لم يتم لأنه لم يصل إلى الموعد الذي وعد بها عند بلوغه ، رحمه الله .
وقد قام المحقق بترقيم الآيات وأثبتها في رأس الصفحة فما على الباحث إلا معرفة رقم الآية من السورة المرادة ثم طلبها في أعلى الصفحة من الجزء المراد فيجد في أعلى الصفحة مثلاً(البقرة : 140) أي آية 140 من سورة البقرة وهكذا.
وقد استمر العمل في تحقيق الكتاب بداية من عام 1374هـ وتم إصدار ثلاثة عشر جزءاً حتى عام 1377هـ حيث توفي العلامة أحمد شاكر رحمه الله في نهاية شهر ذي القعدة عام 1377هـ ، وقد عبر عن ذلك محمود شاكر في مقدمة الجزء الثالث عشر فقال:((وبعد : ففي الساعة السادسة من صبيحة يوم السبت السادس والعشرين من ذي القعدة سنة 1377(14 يونية سنة 1958م) قضى الله قضاءه بالحق ، فألحق بالرفيق الأعلى أخي وشقيقي السيد أحمد محمد شاكر ، مودعاً بالدعاء ، محفوفاً بالثناء)).13/1
ثم صدر الجزء الرابع عشر سنة 1378هـ والجزء الخامس عشر سنة 1380هـ والجزء السادس عشر والأخير سنة 1388هـ وتوقف عن الآية رقم 28 من سورة إبراهيم.
وسبب توقفه عن الاستمرار في التحقيق هو خلاف نشأ بينه وبين دار المعارف التي قامت على نشر الكتاب فيما ذكر من تحدث عنه وترجم له مؤخراً[محمود محمد شاكر لعمر القيَّام ص 67] ، وقد توفي الشيخ محمود محمد شاكر رحمه الله عام 1418هـ ولم يتم تحقيق الكتاب إلى الآن ، وقد ترك رحمه الله فراغاً كبيراً في الثقافة الإسلامية بعامة فقد كان يمثل منهجاً كاملاً قل من يقوم به بعده مع أن هناك تلامذة مخلصون من تلاميذه من أمثال الدكتور إحسان عباس والدكتور محمد أبو موسى هم من خيرة من ترك من التلاميذ قدرةً على قراءة التراث الإسلامي ، وتذوقاً له ، ولكن لم يبلغوا شأوه رحمه الله ولا أظنهم يزعمون ذلك!!" انتهى النقل

رحم الله الشيخين أحمد ومحمود شاكر رحمة واسعة وأسكنهما فسيح جناته على ما بذلاه في سبيل دينه وإعزازه.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 6 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-08-2019 - 03:23 PM ]


أديب العربية وشيخها أبو فهر محمود محمد شاكر
نشر بتاريخ: 2017-11-06 22:59:50


صبري بن سلامة شاهين

الرياض


محمود بن محمد شاكر بن أحمد بن عبدالقادر من أسرة أبي علياء الحسينية في جرجا بصعيد مصر، ولد في الإسكندرية 10/1/ 1327 الموافق 1/2/ 1909م، وانتقل إلى القاهرة في العام نفسه مع والده، إذ عُيّن والده وكيلاً للجامع الأزهر، وأخوه العلامة أحمد شاكر واحد من كبار محدثي العصر.

ويعد محمود شاكر ظاهرة فريدة في الأدب والثقافة العربية، فهو كاتب له أسلوبه المميز، وشاعر مبدع، بلغ إبداعه الشعري الذروة في قصيدته "القوس العذراء"، ويعد أيضًا محققًا بارعًا لكتب التراث، قادرًا على فك رموزها، ومفكرًا متوهج العقل، ومثقفًا واسع الاطلاع، حوى في صدره أطراف الثقافة العربية، كأنها لديه كتاب واحد.

وظل سنوات طويلة في عزلة اختارها لنفسه، يقرأ ويدرس ويصدح في واحته الظليلة، لا يسمع شدوه إلا المقربون منه، تاركًا الدنيا ببريقها وأضوائها وراء ظهره، ولم يخرج من واحته إلا شاكي السلاح، مستجيبًا لدعوة الحق، حين يشعر بأن ثقافة أمته يتهددها الخطر، فيقصم بقلمه الباتر زيف الباطل، ويكشف عوار الجهلاء المستخفين وراء الألقاب الخادعة؛ ولذلك جاءت معظم مؤلفاته استجابة لتحديات شكلت خطرًا على الثقافة العربية.

وبرغم هذا العطاء المبكر يقول الأستاذ محمود عن نفسه: لم أجد لنفسي خلاصًا إلا أن أرفض متخوفًا حذرًا شيئًا فشيئًا أكثر المناهج الأدبية والسياسية والاجتماعية والدينية، التي كانت يومئذ تطغى كالسيل الجارف، يهدم السدود، ويقوض كل قائم في نفسي، وفي طريقي، ويومئذ طويت في نفسي على عزيمة ماضية أن أبدأ وحيدًا متفردًا رحلة طويلة جدًّا، وبعيدة جدًّا، وشاقة ومثيرة جدًّا.

بدأت بإعادة قراءة الشعر العربي كله، أو ما وقع تحت يدي منه على الأصح، وقرأت ما يقع تحت يدي من كتب أسلافنا من تفسير لكتاب الله، إلى علوم القرآن الكريم مع اختلافها إلى دواوين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وشروحها، إلى ما تفرع عليه من كتب علماء الحديث وكتب الجرح والتعديل، إلى كتب أصول الفقه وأصول الدين، وما شئت بعد ذلك من أبواب العلم.

لقد انصرف محمود شاكر إلى التعليم المدني، فالتحق بالمدارس الابتدائية والثانوية، وكان شغوفًا بتعلم الإنجليزية والرياضيات، ثم تعلق بدراسة الأدب وقراءة عيونه، وحفظ وهو فتى صغير ديوان المتنبي كاملاً، وحضر دروس الأدب التي كان يلقيها الشيخ المرصفي في جامع السلطان برقوق، وقرأ عليه في بيته: "الكامل" للمبرد، و"الحماسة" لأبي تمام.

وفي الجامعة استمع محمود لمحاضرات طه حسين عن الشعر الجاهلي، وهى التي عرفت بكتاب "في الشعر الجاهلي"، وكيف صُدِمَ حين ادعى طه حسين أن الشعر الجاهلي منتحل، وأنه كذب ملفق، لم يقله أمثال امرئ القيس وزهير، وإنما ابتدعه الرواة في العصر الإسلامي، وضاعف من شدة الصدمة أن ما سمعه من طه حسين سبق له أن قرأه بحذافيره في مجلة استشراقية بقلم المستشرق الإنجليزي مرجليوث.

وتتابعت المحاضرات حول هذا الموضوع، ومحمود عاجز عن مواجهة طه حسين بما في صدره، وتمنعه الهيبة والأدب أن يقف مناقشًا أستاذه، وظل على ذلك زمنًا، لا يستطيع أن يتكلم، حتى إذا نفد صبره وتحمله، وقف يرد على طه حسين في صراحة وبغير مداراة، لكنه لم يستطع أن يواجهه بأن ما يقوله إنما هو سرقة لأفكار مرجليوث بلا حياء أو اكتراث.

معركته مع طه حسين

لقد كان هذا الشاب مباركًا، حيث ملأ صوته الدنيا، وهو لا يزال في ريعان الشباب لم يبلغ العشرين، حيث كان في سن الاستعداد العلمي، ولكن عقله كان كبيرًا وناضجًا بالمعارف والعلوم، جعله ينازل أستاذه الدكتور طه حسين، ويصارعه، ومهما تكن نية طه حسين في كتابه الشعر الجاهلي، فإن موضوع الكتاب كان خطيرًا للغاية.

فقد كان طه حسين يدعي أن الشعر الجاهلي لا أساس له، وهو منتحل في عصر الإسلام. وهو بهذا الادعاء ينفي عن الأمة العربية كتاب حياتها، فالشعر ديوان العرب. ومن ثم فهو ينفي النموذج الذي تحداه القرآن الكريم، وبهذا يسقط عن القرآن إعجازه، بالإضافة إلى ما في الكتاب الذي يموج بمفتريات متعددة على قصص الأنبياء، وتاريخ الأمم السابقة على الإسلام.

ولقد لقي هذا الكتاب تأييدًا واسعًا باسم الحرية التي يجب أن تتوافر للأدباء والكتاب، ولكنه وجد معارضة أوسع. ولقد وقف الأزهر الشريف وقفة قوية بأعلامها وعلمائها الكبار، الذين لهم في العلم قدم ثابتة وأصالة راسخة.

ولكن وقوف شاب في السنة الثانية من كلية الآداب ضد أستاذه في قضية كهذه، فإن هذا يثير الإعجاب جدًّا، فلقد فند مزاعم أستاذه الذى حاد عن الطريق تفنيدًا قويًّا واضحًا، ورد عليه ما قاله، وكان الدكتور طه حسين وقتها ملء السمع والبصر. بعد أن عاد من باريس وحاز أرقى الشهادات، إلا أنه جاء ليردد ما سمعه، وتلقاه في الخارج عن تراثنا العربي والإسلامي، ودخل إليه بحيلة ماكرة، جازت على الكثيرين، وضاعت حقائق كثيرة في رخامة صوته، وحسن إلقاء ما يقوله في أسماع الناس. وأهل الحقيقة الذين لا تنطلي عليهم هذه الحيل قليلون، وقد كان منهم هذا الشاب الفتى "محمود شاكر"، ولما أن وجد أن وجوده في الجامعة لن يؤدى إلى الغرض الذى يهدف إليه.

فأصبح البقاء فيها عبثًا وأي عبث، ومن ثم هجر الجامعة.

وقد وصف محمود شاكر هذه المحنة في المقدمة الجديدة لكتابه "المتنبي"، حيث قال: (كان ما كان، ودخلنا الجامعة، بدأ الدكتور "طه" يلقي محاضراته التي عرفت بكتاب "في الشعر الجاهلي" ومحاضرة بعد محاضرة، ومع كل واحدة يرتد إليَّ رجع من هذا الكلام الأعجمي الذي غاص في يمّ النسيان! وثارت نفسي، وعندي الذي عندي من المعرفة بخبيئة هذا الذي يقوله الدكتور "طه"، عندي الذي عندي من هذا الإحساس المتوهج بمذاق الشعر الجاهلي، كما وصفته آنفًا، والذي استخرجته بالتذوق، والمقارنة بينه وبين الشعر الأموي والعباسي. وأخذني ما أخذني من الغيظ، وما هو أكبر وأشنع من الغيظ، ولكني بقيت زمنًا لا أستطيع أن أتكلم.

تتابعت المحاضرات، والغيظ يفور بي، والأدب الذي أدبنا به آباؤنا وأساتذتنا يمسكني، فكان أحدنا يهاب أن يكلم الأستاذ، والهيبة معجزة، وضاقت عليَّ المذاهب، ولكن لم تخل أيامي يومئذ في الجامعة من إثارة بعض ما أجد في نفسي، في خفوت وتردد.

فالدكتور "طه" أستاذي، وله عليَّ حق الهيبة، هذا أدبنا. وللدكتور "طه" عليَّ يدٌ لا أنساها، كان مدير الجامعة يومئذ "أحمد لطفي السيد" يرى أن لاحق لحامل "بكالوريا" القسم العلمي في الالتحاق بالكليات الأدبية، ملتزمًا في ذلك بظاهر الألفاظ! فاستطاع الدكتور "طه" أن يحطم هذا العائق بشهادته لي، وبإصراره أيضًا. فدخلت يومئذ بفضله كلية الآداب، قسم اللغة العربية، وحفظ الجميل أدب لا ينبغي التهاون فيه. وأيضًا فقد كنت في السابعة عشرة من عمري، والدكتور طه في السابعة والثلاثين، فهو بمنزلة أخي الكبير، وتوقير السن أدب ارتضعناهُ مع لبان الطفولة.

وظللت أتجرع الغيظ بحتًا، وأنا أصغي إلى الدكتور "طه" في محاضراته، ولكني لا أستطيع أن أتكلم، أو أناظره كِفاحًا، وجهًا لوجه، وكل ما أقوله، فإنما أقوله في غيبته. تتابعت المحاضرات، وكل يوم يزداد وضوح هذا السطو العريان على مقالة "مرجليوث"، ويزداد في نفسي وضح الفرق بين طريقتي في الإحساس بالشعر الجاهلي، وبين هذه الطريقة التي يسلكها الدكتور "طه" في تزييف هذا الشعر. وكان هذا "السطو" خاصة مما يهز قواعد الآداب التي نشأت عليها هزًّا عنيفًا، بدأت الهيبة مع الأيام تسقط شيئًا فشيئًا، وكدت ألقي حفظ الجميل ورائي غير مُبال، ولم يبق لتوقير السن عندي معنىً.

وجاءت اللحظة الفاصلة في حياتي. فبعد المحاضرة، طلبت من الدكتور "طه" أن يأذن لي في الحديث، فأذن لي مبتهجًا، أو هكذا ظننت. وبدأت حديثي عن هذا الأسلوب الذي سماه "منهجًا" وعن تطبيقه لهذا "المنهج" في محاضراته، وعن هذا "الشك" الذي اصطنعه، ما هو، وكيف هو؟ وبدأت أدلل على أن الذي يقوله عن "المنهج" وعن "الشك" غامض، وأنه مخالف لما يقوله "ديكارت"، وأن تطبيق منهجه هذا قائم على التسليم يداخله الشك، بروايات في الكتب هي في ذاتها محفوفة بالشك! وفوجئ طلبة قسم اللغة العربية، ولما كدت أفرغ من كلامي، انتهرني الدكتور "طه" وأسكتني، وقام وقمنا لنخرج. وانصرف عني كل زملائي الذين استنكروا غضابًا ما واجهت به الدكتور "طه"، وبعد قليل أرسل الدكتور "طه" يناديني فدخلت عليه وجعل يعاتبني، يقسو حينًا ويرفق أحيانًا، وأنا صامت لا أستطيع أن أرد. لم أستطع أن أكاشفه بأن محاضراته التي نسمعها كلّها مسلوخة من مقاله "مرجليوث"، لأنها مكاشفة جارحة من صغير إلى كبير، ولكني على يقين من أنه يعلم أني أعلم، من خلال ما أسمع حديثه، ومن صوته، ومن كلماته، ومن حركاته أيضًا! وكتمان هذه الحقيقة في نفسي كان يزيدني عجزًا عن الرد، وعن الاعتذار إليه أيضًا، وهو ما كان يرمي إليه. ولم أزل صامتًا مُطرقًا حتى وجدت في نفسي كأني أبكي من ذلِّ العجز، فقمت فجأة وخرجت غير مودع ولا مبال بشيء. وقضي الأمر! ويبس الثرى بيني وبين الدكتور "طه" إلى غير رجعة!

ومن يومئذ لم أكف عن مناقشة الدكتور في المحاضرات أحيانًا بغير هيبة، ولم يكف هو عن استدعائي بعد المحاضرات، فيأخذني يمينًا وشمالاً في المحاورة، وأنا ملتزم في كل ذلك بالإعراض عن ذكر سطوه على مقالة "مرجليوث"، صارفًا همي كله إلى موضوع "المنهج" و"الشك" وإلى ضرورة قراءة الشعر الجاهلي والأموي والعباسي قراءة متذوقة مستوعبة. ولكني من يومئذ أيضًا لم أكف عن إذاعة هذه الحقيقة التي أكتمها في حديثي مع الدكتور "طه"، وهي أنه سطا سطْوًا كريهًا على مقالة "مرجليوث"، فكان بلا شك يبلغه ما أذيعه بين زملائي. وكثر كلامي عن الدكتور "طه" نفسه، وعن القدر الذي يعرفه من الشعر الجاهلي، وعن أسلوبه الدال على ما أقول. واشتد الأمر، حتى تدخل في ذلك، وفي مناقشتي، بعض الأساتذة كالأستاذ "نلّينو" والأستاذ جويدي من المستشرقين، وكنت أصارحهما بالسطو، وكانا يعرفان، ولكنهما يداوران. وطال الصراع غير المتكافئ بيني وبين الدكتور "طه" زمانًا، إلى أن جاء اليوم الذي عزمتُ فيه على أن أفارق مصر كلها، لا الجامعة وحدها غير مبال بإتمام دراستي الجامعية، طالبًا للعزلة، حتى أستبين لنفسي وجه الحق في "قضية الشعر الجاهلي" بعد أن صارت عندي قضية متشعبة كل التشعب.

وترك محمود الجامعة بعد أن سقطت هيبتها من نفسه، وعجز أن يحتمل هذا الفساد الذي رآه في أساتذته. وتولد عن شعوره بالعجز عن مواجهة التحدي خيبة أمل كبيرة، فترك الجامعة غير آسف عليها وهو في السنة الثانية، ولم تفلح المحاولات التي بذلها أساتذته وأهله في إقناعه بالرجوع، وسافر إلى الحجاز سنة 1928 مهاجرًا، وأنشأ هناك مدرسة ابتدائية عمل مديرًا لها، حتى استدعاه والده الشيخ، فعاد إلى القاهرة.

وبعد عودته سنة 1929 انصرف إلى قراءة الأدب ومطالعة دواوين شعراء العربية على اختلاف عصورهم، حتى صارت له ملكة في تذوق الشعر، والتفرقة بين نظمه وأساليبه، وبدأ ينشر بعض قصائده الرومانسية في مجلتي "الفتح" و"الزهراء" لمحب الدين الخطيب، واتصل بأعلام عصره من أمثال أحمد تيمور وأحمد زكي باشا والخضر حسين والرافعي، الذي ارتبط بصداقة خاصة معه. ولم يكن محمود معروفًا بين الناس قبل تأليفه كتابه "المتنبي" الذي أثار ضجة كبيرة بمنهجه المبتكر وأسلوبه الجديد في البحث، وهو يعد علامة فارقة في الدرس الأدبي.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 7 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-08-2019 - 03:23 PM ]


والعجيب أن محمود شاكر الذي ألف هذا الكتاب لم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره، ولم يكن يقصد تأليف كتاب عن المتنبي، إنما كان مكلفًا من قبل فؤاد صروف رئيس تحرير مجلة المقتطف بأن يكتب دراسة عن المتنبي، ولكن هذا التكليف تحول على يد شاكر إلى كتاب مستقل، أنجزه في مدة قصيرة على نحو غير مسبوق، ونشرته مجلة المقتطف في عددها الصادر في يناير 1936م.

وقد اهتدى شاكر في كتابه إلى أشياء كثيرة لم يكتبها أحد من قبله، استنتجها من خلال تذوقه لشعر المتنبي، وتم استقبال الكتاب بترحاب شديد، وكتب عنه الرافعي مقالة رائعة، أثنى عليه وعلى مؤلفه.

وكان هذا الكتاب فتحًا جديدًا في الدرس الأدبي، وتحديًا لأدباء العصر، فكتب بعده عبدالوهاب عزام كتابه "المتنبي في ألف عام"، وطه حسين "مع المتنبي"، واتهمهما شاكر بأنهما احتذيا منهجه، وسطوا على بعض آرائه، وهاجم شاكر ما كتبه طه حسين في سلسلة مقالات، بلغت 12 مقالاً في جريدة البلاغ، تحت عنوان "بيني وبين طه حسين".

وكانت حقبة الخمسينيات حقبة مشهودة في حياة شاكر، فقد ترسخت مكانته العلمية، وعرف الناس قدره، وبدأت أجيال من الدارسين للأدب من أماكن مختلفة يفدون إلى بيته، يأخذون عنه، ويفيدون من علمه ومكتبته الحافلة، فضلاً عن كثير من أعلام الفكر الذين كانوا يحرصون على حضور ندوته الأسبوعية كل يوم جمعة، مثل فتحي رضوان، ويحيى حقي، ومحمود حسن إسماعيل، ومالك بن نبي، وأحمد حسن الباقوري، وعلال الفاسي، وعبدالرحمن بدوي، وعبدالله الطيب.

وقد انتفع بهذه الدروس كثيرون، وكان الأديب الكبير يحيى حقي يعلن في كل مناسبة: أن شاكر هو أستاذه الذي علمه العربية، وأوقفه على بلاغتها، وأن ترجمات كتب مالك بن نبي خرجت من بيت شاكر، فقد قام أحد أفراد ندوته وترجمها إلى العربية، وهو الدكتور عبدالصبور شاهين، وكان آنذاك شابًا صغيرًا في بداية مشواره العلمي.

وقد عرض الأديب الكبير رحمه الله بجلاء خطة أعداء القرآن في مقدمته الفذة لكتاب مالك بن نبي رحمه الله "الظاهرة القرآنية". لكن ما الرابط بين الشعر الجاهلي والتنزيل؟ وأي ضرر في إنكار الشعر الجاهلي؟ وما مصلحة القرآن في امرىء القيس؟

"الشعر الجاهلي هو أساس مشكلة إعجاز القرآن" هذا مفتاح اللغز.

لقد انتبه المستشرقون إلى ما لم ينتبه إليه الباقلاني، أدركوا منزلة الشعر الجاهلي في شأن إعجاز القرآن، فحشدوا كل باطلهم لإتلاف الشعر الجاهلي، والنية هي الإجهاز على شاهد الإثبات، المقر بإعجاز القرآن، فما كانت معركة الشعر الجاهلي في واقع الأمر إلا معركة القرآن، ولعل الحقد على القرآن كان من القوة بحيث أعمى أبصارهم، واستعانوا بالسفسطة والغش والتزوير بدرجة مكشوفة، فضحها مستشرقون آخرون، غير أن أبناء جلدتنا غباء أو تواطؤا اعتبروا السفسطة منهجًا علميًّا، فادخلوها إلى الجامعات، وروجوا لها، فكانت النكسة الفكرية التي ما زلنا نعاني منها إلى الآن.

رجال النهضة عند محمود شاكر

ويرى الأستاذ محمود شاكر أن الأمة بإمكانها أن تنهض، وأن تدخل طورًا تجديديًّا في تاريخها المعاصر، على يد خمسة رجال هم:

1 - عبد القادر البغدادي صاحب "خزانة الأدب" في مصر، وهو الذي يعده الشيخ شاكر الرائد في تبنّيه إعادة قدرة الأمة على تذوق اللغة والشعر والآداب وعلوم اللغة.

2 - الجبرتي الكبير حسن بن إبراهيم (والد صاحب التّاريخ) في مصر، ويعده الشيخ شاكر رائدًا في تنبيه الأمة إلى الصناعات الحضارية وعلوم الكيمياء والفلك.

3 - محمد بن عبدالوهاب في جزيرة العرب، ويعده الشيخ شاكر رائدًا في تحقيق النهضة الدينية، ورد البدع والعقائد الفاسدة.

4 - محمد عبدالرزاق المرتضى الزبيدي صاحب "تاج العروس" في الهند وفي مصر، فهو رائد بعث التراث اللغوي الديني.

5 - الشوكاني في اليمن، ويعده الشيخ شاكر إمامًا في إحياء عقيدة السلف ونبذ التقليد والدعوة إلى الوحدة وتجريم التعصب.

ثم بين محمود شاكر أسباب عدم حصول النهضة، ويربط بين الإخفاق الحاصل وبين جهود المستشرقين في إيجاد الصراعات تحت عناوين: (الأصالة والمعاصرة) و(القديم والجديد) و(الثقافة العالمية) وبالقضية الهزلية (قضية موقفنا من الغرب).

وفي ندواته الفكرية في بيته كان يعارض عبدالناصر علانية، ويسخر من رجالات الثورة، ويستنكر ما يحدث للأبرياء في السجون من تعذيب وإيذاء، وكان يفعل ذلك أمام زواره، ومن بينهم من يشغل منصب الوزارة، كالشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف آنذاك، ونتيجة لذلك لم يسلم شاكر من بطش السلطة، فألقت القبض عليه سنة 1959م، وبقي رهن السجن 9 أشهر حتى تدخلت شخصيات عربية، فأفرج عنه، وعاد لمواصلة نشاطه في تحقيق كتاب تفسير الطبري، الذي بدأ في نشره من قبل، وانتظمت ندوته مرة أخرى.

وظل شاكر في عزلته الاختيارية بين كتبه وتلاميذه ومحبيه، لا يشارك في الساحة الفكرية بمقالاته وآرائه حتى بدأ لويس عوض في نشر سلسلة مقالات له في جريدة الأهرام سنة 1964م، تحت عنوان "على هامش الغفران"، وكان الكاتب قد لمع نجمه بعد تعيينه مستشارًا ثقافيًّا لجريدة الأهرام، وأصبح مهيمنًا على أمور الثقافة في مصر، وصار له حواريون وسدنة يبشرون بآرائه.

وقد أثارت مقالات لويس عوض موجة من الشغب بين أوساط كثير من المثقفين، لما فيها من تحامل على المعري، ولم يجرؤ أحد على الرد سوى محمود شاكر الذي خرج من عزلته، وانبرى للويس عوض في سلسلة من المقالات المبهرة في مجلة الرسالة، كشفت عما في مقالات لويس عوض من الوهم والخلط التاريخي والتحريف في الاستشهاد بشعر أبي العلاء المعري، وعدم تمحيص الروايات التاريخية، والادعاء بتلقي المعري علوم اليونان على يد أحد الرهبان. وكانت مقالات شاكر التي ظهرت تباعًا حدثًا ثقافيًّا مدويًا، كشفت عن علم غزير ومعرفة واسعة بالشعر وغيره، وقدرة باهرة على المحاجاة والبرهان، ولم تقف هذه المقالات عند حدود الرد على كلام لويس، بل انتقلت إلى الحديث عن الثقافة والفكر في العالم العربي والإسلامي، وما طرأ عليها من غزو فكري، ولا سيما حركة التبشير التي غزت العالم الإسلامي.

وتدخل الناقد الكبير محمد مندور عند شاكر ليوقف مقالاته دون جدوى، وأصاب لويس عوض الذعر والهلع من مقالات شاكر التي فضحته بين أوساط المثقفين، وكشفت عن ضعف ثقافته حتى في تخصصه في الأدب الإنجليزي، حين كشف شاكر عن فساد ترجمته العربية لمسرحية الضفادع لأرسطوفان، وراح لويس يطوف على المجلات والصحف، يستنصرهم ضد شاكر، ويزعم أن المعركة بينهما معركة دينية، ولم يتوقف شاكر عند كتابة مقالاته حتى أغلقت مجلة الرسالة نفسها، وألقي به في غياهب السجن سنتين وأربعة أشهر من أغسطس 1965م، إلى ديسمبر 1967م، وقد جمعت هذه المقالات في كتابه "أباطيل وأسمار" الذي يعد من أهم الكتب التي ظهرت في المكتبة العربية في النصف الأخير من القرن العشرين.

وبعد خروجه من السجن عاد إلى ما كان عليه من قبل، فكتب في مجلة "المجلة" 7 مقالات إضافية تحت عنوان "نمط صعب، نمط مخيف" استجابة لصديقه الأديب يحيى حقي، حين أشاد بترجمة الشاعر الألماني "جوته" لقصيدة الشاعر الجاهلي "تأبط شرًّا"،

ثم دارت معركة أخرى بينه وبين الباحث العراقي الدكتور علي جواد الطاهر حول تحقيقه كتاب "طبقات فحول الشعراء" لابن سلام الجمحي، وتولد عن ذلك كتابه "برنامج طبقات فحول الشعراء".
وأطلق عليه العقاد: المحقق الفنان. وإنجازاته في هذا المجال كثيرة، وهي عنوان على الدقة والإتقان، ومن أشهر الكتب التي حققها: تفسير الطبري، طبقات فحول الشعراء، تهذيب الآثار للطبري. وشاكر لا يحب أن يوصف بأنه محقق لنصوص التراث، وإنما يحب أن يوصف بأنه قارئ وشارح لها، وهو يكتب على أغلفة الكتب التي يقوم بتحقيقها عبارة: "قرأه وشرحه".

وعاش على أقل القليل يكفيه ويسد حاجته، ومرت عليه سنوات عجاف، لكنه لم ينحن أو يميل على الرغم من أنه لم يكن له مورد سوى عائده من كتبه، التي كان يقوم بتحقيقها، وكان اسمه على صدرها يضمن لها النجاح والرواج، ولم يكن يأخذ شيئًا على مقالاته التي يكتبها، فأعاد لمجلة العربي الكويتية سنة 1982م مئة وخمسين دولارًا، نظير مقالة كتبها ردًّا على الكاتب اليمني عبدالعزيز المقالح حول طه حسين، ورفض أن يتسلم من دار الهلال مكافأته عن تأليفه كتابه المهم "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا".

وقد بين الأستاذ محمود شاكر في هذا الكتاب كيف خطط المستشرقون وأذنابهم لوأد الدعوة الإصلاحية في نجد على يد الإمام محمد بن عبدالوهاب لئلا تهدد النصرانية، فقال: (وثبت هذا الطاغية "محمد علي" قواعد ملكه، وازداد إطباق القناصل والمستشرقين على عقله وقلبه، وسارت الجيوش قاصدة جزيرة العرب، ودارت الحرب التي لم تنته إلا بعد ثمان سنوات، في سنة 1819 م، وفقدت الجيوش المصرية آلافًا من أبنائها، ولقيت هزائم كادت تودي بها، وأخيرًا تم النصر لمحمد علي، بعد أن ارتكب من الفظائع ما لا يستحله مسلم، واستباح الديار والأموال والنساء، وهدم المدن، فكان هو وابنه إبراهيم وسائر أولاده طغاة من شر الطغاة.

أما المعركة الثالثة في الأهمية فهي تلك التي قال فيها بعضهم: إن كلام العرب في باب (الحكم): أن عبارة (القتل أنفى للقتل) أبلغ من الآية القرآنية: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)؛ إذ لم ينم "الرافعي" ليلته، بعد أن لفت الأستاذ الكبير "محمود" نظره إلى هذا الأمر بقوله: "ففي عنقك أمانة المسلمين جميعًا، لتكتبن في الرد على هذه الكلمة الكافرة لإظهار وجه الإعجاز في الآية الكريمة، وأين يكون موقع الكلمة الجاهلية منها"؟

واستطاع الرافعي ببلاغته أن يقوض هذا الزعم من أساسه بمقالاته: (كلمة مؤمنة في رد كلمة كافرة)، التي عدَّد فيها وجوه الإعجاز في الآية الكريمة: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ). ولأنه كان يشعر أنه صاحب رسالة فإنه كان ينتفض حين يرى انتهاك حرمة من حرمات اللغة العربية، فيقف مدافعًا عنها بكل ما يملك من أدوات علمية وفكرية، تجعل الخصم يسلم بما يقول أو يلوي هاربًا. ومعاركه كلها جمعت في كتب، وصارت وثائق في تاريخنا الفكري الحديث، كتبها هو من موقع المدافع والحارس لثقافة الأمة، ولولا خصومه لما ظهرت معظم مؤلفاته؛ لأنها كانت استجابة لتحديات عظيمة، وهي تظهر عظمة شاكر؛ لأنه لم يحتشد لها مثلما يحتشد المؤلفون عند تأليف كتبهم، وإنما دخلها كارهًا مستندًا إلى ثقافة واسعة وعلم غزير، وفكر ثاقب، وروح وثابة، فأتى بالعجب العجاب.

فأبو فهر. وما أدراك ما أبو فهر. إن نظرة خاطفة في كلمات سطرتها أنامله تنبيك عنه. وتجعلك تَرِد إليه قسرًا بلا إجبار، ومُرغمًا بلا إعسار.

فلما أخذ أبو فهر يعالج قضية الاستهانة بعلوم الأوائل في مطلع تحقيقه لكتاب (أسرار البلاغة) للجرجاني، انتثرت من مكنون فرائده بعض قواعدَ، كانت قبل انكشافها دفينةً، لم يرعَها كثير من أدعياء العلم. أذكر منها :

(الاستهانة داء وبيل، يطمس الطرق المؤدية إلى العلم والفهم).

(ذهبت نظرية الدكتور طه في الشعر الجاهلي بددًا، لأنها لم تقم على أساس صحيح من العلم والنظر).

(كتاب سيبويه لا يعلم طالبَ العلمِ النحوَ، إلا إذا مهَّد له الطريق ابنُ عقيل وابنُ هشام والأشموني، وإلا فقد قذف نفسه في المهالك).

ومن أقواله: (فمن الغفلة التي تطمس القلب والعين والعقل، أن يعرف ذلك إنسان له بقية من نخوة أو كرامة، أو عقل، ثم لا يعيد النظر في كل من أمور الأمة العربية والإسلامية، ليرى أثر إصبع التبشير العامل على تحطيم النفس العربية المسلمة، في كل ناحية من نواحي الحياة الأدبية والسياسية والاجتماعية، وليبصر عيانًا صدوع التحطيم والهدم ظاهرة في حياتنا، وليدرك أن العدو الذي يريدنا أن نعتنق مبادئ الحضارة الغربية، وأن يفشي طريقة العيش الغربية، إنما يريد أن يقوض بناءً كاملا، تمّ كماله في قرون متطاولة، وبقي يقارع الخطوب والأحداث والنكبات دهورًا، محتفظًا بقوته وكيانه، ولم يجترئ عليه العالم الأوروبي المسيحي، إلا بعد طول تردد). من كتاب أباطيل وأسمار.

وقال أخوه الشيخ العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعقيبًا على أثر ابن عباس في تفسيره: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ): "إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة، إنه كفر دون كفر".

وهذه الآثار عن ابن عباس وغيره، مما يلعب بها المضللون في عصرنا هذا، من المنتسبين للعلم، ومن غيرهم من الجرآء على الدين: يجعلونها عذرًا أو إباحة للقوانين الوثنية الموضوعة، التي ضربت على بلاد الإسلام.

وذكر الشيخ أحمد شاكر نص رواية الطبري، ثم قال: فكتب أخي السيد محمود، بمناسبة هذين الأثرين ما نصه:

"اللهم إني أبرأ إليك من الضلالة، وبعد: فإن أهل الريب والفتن من تصدروا للكلام في زماننا هذا، قد تلمس المعذرة لأهل السلطان في ترك الحكم بما أنزل الله، وفي القضاء في الدماء والأعراض والأموال بغير شريعة الله، التي أنزلها في كتابه، وفي اتخاذهم قانون أهل الكفر شريعة في بلاد الإسلام. فلما وقف على هذين الخبرين، اتخذهما رأيًا يرى به صواب القضاء في الأموال والأعراض والدماء بغير ما أنزل الله، وأن مخالفة شريعة الله في القضاء العام لا تكفر الراضي بها، والعامل عليها.

وإذن، فلم يكن سؤالهم عما احتج به مبتدعة زماننا، من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام، بالاحتكام إلى حكم غير حكم الله في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم. فهذا الفعل إعراض عن حكم الله، ورغبة عن دينه، وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه.

والذي نحن فيه اليوم، هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء، وإيثار أحكام غير حكمه في كتابه وسنة نبيه، وتعطيل لكل ما في شريعة الله، بل بلغ الأمر مبلغ الاحتجاج على تفضيل أحكام القانون الموضوع على أحكام الله المنزلة، وادعاء المحتجين لذلك بأن أحكام الشريعة إنما نزلت لزمان غير زماننا، ولعلل وأسباب انقضت، فسقطت الأحكام كلها بانقضائها. فأين هذا مما بيناه من حديث أبي مجلز والنفر من الإباضية من بني عمرو بن سدوس!

ولو كان الأمر على ما ظنوا في خبر أبي مجلز، أنهم أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة، فإنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أنْ سنّ حاكم حكمًا وجعله شريعة ملزمة للقضاء بها. هذه واحدة. وأخرى: أن الحاكم الذي حكم في قضية بعينها بغير حكم الله فيها، فإنه إما أن يكون حكم بها وهو جاهل، فهذا أمره أمر الجاهل بالشريعة. وإما أن يكون حكم بها هوى ومعصية، فهذا ذنب تناله التوبة، وتلحقه المغفرة. وإما أن يكون حكم به متأولاً حكمًا خالف به سائر العلماء، فهذا حكمه حكم كل متأول، يستمد تأويله من الإقرار بنص الكتاب، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما أن يكون كان في زمن أبي مجلز أو قبله أو بعده حاكم حكم في أمر جاحدًا لحكم من أحكام الشريعة، أو مؤثرًا لأحكام أهل الكفر على أحكام أهل الإسلام، فذلك لم يكن قط. فلا يمكن صرف كلام أبي مجلز والإباضيين إليه. فمن احتج بهذين الأثرين وغيرهما في غير بابها، وصرفها إلى غير معناها، رغبة في نصرة سلطان، أو احتيالاً على تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله وفرض على عباده، فحكمه في الشريعة حكم الجاحد لحكم من أحكام الله: أن يستتاب، فإن أصر وكابر وجحد حكم الله، ورضي بتبديل الأحكام، فحكم الكافر المصر على كفره معروف لأهل هذا الدين.

فهذه واحدة من إبداعات محمود شاكر، وثانيها وأنت تنظر إلى قول الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) بعد ذكر أقوال أهل العلم فيها: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عباس، وهو أن "الدرجة" التي ذكر الله في هذا الموضع، الصفحُ من الرجل لامرأته عن بعض الواجب عليها، وإغضاؤه لها عنه، وأداء كل الواجب لها عليه.

وهذا هو المعنى الذي قصده ابن عباس بقوله: (ما أحب أن أستنظف جميع حقي عليها، لأن الله تعالى يقول: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ). وهذا القول من الله تعالى، وإن كان ظاهرُه ظاهر الخبر، فمعناه معنى ندب الرجال إلى الأخذ على النساء بالفضل، ليكون لهم عليهن فضل درَجة).

وهنا علق العلامة محمود شاكر قائلاً: (لم يكتب الطبري ما كتب على سبيل الموعظة، كما يفعل أصحاب الرقائق والمتصوفة، بل كتب بالبرهان والحجة الملزمة، ثم أتبع ذلك بندب الرجال إلى فضيلة من فضائل الرجولة، لا ينال المرء فضلها إلا بالعزم والتسامي، وهو أن يتغاضى عن بعض حقوقه لامرأته، فإذا فعل ذلك فقد بلغ من مكارم الأخلاق منزلة تجعل له درجة على امرأته. ومن أجل هذا الربط الدقيق بين معاني هذا الكتاب البليغ جعل أبو بكر هذه الجملة حثًّا وندبًا للرجال على السمو إلى الفضل، لا خبرًا عن فضل قد جعله الله مكتوبًا لهم، أحسنوا فيما أمرهم به أم أساءوا.

والطبري لم يغفل قط عن هذا الترابط الدقيق بين معاني الكتاب، بل هو لا ينسى أبدًا أن هذا الكتاب جاء ليعلم الناس، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، وأنه جاء ليؤدبهم بأدب رب العالمين، فيربط بين هذا الأدب الذي دل عليه التنزيل، وبينته سنة رسول الله، ويخرج من ذلك بمثل هذا الفهم الدقيق لمعاني كتاب الله مؤيدًا بالحجة والبرهان.

وأحب أن أقول: إن التخلق بآداب كتاب الله يهدي إلى التفسير الصحيح، كما تهدي إليه المعرفة بلغة العرب، وبناسخ القرآن ومنسوخه، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فالأخلاق أداة من أدوات العلم كسائر الأدوات؛ ولولا ما كان عليه هذا الإمام من عظيم الخلق ونبيل الأدب، لما وقف وحده بين سائر المفسرين عند هذه الآية، يستخرج منها هذا المعنى النبيل العظيم، الذي أدب الله به المطلِّقين، وحثهم عليه، وعرَّفهم به فضل ما بين اقتضاء الحقوق الواجبة، والعفو عن هذه الحقوق، لمن وضعها الله تحت يده، فملَّكه طلاقها وفراقها، ولم يملّكها من ذلك مثل الذي ملّكه).

وفي أخريات عمره نال جائزة الدولة التقديرية في الأدب 1981م، ثم جائزة الملك فيصل في الأدب العربي 1984م، وفي أثناء ذلك اختير عضوًا في مجمع اللغة العربية بدمشق، ثم بالقاهرة.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 8 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-08-2019 - 03:24 PM ]


وبعد رحلة حياة عريضة رحل أبو فهر شيخ العربية وإمام المحققين في 3 ربيع الآخر 1418هـ 6 أغسطس 1997م)، ولبى نداء ربه.. فسلام عليك أبا فهر.

لعمرك ما الرزية فقد مالٍ

ولا شاةٌ تموت ولا بعيرُ

ولكـنَّ الـرَّزيــة فَــقـــدُ قَـــرْمٍ

يموت بموته بشرٌ كثيرُ

رحل كأنه طيف جاء ثم ذهب، لم يشعر به إلا القليل ممن يعرفون للرجال مقاماتهم وحقوقهم، مضى غريبًا كما تعيش محبوبته (اللغة العربية) غريبة كذلك بين أهلها.

لقد كان الأستاذ محمود كما أراده أستاذه الرافعي حين قال له: "إن من الناس من يختارهم الله، فيكونون قمح هذه الإنسانية، ينبتون ويحصدون ويعجنون ويخبزون، ليكونوا غذاء الإنسانية في بعض فضائلها.

وقد كان الأستاذ محمود قمح هذه الإنسانية، حيث أمضى حياته في رحلات علمية طويلة، وعطاءات فياضة، لخدمة الإسلام والدفاع عن أصوله ومبادئه، والوقوف أمام تيارات الحداثة والتغريب، والرد على أذناب التنوير المزعوم. رحل مودعًا سجن الدنيا، إلى جوار ربه، تاركًا نموذجًا طيبًا، وقدوة حسنة، وفكرًا إسلاميًّا رائعًا، فرحمه الله رحمة واسعة، وجمعه بالحبيب محمد صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى من الجنة.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 9 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-08-2019 - 03:26 PM ]


المحقق محمود محمد شاكر - د. مروان الظفيري
أضافه مجهول في السبت, 07/05/2008 - 14:41
الجرأة في الحق ، ومواجهة الباطل:
وربما كان في وسع محمود محمد شاكر أن يكون أحد علماء الرياضيات ، أو فروع الطبيعة بعد حصوله على شهادة البكالوريا: (الثانوية العامة) من القسم العلمي سنة 1925 لكنه فضل أن يدرس العربية في كلية الآداب ، وكاد قانون الجامعة أن يحول بينه وبين الالتحاق بقسم اللغة العربية، لولا تدخل طه حسين لدى أحمد لطفي السيد مدير الجامعة وإقناعه بأن يلتحق شاكر بكلية الآداب فأصدر قرارا بذلك.
وفي الجامعة استمع محمود محمد شاكر لمحاضرات طه حسين عن الشعر الجاهلي وهى التي عرفت بكتاب "في الشعر الجاهلي" ، ذلك الكتاب الذي صب فيه طه حسين أحقاده وأضغانه وما تلقاه عن أسياده في الغرب على الفكر العربي وعلى التراث العربي ، وكم كانت صدمته حين ادعى طه حسين أن الشعر الجاهلي منتحل !!؟؟ ، وأنه كذب ملفق لم يقله أمثال امرئ القيس وزهير بن أبي سلمى ، وإنما ابتدعه الرواة في العصر الإسلامي ، وضاعف من شدة هذه الصدمة أن ما سمعه من المحاضر الكبير سبق له أن قرأه بحذافيره في مجلة استشراقية بقلم المستشرق الإنجليزي مرجليوث.

وتتابعت المحاضرات حول هذا الموضوع، ومحمود محمد شاكر عاجز عن مواجهة طه حسين بما في صدره ، وتمنعه الهيبة والأدب أن يقف مناقشا أستاذه ، وظل على ذلك زمنا لا يستطيع أن يتكلم حتى إذا لم يعد في الصبر والتحمل بقية ، وقف يرد على طه حسين في صراحة وبغير مداراة، لكنه لم يستطع أن يواجهه بأن ما يقوله: إنما هو سطو على أفكار مرجليوث بلا حياء أو اكتراث.
وتولد عن شعوره بالعجز عن مواجهة التحدي خيبة أمل كبيرة ، فترك الجامعة غير آسف عليها ، وهو في السنة الثانية ، ولم تفلح المحاولات التي بذلها أساتذته وأهله في إقناعه بالرجوع ، وسافر إلى الحجاز سنة 1928 م مهاجرا ، وأنشأ هناك مدرسة ابتدائية عمل مديرا لها، حتى استدعاه والده الشيخ محمد شاكر فعاد إلى القاهرة.
عبقريته في إكتشاف شاعر العربية الأكبر ، مالئ الدنيا وشاغل الناس

وبعد عودته سنة 1929م ، انصرف إلى قراءة الأدب ، ومطالعة دواوين شعراء العربية على اختلاف عصورهم ، حتى صارت له ملكة في تذوق الشعر والتفرقة بين نظمه وأساليبه ، وبدأ ينشر بعض قصائده الرومانسية في مجلتي "الفتح" ، و"الزهراء" للشيخ العلامة الأستاذ محب الدين الخطيب ، واتصل بأعلام عصره من أمثال: أحمد تيمور ، وأحمد زكي باشا ، والخضر حسين ، ومصطفى صادق الرافعي الذي ارتبط بصداقة خاصة معه.
ولم يكن محمود محمد شاكر معروفا بين الناس قبل تأليفه كتابه: "المتنبي" الذي أثار ضجة كبيرة بمنهجه المبتكر ، وأسلوبه الجديد في البحث ، وهو يعد علامة فارقة في الدرس الأدبي نقلته من الثرثرة المسترخية إلى البحث الجاد.
والعجيب أن محمود محمد شاكر الذي ألف هذا الكتاب سنة 1936م ، ولم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره ، ولم يكن يقصد تأليف كتاب عن المتنبي، إنما كان مكلفا من قبل فؤاد صروف ، رئيس تحرير مجلة المقتطف ، بأن يكتب دراسة عن المتنبي مسهبة بعض الإسهاب ما بين عشرين إلى ثلاثين صفحة، ولكن هذا التكليف تحول على يد محمود محمد شاكر كتابا مستقلا عن المتنبي ، أنجزه في فترة زمنية قصيرة على نحو غير مسبوق ، ونشرته مجلة المقتطف في عددها الصادر في السادس من شوال سنة1354هـ ، في الأول من يناير سنة 1936م، واستهل فؤاد صروف مجلته بقوله:
هذا العدد من المقتطف يختلف عن كل عدد صادر منذ سنتين إلى يومنا هذا، فهو في موضوع واحد ولكاتب واحد.
وقد اهتدى شاكر في كتابه إلى أشياء كثيرة لم يكتبها أحد من قبله استنتجها من خلال تذوقه لشعر المتنبي:
فقال: بعلوية المتنبي ،
وأنه ليس ولد أحد السقائين بالكوفة كما قيل، بل كان علويا ، نشأ بالكوفة ، وتعلم مع الأشراف في مكاتب العلم ،
وقال: بأن المتنبي كان يحب خولة أخت سيف الدين الحمداني ، واستشهد على ذلك من شعر المتنبي نفسه.
وتم استقبال الكتاب بترحاب شديد ، وكتب عنه مصطفى صادق الرافعي مقالة رائعة أثنى بها عليه ، وعلى مؤلفه.
وكان هذا الكتاب فتحا جديدا في الدرس الأدبي ، وتحديا لأدباء العصر، فكتب بعده عبد الوهاب عزام كتابه "المتنبي في ألف عام"، وطه حسين "مع المتنبي".
وقد اتهمهما الأستاذ محمود محمد شاكر بأنهما احتذيا منهجه ، احتذاءً تاماً ، حذوة للقذة للقذة ، وقد سطيا بوضوح تام على بعض آرائه ، دون استحياء ، ولا خجل ، وهاجم محمود محمد شاكر ما كتبه طه حسين في سلسلة مقالات بلغت (12) مقالا في جريدة البلاغ تحت عنوان: "بيني وبين طه حسين".
العلامة محمود محمد شاكر أصبح قبلة للأدباء والعلماء ، وبيته قبلة للمسلمين شرقاً وغرباً يحجون إليه طلباً للبحث والمعرفة:
كانت فترة الخمسينيات فترة مشهودة في حياة محمود محمد شاكر، فقد ترسخت مكانته العلمية وعرف الناس قدره، وبدأت أجيال من الدارسين للأدب والتراث العربي والإسلامي من أماكن مختلفة من العالم العربي والإسلامي يفدون إلى بيته ، يأخذون عنه ، ويفيدون من علمه ومكتبته الغنية الحافلة، من أمثال: ناصر الدين الأسد وإحسان عباس، وأحمد راتب النفاخ ، وشاكر الفحام ، وإبراهيم شبوح ، وغيرهم كثير لا يحصون عداً.
فضلا عن كثير من أعلام الفكر الذي كانوا يحرصون على حضور ندوته الأسبوعية كل يوم جمعة عقب صلاة المغرب ، مثل فتحي رضوان ويحيى حقي ، ومحمود حسن إسماعيل، ومالك بن نبي ، وأحمد حسن الباقوري ، وعلال الفاسي ، وعبد الرحمن بدوي ، وعبد الله الطيب........................................
وشهدت هذه الندوة الدروس الأسبوعية التي كان يلقيها محمود محمد شاكر على الحاضرين في شرح القصائد الشعرية التي تضمنها كتاب الأصمعيات (وهو اختيارات شعرية مطولة لعبد الملك بن قريب الأصمعي) ، وقد انتفع بهذه الدروس كثيرون.
وكان الأديب الكبير يحيى حقي يعلن في كل مناسبة: أن محمود محمد شاكر هو أستاذه الذي علمه العربية ، وأوقفه على بلاغتها ، وأن ترجمات كتب مالك بن نبي خرجت من بيت شاكر، فقد قام أحد أفراد ندوته وترجمها إلى العربية وهو الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين ، وكان آنذاك شابا صغيرا في بداية مشواره العلمي.
وفي ندواته الفكرية في بيته كان يعارض رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر علانية ، ويسخر من رجالات الثورة ، ويستنكر ما يحدث للأبرياء في السجون من تعذيب وإيذاء ، وكان يفعل ذلك أمام زواره ، ومن بينهم من يشغل منصب الوزارة ، كالشيخ أحمد حسن الباقوري ، وزير الأوقاف آنذاك ، ونتيجة لذلك لم يسلم شاكر من بطش السلطة ، فألقت القبض عليه سنة 1959م ، وبقي رهن السجن تسعة أشهر ، حتى تدخلت شخصيات عربية، فأفرج عنه وعاد لمواصلة نشاطه في تحقيق كتاب: (تفسير الطبري) الذي بدأ في نشره من قبل ، وانتظمت ندوته مرة أخرى.
ومما هو جدير بالذكر أن تفسير الطبري من أهم التفاسير في المكتبة العربية والإسلامية ؛ لأن محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310 هـ ، يعد شيخ المحققين والمفسرين.
ومما يؤسف له أن الشيخ العلامة محمود محمد شاكر لم يتم هذا التفسير ، حيث توقف فيه عند الجزء السادس عشر ، وهو المطبوع منه ، حتى الآن ، ولو تم هذا الكتاب لعد معلمة هامة في التفسير ، وعلوم القرآن.

بركانه: كتاب أباطيل وأسمار
ودفاعه عن العروبة والإسلام ، أمام الصليبية والتبشير:
وظل محمود محمد شاكر في عزلته الاختيارية بين كتبه وتلاميذه ومحبيه، لا يشارك في الساحة الفكرية بمقالاته ، وآرائه ، حتى بدأ لويس عوض في نشر سلسلة مقالات له في جريدة الأهرام سنة 1964م ، تحت عنوان "على هامش الغفران" ، ويقصد بذلك: كتاب رسالة الغفران ، لأبي العلاء المعري ، الشاعر العباسي الشامي ، رهين المحبسين ، شاعر الفلاسفة ، وفيلسوف العلماء.
وكان الكاتب لويس عوض قد لمع نجمه بعد تعيينه مستشارا ثقافيا لجريدة الأهرام، وأصبح مهيمنا على أمور الثقافة في مصر ، وصار له حواريون وسدنة يبشرون بآرائه.
وقد أثارت مقالات لويس عوض موجة من الشغب بين أوساط كثير من المثقفين ؛ لما فيها من تحامل على الشاعر أبي العلاء المعري، ولم يجرؤ أحد على الرد على هذا الدعي سوى الأستاذ محمود محمد شاكر ، الذي خرج من عزلته ، وانبرى للويس عوض في سلسلة من المقالات المبهرة في مجلة الرسالة ، كشفت عما في مقالات لويس عوض من الوهم والخلط التاريخي والتحريف في الاستشهاد بشعر أبي العلاء المعري، وعدم تمحيص الروايات التاريخية، والادعاء بتلقي المعري علوم اليونان على يد أحد الرهبان.
وكانت مقالات محمود محمد شاكر التي ظهرت تباعا حدثا ثقافيا مدويا كشفت عن علم غزير ومعرفة واسعة بالشعر وغيره من الثقافة العربية، وقدرة باهرة على المحاجاة والبرهان، ولم تقف هذه المقالات التي بلغت ثلاثا وعشرين مقالة عند حدود الرد على كلام لويس عوض، بل انتقلت إلى الحديث عن الثقافة والفكر في العالم العربي والإسلامي، وما طرأ عليها من غزو فكري ولا سيما حركة التبشير التي غزت العالم الإسلامي.
وتدخل الناقد الكبير الأستاذ محمد مندور عند محمود محمد شاكر ؛ ليوقف مقالاته هذه لكن دون جدوى، وأصاب لويس عوض الذعر والهلع من مقالات محمود محمد شاكر التي فضحته بين أوساط المثقفين، وكشفت عن ضعف ثقافته حتى في تخصصه في الأدب الإنجليزي ، حين كشف محمود محمد شاكر عن فساد ترجمته العربية لمسرحية الضفادع لأرسطوفان، وراح لويس عوض يطوف على المجلات والصحف يستنصرهم ويستصرخهم بصليبيته القذرة ، ضد محمود محمد شاكر ، ويزعم أن المعركة بينهما معركة دينية ، ولم يتوقف محمود محمد شاكر عند كتابة مقالاته ، حتى أغلقت مجلة الرسالة نفسها ، وألقي به في غياهب السجن سنتين وأربعة أشهر ، من آخر شهر أغسطس سنة 1965م ، حتى آخر شهر ديسمبر سنة 1967م.
وقد جمعت هذه المقالات في كتابه "أباطيل وأسمار" الذي يعد من أهم الكتب التي ظهرت في المكتبة العربية في النصف الأخير من القرن العشرين.
ومما هو جدير بالذكر: أن كتابات محمود محمد شاكر ، يجب ، وأقول يجب ، على كل غيور على العروبة والإسلام أن يقرأها ، وهي ليست كتابات أدبية ، بل هي كتابات إسلامية ، بكل معنى الكلمة.

معارك فكرية أخرى:
وبعد خروجه من السجن هذه المرة عاد إلى ما كان عليه من قبل، فكتب في مجلة "المجلة"سبع مقالات إضافية تحت عنوان "نمط صعب، نمط مخيف" استجابة لصديقه الأديب يحيى حقي، حين أشاد بترجمة الشاعر الألماني "جوته" لقصيدة من قصائد الشاعر الجاهلي "تأبط شرا".
وتساءل حول الترتيب الذي اقترحه الشاعر الألماني حين ترجم القصيدة إلى الألمانية، وحول الشعر القديم وروايته وافتقاد القصيدة العربية إلى الوحدة.
وقد اقتضت الإجابة حول هذه الأسئلة تشعبا في الكلام، وامتدادا في أطرافه بلغ (400 صفحة) حين جمع المقالات في كتاب، وقد تخلل ذلك نقد محكم للدكتور عبد الغفار مكاوي حين أعاد ترجمة قصيدة جوته إلى العربية، ودارت بينهما معركة قصيرة حول هذه الترجمة التي اتهمها محمود محمد شاكر بالركاكة والسقم.
ثم دارت معركة أخرى بينه ، وبين الباحث العراقي الدكتور علي جواد الطاهر حول تحقيقه كتاب "طبقات فحول الشعراء" لابن سلام الجمحي.
وتولد عن ذلك كتابه "برنامج طبقات فحول الشعراء".
منهجه في تحقيق كتب التراث العربي:
يعد محمود محمد شاكر على رأس قائمة محققي كتب التراث العربي ، وأطلق عليه عباس محمود العقاد: المحقق الفنان.
وإنجازاته في هذا المجال كثيرة، وهي عنوان على الدقة والإتقان، ومن أشهر الكتب التي حققها:
- تفسير الطبري (16 جزءا) ، ولم يتم ، وكان من المنتظر أن يتم في ثلاثين مجلداً.
- طبقات فحول الشعراء ، لابن سلام الجمحي(مجلدان).
- تهذيب الآثار ، لابن جرير الطبري (6 مجلدات).
- جمهرة أنساب قريش ، للزبير بن بكار.
- إمتاع الأسماع ، للمقريزي.
- أسرار البلاغة ، لعبد القاهر الجرجاني.
- دلائل الإعجاز ، لعبد القاهر الجرجاني.
- المكافئة وحسن العقبى ، لابن الداية.
- فضل العطاء على اليسر ، لأبي هلال العسكري.
ومن أشهر الكتب التي ألفها:
- المتنبي
- أباطيل وأسمار .
- رسالة في الطريق إلى ثقافتنا.
- برنامج طبقات فحول الشعراء.
- القوس العذراء (وهي قصيدة طويلة).
- نمط صعب ونمط مخيف.
- قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام الجمحي.
- وقد جمع صديقي وأخي الدكتور عادل سليمان جمال ، مجموع مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر في مجلدين ، تحت اسم:
جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر وجاءت في (1274) صفحة ، من الحجم الكبير ، وهو كتاب جدير بالقراءة.
وفيه مقدمة ضافية عن أستاذنا الكبير نحو 40 صفحة ، وهي عبارة عن مذكرات للمؤلف عن أستاذه الشيخ العلامة.....................................الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة سنة 2003م.
و محمود محمد شاكر لا يحب أن يوصف بأنه محقق لنصوص التراث العربي، وإنما يحب أن يوصف بأنه قارئ وشارح لها ، وهو يكتب على أغلفة الكتب التي يقوم بتحقيقها عبارة: "قرأه وشرحه" ، وهذه العبارة كما يقول الدكتور محمود الربيعي: "هي الحد الفاصل بين طبيعة عمله ، وطبيعة عمل غيره من شيوخ المحققين ، إنه يوجه النص ويبين معناه بنوع من التوجيه ، أو القراءة التي تجعله محررا ؛ لأنها قراءة ترفدها خبرة نوعية عميقة بطريقة الكتابة العربية ، وهو إذا مال بالقراءة ناحية معينة أتى شرحه مقاربا، وضبطه مقنعا، وأفق فهمه واسعا، فخلع على النص بعض نفسه وأصبح كأنه صاحبه ومبدعه".
أخلاقه وزهده وورعه:
لم يكن محمود محمد شاكر في يوم من الأيام موظفا يمد يده نهاية كل شهر إلى مرتب ينتظره ، فتكون للحكومة كلمة نافذة في رزقه ومكانته، بل انقطع لعلمه ، وفكره ، ومكتبته العامرة ، وبحثه ، ودرسه ، وزملائه ، وتلاميذه ، كالراهب الذي انقطع للعبادة في صومعته.
وعاش على أقل القليل يكفيه ، ويسد حاجته ، ومرت عليه سنوات عجاف لكنه لم ينحن أو يميل على الرغم من أن بيته كان مفتوحا لتلاميذه ، وأصدقائه ، وعارفي فضله.
ولم يكن له من مورد سوى عائده من كتبه التي كان يقوم بتحقيقها، وكان اسمه على صدرها يضمن لها النجاح والرواج، ولم يكن يأخذ شيئا على مقالاته التي يكتبها، فأعاد لمجلة العربي الكويتية سنة 1982م مائة وخمسين دولارا نظير مقالة كتبها ردا على الكاتب اليمني عبد العزيز المقالح حول طه حسين، ورفض أن يتسلم من دار الهلال مكافأته عن تأليفه كتابه المهم "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا".
ولأنه كان يشعر أنه صاحب رسالة فإنه كان ينتفض حين يرى انتهاك حرمة من حرمات اللغة العربية فيقف مدافعا عنها بكل ما يملك من أدوات علمية وفكرية، تجعل الخصم يسلم بما يقول ، أو يلوي هاربا.
ومعاركه كلها جمعت في كتب ، وصارت وثائق في تاريخنا الفكري الحديث ، كتبها هو من موقع المدافع ، والحارس لثقافة الأمة ، ولولا خصومه لما ظهرت معظم مؤلفاته ؛ لأنها كانت استجابة لتحديات عظيمة ، وهي تظهر عظمة شاكر ؛ لأنه لم يحتشد لها مثلما يحتشد المؤلفون عند تأليف كتبهم ، وإنما دخلها كارها مستندا إلى ثقافة واسعة ، وعلم غزير ، وفكر ثاقب ، وروح وثابة ، فأتى بالعجب العجاب.
وفي أخريات عمره رد له بعض الاعتبار ، فنال جائزة الدولة التقديرية في الأدب سنة 1981م.
ثم جائزة الملك فيصل في الأدب العربي عام 1984م.
وفي أثناء ذلك اختير عضوا في مجمع اللغة العربية بدمشق ، ثم بالقاهرة.
وبعد رحلة حياة عريضة رحل أبو فهر شيخ العربية وإمام المحققين في الساعة
الخامسة من عصر الخميس الموافق 3 من ربيع الآخر 1418هـ= 6 من (آب) أغسطس (1997م) ، ولبى نداء ربه..
رحمه الله ، وأسكنه فسيح جنانه ، لما قدمه من خير للغة كتابه ، ودفاعاً عن حياض الإسلام أمام المعتدين من الحاقدين والمبشرين وغيرهم.

وأخيراً وليس آخراً:
يعد الأستاذ العلامة الكبير محمود محمد شاكر:
ظاهرة فريدة في الأدب والثقافة العربية الحديثة، فهو كاتب له طريقته الخاصة لا تبارى أو تحاكى، وشاعر مبدع حقق في الإبداع الشعري ما بلغ ذروته في قصيدته "القوس العذراء" ، ومحقق بارع لكتب التراث العربي والإسلامي ، قادر على فك رموزها وقراءة طلاسمها ، ومفكر متوهج العقل ينقض أعتى المسلمات، ومثقف واسع الاطلاع في صدره أطراف الثقافة العربية كلها فكانت عنده كتابا واحدا.
غير أن العلامة الشيخ محمود محمد شاكر ظل سنوات طويلة في عزلة اختارها لنفسه، يقرأ ويدرس ويصدح في واحته الظليلة، لا يسمع غناءه إلا المقربون منه من تلامذته ومحبيه تاركا الدنيا ببريقها وأضوائها وراء ظهره، ولم يخرج من واحته إلا شاكي السلاح ، مستجيبا لدعوة الحق ، حين يشعر بأن ثقافة أمته يتهددها الخطر ، فيقصم بقلمه الباتر زيف الباطل، ويكشف عورات الجهلاء المستترين وراء الألقاب الخادعة؛ ولذلك جاءت معظم مؤلفاته استجابة لتحديات شكلت خطرا على الثقافة العربية.
ولم يجد الزمان بمثله إلا في ديار الشام ، وهو أستاذنا وشيخنا علامة الديار الشامية ، وخليفة علامة الديار المصرية الشيخ الفاضل أحمد راتب النفاخ ، والذي كان يقول عنه الأستاذ محمود محمد شاكر في كتبه ، عندما يذكره:
تلميذي وشيخي وأستاذي بعد ذلك أحمد راتب النفاخ.
---------
المصدر : منتديات الجمعية الدولية للمترجمين العرب :
http://www.arabswata.org/forums/showthread.php?t=634

التصنيف الرئيسي:
نادي البَحْثِ العِلْمِيّ
التصنيف الفرعي:
عالم المخطوطات و نشر الكتب


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 10 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-08-2019 - 03:29 PM ]


الشيخ محمود محمد شاكر
الفائز بجائزة الملك فيصل لعام
ظ،ظ¤ظ*ظ¤هـ/ظ،ظ©ظ¨ظ¤م

اللغة العربية والأدب


الموضوع : الدراسات التي تناولت الأدب العربي في القرن الرابع الهجري
سيرة ذاتية
الجنسية: جمهورية مصر العربية
وُلِد الشيخ محمود محمّد شـاكر لأسرة من أشراف جرجا في صعيد مصر سنة ظ،ظ£ظ¢ظ§هـ/ظ،ظ©ظ*ظ©م. ونشأ في بيت علم ودين، فقد كان أبوه شيخ علماء الإسكندرية وأصبح وكيلاً للأزهر، أما أخوه الشيخ أحمد شاكر فكان واحداً من كبار محدّثي عصره. وقد تلَّقى الأستاذ محمود محمد شاكر تعليمه الأساسي في القاهرة، وكان في البداية شغوفاً بتعلُّم الانجليزية والرياضيات، ثم تعلَّق بدراسة الأدب العربي وقراءة عيونه. ورغم أن شهادته الثانوية العامة كانت في القسم العلمي فقد فضّل أن يدرس العربية في كلية الآداب بالجامعة المصرية، ولكنه ترك الدراسة بعد سنتين لخلاف شديد نشب بينه وبين أستاذه الدكتور طه حسين، حول منهج دراسة الشعر الجاهلي، وهاجر إلى السعودية حيث أنشأ – بتكليف من الملك عبد العزيز آل سعود – مدرسة جدّة الابتدائية، وتولَّى إدارتها عدّة سنوات، ثم تفرَّغ منذ سنة ظ،ظ£ظ¤ظ¤هـ/ظ،ظ©ظ¢ظ¥م للتأليف والتحقيق ونشر النصوص فأخرج جملة من أمهات الكتب العربية مثل: تفسير الطبري، وطبقات فحول الشعراء، لمحمد بن سلام الجمحي، وجمهرة نسب قريش، للزبير بن بكار، وشارك في إخراج الوحشيات لأبي تمام، وشرح أشعار الهذليين، كما ألَّف كتابه الشهير أباطيل وأسمار، وأعاد طبع كتابه عن المتنبي، الذي أثار ضجة عند ظهوره بمنهجه المبتكر وأسلوبه الجديد في البحث وشكّل علامة فارقة في الدرس الأدبي الجاد. كما نشر مئات المقالات في المجلاّت الأدبية والثقافية داخل مصر وخارجها.

وفي سنة ظ،ظ£ظ§ظ¦هـ/ظ،ظ©ظ¥ظ§م، أسس الشيخ شاكر مع آخرين مكتبة دار العروبة لنشر كنوز الشعر العربي ونوادر التراث، وكُتب بعض المفكرين، وأصبح بيته مقصد أجيال من دارسي التراث العربي والمعنيين بالثقافة الإسـلامية من مختلف أرجاء العالمين العربي والإسلامي، من أمثال ناصرالدين الأسد، وإحسان عبّاس، وشاكر الفحّام، وعبد الصبور شاهين، ومحمّد يوسف نجم، وكثيرون غيرهم. واختير عضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق، ومجمع اللغة العربية بالقاهرة، والمجلس الاستشاري لمؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي بلندن، ومُنِح جائزة الدولة التقديرية في الآداب من الحكومة المصرية سنة ظ،ظ¤ظ*ظ،هـ/ظ،ظ©ظ¨ظ،م، أعقبها حصوله – في السنة التالية – على جائزة الملك فيصل العالمية.

كان محمود شاكر كاتباً لا يُبارى، وشاعراً مبدعاً، ومحقّقاً بارعاً للتراث، ومفكراً متوهج العقل، ومثقفاً واسع الاطلاع. وإذا كان مؤلفاه القيِّمان: المتنبي، وأباطيل وأسمار، في طليعة مؤلفاته فإن ما حقّقه من الكتب لا يقلُّ أهمية، ومنها: فضل العطاء على العسر؛ وامتناع الأسماع، لتقي الدين المقريزي؛ والمكافأة وحسن العقبى، لأحمد بن يوسف الداية الكاتب؛ وتفسير الطبري – جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للإمام الطبري، وجمهرة نسب قريش وأخبارها، للزبير بن بكار، وكتاب الوحشيات لأبي تمام.

مُنِح الأستاذ محمود محمد شاكر الجائزة؛ وذلك تقديراً لإسهاماته القيّمة في مجال الدراسَات التي تناولت الادب العربي القديم والممثلَّة في:
ظ،- تأليفه كتاب “المتنبي” سنة ظ،ظ©ظ£ظ¦ م، والذي حمل كثيراً من القيم العلمية والأدبية العالية، منها: التعمُّق في الدراسة والجهد والاستقصاء، والقدرة على الاستنتاج والدقة في التذوّق، والربط المحكم بين الشعر وأحداث الحياة، والكشف عن ذلك في تطوُّر أساليب المتنبي.
ظ¢- الآفاق العلميّة الجادّة التي ارتادها، وما كان من فضله على الدراسات الأدبية والفكرية، وعلى الحياة الثقافية والتراث الإسلامي.
ظ£- مواقفه العامة، وتحقيقاته ومؤلّفاته الأخرى، التي ترتفع به إلى مستوى عالٍ من التقدير.

تُوفِّي الشيخ محمود شاكر، رحمه الله، سنة ظ،ظ¤ظ،ظ¨هـ/ظ،ظ©ظ©ظ§م، وبرحيله فقدت الثقافة العربية واحداً من شيوخ اللغة العربية وأئمة المحققين.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 11 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-08-2019 - 03:31 PM ]


الأديب محمد شاكر
الشيخ محمود شاكر.. بين التحدي والاستجابة

ظاهرة فريدة في الأدب والثقافة العربية الحديثة، فهو كاتب له طريقته الخاصة لا تبارى أو تحاكى، وشاعر مبدع حقق في الإبداع الشعري ما بلغ ذروته في قصيدته “القوس العذراء”، ومحقق بارع لكتب التراث، قادر على فك رموزها وقراءة طلاسمها، ومفكر متوهج العقل ينقض أعتى المسلمات، ومثقف واسع الاطلاع في صدره أطراف الثقافة العربية كلها فكانت عنده كتابا واحدا.

غير أن العلامة الشيخ محمود محمد شاكر ظل سنوات طويلة في عزلة اختارها لنفسه، يقرأ ويدرس ويصدح في واحته الظليلة، لا يسمع غناءه إلا المقربون منه من تلامذته ومحبيه تاركا الدنيا ببريقها وأضوائها وراء ظهره، ولم يخرج من واحته إلا شاكي السلاح مستجيبا لدعوة الحق حين يشعر بأن ثقافة أمته يتهددها الخطر، فيقصم بقلمه الباتر زيف الباطل، ويكشف عورات الجهلاء المستترين وراء الألقاب الخادعة؛ ولذلك جاءت معظم مؤلفاته استجابة لتحديات شكلت خطرا على الثقافة العربية.

البداية والتكوين

ينتمي محمود شاكر إلى أسرة أبي علياء من أشراف جرجا بصعيد مصر، وينتهي نسبه إلى الحسين بن علي رضي الله عنه، وقد نشأ في بيت علم، فأبوه كان شيخا لعلماء الإسكندرية وتولى منصب وكيل الأزهر لمدة خمس سنوات (1909-1913م)، واشتغل بالعمل الوطني وكان من خطباء ثورة 1919م، وأخوه العلامة أحمد شاكر واحد من كبار محدثي العصر، وله مؤلفات وتحقيقات مشهورة ومتداولة.

انصرف محمود شاكر -وهو أصغر إخوته- إلى التعليم المدني، فالتحق بالمدارس الابتدائية والثانوية، وكان شغوفا بتعلم الإنجليزية والرياضيات، ثم تعلق بدراسة الأدب وقراءة عيونه، وحفظ وهو فتى صغير ديوان المتنبي كاملا، وحضر دروس الأدب التي كان يلقيها الشيخ المرصفي في جامع السلطان برقوق، وقرأ عليه في بيته: الكامل للمبرد، والحماسة لأبي تمام.

المواجهة الخافتة

وربما كان في وسع شاكر أن يكون أحد علماء الرياضيات أو فروع الطبيعة بعد حصوله على شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) من القسم العلمي سنة 1925 لكنه فضل أن يدرس العربية في كلية الآداب، وكاد قانون الجامعة أن يحول بينه وبين الالتحاق بقسم اللغة العربية، لولا تدخل طه حسين لدى أحمد لطفي السيد مدير الجامعة وإقناعه بأن يلتحق شاكر بكلية الآداب فأصدر قرارا بذلك.

وفي الجامعة استمع شاكر لمحاضرات طه حسين عن الشعر الجاهلي وهى التي عرفت بكتاب “في الشعر الجاهلي”، وكم كانت صدمته حين ادعى طه حسين أن الشعر الجاهلي منتحل وأنه كذب ملفق لم يقله أمثال امرئ القيس وزهير، وإنما ابتدعه الرواة في العصر الإسلامي، وضاعف من شدة هذه الصدمة أن ما سمعه من المحاضر الكبير سبق له أن قرأه بحذافيره في مجلة استشراقية بقلم المستشرق الإنجليزي مرجليوث.

وتتابعت المحاضرات حول هذا الموضوع، ومحمود شاكر عاجز عن مواجهة طه حسين بما في صدره، وتمنعه الهيبة والأدب أن يقف مناقشا أستاذه، وظل على ذلك زمنا لا يستطيع أن يتكلم حتى إذا لم يعد في الصبر والتحمل بقية، وقف يرد على طه حسين في صراحة وبغير مداراة، لكنه لم يستطع أن يواجهه بأن ما يقوله إنما هو سطو على أفكار مرجليوث بلا حياء أو اكتراث. وتولد عن شعوره بالعجز عن مواجهة التحدي خيبة أمل كبيرة فترك الجامعة غير آسف عليها وهو في السنة الثانية، ولم تفلح المحاولات التي بذلها أساتذته وأهله في إقناعه بالرجوع، وسافر إلى الحجاز سنة 1928 مهاجرا، وأنشأ هناك مدرسة ابتدائية عمل مديرا لها، حتى استدعاه والده الشيخ فعاد إلى القاهرة.

اكتشاف المتنبي

وبعد عودته سنة 1929 انصرف إلى قراءة الأدب ومطالعة دواوين شعراء العربية على اختلاف عصورهم حتى صارت له ملكة في تذوق الشعر والتفرقة بين نظمه وأساليبه، وبدأ ينشر بعض قصائده الرومانسية في مجلتي “الفتح” و”الزهراء” لمحب الدين الخطيب، واتصل بأعلام عصره من أمثال أحمد تيمور وأحمد زكي باشا والخضر حسين ومصطفى صادق الرافعي الذي ارتبط بصداقة خاصة معه. ولم يكن شاكر معروفا بين الناس قبل تأليفه كتابه “المتنبي” الذي أثار ضجة كبيرة بمنهجه المبتكر وأسلوبه الجديد في البحث، وهو يعد علامة فارقة في الدرس الأدبي نقلته من الثرثرة المسترخية إلى البحث الجاد.

والعجيب أن شاكر الذي ألف هذا الكتاب سنة 1936 ولم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره لم يكن يقصد تأليف كتاب عن المتنبي، إنما كان مكلفا من قبل فؤاد صروف رئيس تحرير مجلة المقتطف بأن يكتب دراسة عن المتنبي مسهبة بعض الإسهاب ما بين عشرين إلى ثلاثين صفحة، ولكن هذا التكليف تحول على يد شاكر كتابا مستقلا عن المتنبي أنجزه في فترة زمنية قصيرة على نحو غير مسبوق ونشرته مجلة المقتطف في عددها الصادر في السادس من شوال 1354هـ الأول من يناير 1936م، وصدر فؤاد صروف مجلته بقوله: هذا العدد من المقتطف يختلف عن كل عدد صادر منذ سنتين إلى يومنا هذا، فهو في موضوع واحد ولكاتب واحد.

وقد اهتدى شاكر في كتابه إلى أشياء كثيرة لم يكتبها أحد من قبله استنتجها من خلال تذوقه لشعر المتنبي، فقال بعلوية المتنبي وأنه ليس ولد أحد السقائين بالكوفة كما قيل، بل كان علويا نشأ بالكوفة وتعلم مع الأشراف في مكاتب العلم، وقال بأن المتنبي كان يحب خولة أخت سيف الدين الحمداني واستشهد على ذلك من شعر المتنبي نفسه، وتم استقبال الكتاب بترحاب شديد وكتب عنه الرافعي مقالة رائعة أثنى عليه وعلى مؤلفه.

وكان هذا الكتاب فتحا جديدا في الدرس الأدبي وتحديا لأدباء العصر، فكتب بعده عبد الوهاب عزام كتابه “المتنبي في ألف عام”، وطه حسين “مع المتنبي”، واتهمهما شاكر بأنهما احتذيا منهجه، وسطوا على بعض آرائه، وهاجم شاكر ما كتبه طه حسين في سلسلة مقالات بلغت 12 مقالا في جريدة البلاغ تحت عنوان “بيني وبين طه حسين”.

مع سيد قطب والإخوان

وبعد وفاة مصطفي صادق الرافعي بعام أشعل سيد قطب معركة أدبية على صفحات الرسالة سنة 1938م، اندفع إليها بحماس الشباب دون روية، ومتأثرا بحبه الشديد وإعجابه الجامح بالعقاد، فهاجم أدب الرافعي وجرده من الإنسانية، والشاعرية واتهمه بالجمود والانغلاق، فثار محبو الرافعي على هذا الهجوم الصارخ، وقاد شاكر الدفاع عن شيخه وفند ما يزعمه سيد قطب، ودخل معه في معركة حامية لم يستطع الشهيد سيد قطب أن يصمد فيها.

ثم تجددت المعركة بينهما بعد سنوات طويلة حين كتب سيد قطب مؤلفه “العدالة الاجتماعية في الإسلام”، وكان سيد قطب قد بدأ مرحلة التحول إلى الفكر الإسلامي، وحمل الكتاب ما اعتبر نقدا وتجريحا لبعض الصحابة، فانتفض شاكر وكتب مقالة شهيرة في مجلة “المسلمون” تحت عنوان ” لا تسبوا أصحابي” سنة 1952م.

وهذا يجرنا إلى محاولة معرفة الموقف السلبي الذي اتخذه شاكر من جماعة الإخوان المسلمين، وكان شديد الهجوم عليهم، ولا يعرف حتى الآن الأسباب التي دعته إلى اتخاذ هذا الموقف، فهل كانت المعركة بينه وبين سيد قطب من أسباب ذلك؟! وهل الذين اتصلوا به من جماعة الإخوان كان لهم دور في توسيع الخلاف بينه وبينهم؟! ويجدر بالذكر أنه حين أنشئت داخل جماعة الإخوان المسلمين لجنة الشباب المسلم للتفرغ للدرس والبحث وبعيدا عن الانشغال بالنشاط الحركي، اتصلت بمحمود شاكر، وكان في برنامجها أن يقوم بتدريس السيرة النبوية لها بناء على اقتراح من المرشد العام حسن البنا، وعقدت عدة لقاءات، وعلى الرغم من هجوم شاكر على حسن البنا، فإن الأخير كان يصر على إتمام هذه اللقاءات للاستفادة من علم الأديب الكبير دون أن يتأثر بما يقوله عنه.

العالم الإسلامي في بيت شاكر

كانت فترة الخمسينيات فترة مشهودة في حياة شاكر، فقد ترسخت مكانته العلمية وعرف الناس قدره، وبدأت أجيال من الدارسين للأدب من أماكن مختلفة من العالم الإسلامي يفدون إلى بيته، يأخذون عنه ويفيدون من علمه ومكتبته الحافلة، من أمثال: ناصر الدين الأسد وإحسان عباس، وشاكر الفحام، وإبراهيم شبوح، فضلا عن كثير من أعلام الفكر الذي كانوا يحرصون على حضور ندوته الأسبوعية كل يوم جمعة عقب صلاة المغرب، مثل فتحي رضوان ويحيى حقي، ومحمود حسن إسماعيل، ومالك بن نبي، وأحمد حسن الباقوري، وعلال الفاسي، وعبد الرحمن بدوي، وعبد الله الطيب.

وشهدت هذه الندوة الدروس الأسبوعية التي كان يلقيها شاكر على الحاضرين في شرح القصائد الشعرية التي تضمنها كتاب الأصمعيات، وقد انتفع بهذه الدروس كثيرون، وكان الأديب الكبير يحيى حقي يعلن في كل مناسبة أن شاكر هو أستاذه الذي علمه العربية وأوقفه على بلاغتها، وأن ترجمات كتب مالك بن نبي خرجت من بيت شاكر، فقد قام أحد أفراد ندوته وترجمها إلى العربية وهو الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين، وكان آنذاك شابا صغيرا في بداية مشواره العلمي.

وفي ندواته الفكرية في بيته كان يعارض عبد الناصر علانية ويسخر من رجالات الثورة، ويستنكر ما يحدث للأبرياء في السجون من تعذيب وإيذاء وكان يفعل ذلك أمام زواره ومن بينهم من يشغل منصب الوزارة، كالشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف آنذاك، ونتيجة لذلك لم يسلم شاكر من بطش السلطة، فألقت القبض عليه سنة 1959م، وبقي رهن السجن 9 أشهر حتى تدخلت شخصيات عربية، فأفرج عنه وعاد لمواصلة نشاطه في تحقيق كتاب تفسير الطبري الذي بدأ في نشره من قبل، وانتظمت ندوته مرة أخرى.

أباطيل وأسمار

وظل شاكر في عزلته الاختيارية بين كتبه وتلاميذه ومحبيه، لا يشارك في الساحة الفكرية بمقالاته وآرائه حتى بدأ لويس عوض في نشر سلسلة مقالات له في جريدة الأهرام سنة 1964م، تحت عنوان “على هامش الغفران” وكان الكاتب قد لمع نجمه بعد تعيينه مستشارا ثقافيا لجريدة الأهرام، وأصبح مهيمنا على أمور الثقافة في مصر وصار له حواريون وسدنة يبشرون بآرائه.

وقد أثارت مقالات لويس عوض موجة من الشغب بين أوساط كثير من المثقفين لما فيها من تحامل على الشيخ المعري، ولم يجرؤ أحد على الرد سوى محمود شاكر الذي خرج من عزلته، وانبرى للويس عوض في سلسلة من المقالات المبهرة في مجلة الرسالة، كشفت عما في مقالات لويس عوض من الوهم والخلط التاريخي والتحريف في الاستشهاد بشعر أبي العلاء المعري، وعدم تمحيص الروايات التاريخية، والادعاء بتلقي المعري علوم اليونان على يد أحد الرهبان. وكانت مقالات شاكر التي ظهرت تباعا حدثا ثقافيا مدويا كشفت عن علم غزير ومعرفة واسعة بالشعر وغيره من الثقافة العربية، وقدرة باهرة على المحاجاة والبرهان، ولم تقف هذه المقالات التي بلغت ثلاثا وعشرين مقالة عند حدود الرد على كلام لويس عوض، بل انتقلت إلى الحديث عن الثقافة والفكر في العالم العربي والإسلامي، وما طرأ عليها من غزو فكري ولا سيما حركة التبشير التي غزت العالم الإسلامي.

وتدخل الناقد الكبير محمد مندور عند شاكر ليوقف مقالاته دون جدوى، وأصاب لويس عوض الذعر والهلع من مقالات شاكر التي فضحته بين أوساط المثقفين، وكشفت عن ضعف ثقافته حتى في تخصصه في الأدب الإنجليزي حين كشف شاكر عن فساد ترجمته العربية لمسرحية الضفادع لأرسطوفان، وراح لويس عوض يطوف على المجلات والصحف يستنصرهم ضد شاكر ويزعم أن المعركة بينهما معركة دينية، ولم يتوقف شاكر عند كتابة مقالاته حتى أغلقت مجلة الرسالة نفسها، وألقي به في غياهب السجن سنتين وأربعة أشهر من آخر شهر أغسطس سنة 1965م، حتى آخر شهر ديسمبر سنة 1967م، وقد جمعت هذه المقالات في كتابه “أباطيل وأسمار” الذي يعد من أهم الكتب التي ظهرت في المكتبة العربية في النصف الأخير من القرن العشرين.

معارك فكرية أخرى

وبعد خروجه من السجن هذه المرة عاد إلى ما كان عليه من قبل، فكتب في مجلة “المجلة” 7 مقالات إضافية تحت عنوان “نمط صعب، نمط مخيف” استجابة لصديقه الأديب يحيى حقي، حين أشاد بترجمة الشاعر الألماني “جوته” لقصيدة من قصائد الشاعر الجاهلي “تأبط شرا” وتساءل حول الترتيب الذي اقترحه الشاعر الألماني حين ترجم القصيدة إلى الألمانية، وحول الشعر القديم وروايته وافتقاد القصيدة العربية إلى الوحدة، وقد اقتضت الإجابة حول هذه الأسئلة تشعبا في الكلام، وامتدادا في أطرافه بلغ 400 صفحة حين جمع المقالات في كتاب، وقد تخلل ذلك نقد محكم للدكتور عبد الغفار مكاوي حين أعاد ترجمة قصيدة جوته إلى العربية، ودارت بينهما معركة قصيرة حول هذه الترجمة التي اتهمها شاكر بالركاكة والسقم.

ثم دارت معركة أخرى بينه وبين الباحث العراقي الدكتور علي جواد الطاهر حول تحقيقه كتاب “طبقات فحول الشعراء” لابن سلام الجمحي، وتولد عن ذلك كتابه “برنامج طبقات فحول الشعراء”.

تحقيق كتب التراث

يعد شاكر على رأس قائمة محققي التراث العربي، وأطلق عليه العقاد المحقق الفنان، وإنجازاته في هذا المجال كثيرة، وهي عنوان على الدقة والإتقان، ومن أشهر الكتب التي حققها: تفسير الطبري (16 جزءا)، طبقات فحول الشعراء (مجلدان)، تهذيب الآثار للطبري (6 مجلدات).. وشاكر لا يحب أن يوصف بأنه محقق لنصوص التراث العربي، وإنما يحب أن يوصف بأنه قارئ وشارح لها، وهو يكتب على أغلفة الكتب التي يقوم بتحقيقها عبارة: “قرأه وشرحه” وهذه العبارة كما يقول الدكتور محمود الربيعي “هي الحد الفاصل بين طبيعة عمله وطبيعة عمل غيره من شيوخ المحققين، إنه يوجه النص ويبين معناه بنوع من التوجيه أو القراءة التي تجعله محررا؛ لأنها قراءة ترفدها خبرة نوعية عميقة بطريقة الكتابة العربية، وهو إذا مال بالقراءة ناحية معينة أتى شرحه مقاربا، وضبطه مقنعا، وأفق فهمه واسعا، فخلع على النص بعض نفسه وأصبح كأنه صاحبه ومبدعه”.

صاحب رسالة

لم يكن شاكر في يوم من الأيام موظفا يمد يده نهاية كل شهر إلى مرتب ينتظره فتكون للحكومة كلمة نافذة في رزقه ومكانته، بل انقطع لعلمه وفكره ومكتبته وبحثه ودرسه وزملائه وتلاميذه كالراهب الذي انقطع للعبادة في صومعته.

وعاش على أقل القليل يكفيه ويسد حاجته، ومرت عليه سنوات عجاف لكنه لم ينحن أو يميل على الرغم من أن بيته كان مفتوحا لتلاميذه وأصدقائه وعارفي فضله.

ولم يكن له من مورد سوى عائده من كتبه التي كان يقوم بتحقيقها، وكان اسمه على صدرها يضمن لها النجاح والرواج، ولم يكن يأخذ شيئا على مقالاته التي يكتبها، فأعاد لمجلة العربي الكويتية سنة 1982م مائة وخمسين دولارا نظير مقالة كتبها ردا على الكاتب اليمني عبد العزيز المقالح حول طه حسين، ورفض أن يتسلم من دار الهلال مكافأته عن تأليفه كتابه المهم “رسالة في الطريق إلى ثقافتنا”.

ولأنه كان يشعر أنه صاحب رسالة فإنه كان ينتفض حين يرى انتهاك حرمة من حرمات اللغة العربية فيقف مدافعا عنها بكل ما يملك من أدوات علمية وفكرية، تجعل الخصم يسلم بما يقول أو يلوي هاربا. ومعاركه كلها جمعت في كتب وصارت وثائق في تاريخنا الفكري الحديث، كتبها هو من موقع المدافع والحارس لثقافة الأمة، ولولا خصومه لما ظهرت معظم مؤلفاته؛ لأنها كانت استجابة لتحديات عظيمة، وهي تظهر عظمة شاكر؛ لأنه لم يحتشد لها مثلما يحتشد المؤلفون عند تأليف كتبهم وإنما دخلها كارها مستندا إلى ثقافة واسعة وعلم غزير، وفكر ثاقب وروح وثابة، فأتى بالعجب العجاب.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 12 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-08-2019 - 03:33 PM ]


وفي أخريات عمره رد له بعض الاعتبار، فنال جائزة الدولة التقديرية في الأدب سنة 1981م، ثم جائزة الملك فيصل في الأدب العربي عام 1984م، وفي أثناء ذلك اختير عضوا في مجمع اللغة العربية بدمشق، ثم بالقاهرة.

وبعد رحلة حياة عريضة رحل أبو فهر شيخ العربية وإمام المحققين في الساعة الخامسة من عصر الخميس الموافق 3 من ربيع الآخر 1418هـ= 6 من أغسطس 1997م) ولبى نداء ربه.. فسلام عليك أبا فهر.

الجانب الإنساني في حياة “شاكر” يرويه ابنه “فهر لا أحد – بالطبع – يستطيع أن يتحدث عن العلامة محمود محمد شاكر في جوانبه الإنسانية وحياته الخاصة وما لا يعرفه عنه أحد مثل ابنه “فهر” أستاذ الأدب العربي.

والعلاقة بين العلامة الراحل وبين ابنه فهر لم تكن فقط علاقة أب له مكانته بابنه وإنما امتدت لتصبح علاقة شيخ بتلميذه شارك خلالها فهر أباه في بعض تحقيقاته ونفذ إلى كثير من أسرار نفسه وسأله واستفسر منه، لكنه لم يشاكسه حيث ظل في نفسه وفي نفس كل من عرفوه مقام “الإمام الذي لا ينازع في علمه وأدبه وفضائله”! وفي هذا الحوار يتحدث د. فهر عن الجانب الخفي في حياة

شاكر وعن أسرار في حياته تنشر لأول مرة.

** اختار لك والدك العلامة الكبير اسما يبدو غريبا على -أسماع الناس هذه الأيام.. هل تحدثنا عن اسم “فهر”؟

– فهر تعني في اللغة “الحجر الصلب في حجم قبضة الكف” وهو اسم جد الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد اختار والدي الاسم لهذا السبب وكان الأقرب إلى قلبه أن يناديه من يعرفونه بلقب “أبي فهر” فانتماء والدي للعرب كان واضحا حادا وهو كان شديد الاعتزاز به حيث كان يذكر دائما أن “فهر” هو جد العرب لمن كان يستفسر عن اسمي أمامه.

** أكثر ما عرف عن محمود شاكر إنسانيا: الحدة. فهل كان -حادا لدرجة أن يترك انطباعا عاما عند كل من قابلوه بهذا؟

كانت الحدة شيئا أساسيا في طباعه رحمه الله لكنها كانت تظهر في مواقف معينة حينما يقرأ أو يسمع ما يمس أيا مما يؤمن به وما وهب حياته له كأن يقرأ تطاولات على الإسلام أو العربية أو يقرأ خوضا في حياة وسير الصحابة ورجال التاريخ الإسلامي، خاصة أن كثيرا مما كتب – ولا يزال – يفتقر للعلم أو للجهد في المعرفة. وقد كان “يغيظه” جدا الاستهلال الصحفي في عرض موضوعات يرى أنها قوام حياة هذه الأمة، ومع هذه الحدة فقد كان على الجانب الآخر وفي حياته الخاصة شديد الرقة والعطف، جياش المشاعر هادر الأحاسيس لدرجة أننا كثيرا ما رأيناه يبكي.

** هل كانت له عادات يومية ثابتة أم أنه كان مزاجيا -يتصرف كما يتفق له؟

كانت له عادات يومية ثابتة صارمة للغاية، فهو يصحو مبكرا جدا وأول ما يفعله بعد الصلاة وبعد إفطار خفيف أن يقرأ كل الجرائد بلا استثناء وكان يقسم يومه بين القراءة والعمل سواء كان يكتب أو يعمل في تحقيق كتاب، وكان شرها للغاية في القراءة فلا يمسك كتابا -مهما كان حجمه- إلا وينتهي منه في نفس اليوم، وكان إذا بدأ العمل لا يسمع أحدا مطلقا.

** كان الأستاذ شاكر أقرب لأن يكون “معتزلا”.. هل كانت له صداقات أدبية أوسع من المعروف عن علاقته بالأديب يحيى -حقي والشاعر محمود حسن إسماعيل؟

كانت له صداقات كثيرة بالطبع في الحياة الأدبية والفكرية لكنها امتدت خارج مصر حيث كان يحضر ندوته التي كان يقيمها كل يوم جمعة كثير من الأدباء وطلاب العلم من العالم العربي والإسلامي، ولم يكن يفضل أن يجعلها ندوة بالمعنى المتعارف عليه إنما كان الحديث يسير بشكل طبيعي وعن أي موضوع يعن للحاضرين وإن كانوا جميعا يفضلون الاستماع لآرائه في أي قضية تعرض لهم. ورغم أن والدي رحمه الله كان شديد العنف في هجومه الذي لم يتوقف حتى وفاته على الاستشراق والمستشرقين فإنه كانت تربطه علاقات ببعضهم مثل كارلونللينو الذي كان يحضر كثيرا لبيت جدي في الغورية حيث مجالس العلم والسياسة ومجتمع مشاهير الحركة الوطنية والفكرية. وفي هذا المنزل نشأت صداقة بين والدي وبينه.

أما بالنسبة لنجيب محفوظ فكانت تربطه بوالدي علاقة جيدة لكنها ليست في مستوى علاقته بيحيى حقي الذي ربطته بوالدي صداقة عمر لدرجة أنه كان لا بد من اتصال يومي بينهما، ورغم أن يحيى حقي رحمه الله كان دائم الثناء على والدي في كتبه وفي جلساته الخاصة فإن والدي كان يشاكسه كثيرا وكان يقول له إن كتابته ليست عربية بل هي هجين؛ لأن أصله تركي!.

** وبقية صداقاته؟

-كما قلت كانت كثيرة جدا، من سوريا مثلا كان الناقد والأديب شاكر الفحام من أكثر المترددين على ندوة الجمعة، ومن السياسيين كانت علاقة والدي بعلال الفاسي علاقة وثيقة لدرجة

أنه بمجرد اعتقال والدي وقّع عدد من السياسيين المغاربة وثيقة بالدم للمطالبة بالإفراج عنه وكان هو على رأس الموقعين.

أما محمود حسن إسماعيل فكانت علاقته به هي أوثق علاقة ربطته بشاعر في عصره، وكان يقول: “تركت الشعر لمحمود حسن إسماعيل”، وكانت بداية علاقتهما في مكتب أحمد حسن الزيات صاحب “الرسالة” وكان إسماعيل يقرأ لوالدي مقالاته فيها كما كان والدي يقرأ أيضا أشعار إسماعيل ويعجب بها. وتصادف في هذا اليوم أن كان والدي يعطي قصيدة للزيات لنشرها في الرسالة وقرأها الزيات بصوته بإعجاب شديد، لكنه استفسر عن ترك القصيدة بلا عنوان، وساعتها أمسك محمود حسن إسماعيل القصيدة وأخرج قلما وكتب عليها بخط يده: “رماد” وبالفعل نشرت القصيدة في الرسالة بهذا العنوان، وبعد هذا توطدت لقاءاتهما وعلاقتهما حتى أصبحت صداقة من نوع فريد.

** وعلاقته بك أنت وبابنته الوحيدة “زلفى”؟

-ولدت أنا وبعد شهرين بالضبط من ولادتي دخل أبي المعتقل وحينما خرج كان عمري أربع سنوات، ومنذ الطفولة كان أبي متدفق المشاعر جدا تجاهنا، وكان إذا غضب يفعل ما يعبر به عن غضبه وبحدة لا حدود لها، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بمضايقات نتعرض لها. وأذكر أنه خنق بواب العمارة وخلصه الناس من بين يديه؛ لأنه منعنا من اللعب في مدخل العمارة بدون أسباب. وكان حريصا جدا على أن نتم حفظ القرآن الكريم كاملا في الطفولة وقد كان هذا بعون الله.

** كان العلامة محمود شاكر أكثر علماء وأدباء عصره دراية بالأدب واللغة وعلوم العربية كلها.. من كان يفضل هو شخصيا من الأدباء؟

في النثر كان يجل الجاحظ ويرى أنه قمة الأدب العربي ولم يكن يحب كتب ابن المقفع ويراه فارسيا حتى وإن تربى وعاش بين العرب. وفي الشعر كان يحب الشعر الجاهلي الذي أحاط به إحاطة كاملة غير مسبوقة، لكن المتنبي كان بالطبع حبه الأول والأخير، كان يحفظ ديوانه كله، وكان يعرف كل ما اختلف فيه القدماء حول شعر المتنبي ويدافع عنه دفاعا حارا ينقل لنفس محدثه فورا الإعجاب بهذا الشاعر العربي الأعظم، وكان دائم الترنم بأشعاره وروايتها في كل المناسبات بإلقاء لم أسمع له نظيرا.

ومن الأدباء المحدثين الذين ارتبط بهم بعلاقة خاصة جدا من المودة والإكبار الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي، بل إن أبي رحمه الله كان يعتبره أستاذه الأول وكان يعتبره أكبر وأخلص من دافع عن الأدب العربي عن علم وموهبة وحرارة، وقد دخل في معركة ضخمة مع سيد قطب رحمه الله حينما هاجم الرافعي لصالح العقاد، وقد رد أبي ودافع عن الرافعي بحرارة وحسم.

** اختلف الشيخ شاكر مع الإخوان المسلمين.. هل تقابل مع حسن البنا، وماذا كان رأيه فيه؟

– كان يتضايق ويغضب من منطق أن السياسة قد تجوز لبعض أهلها التحدث في الدين ثم يتحولون إلى رموز دينية، وهو لم يكن يرى حسن البنا كذلك بالطبع، لكنه كان يراه رجل سياسة أكثر منه عالم دين، لكن كان تربطه علاقة وثيقة جدا مع الصداقة المستمرة بالشيخ أحمد حسن الباقوري عليه رحمة الله.

** لم يأخذ الشيخ شاكر حظه من الشهرة وذيوع الصيت.. هل كان ذلك بسبب عزلته أم بسبب مصادمة أفكاره لقيم عصره كلها؟

لم تكن قضية الشهرة تعنيه كثيرا، ودائما ما كان يردد: “كتبت ما يرضيني ولست رجل شهرة” وكان يقول: إن وظيفته الأولى والأخيرة أن يقرأ. وبمناسبة للمجتمع بالمعنى السلبي، فقد كان متابعا دقيقا للحياة الأدبية والفكرية في مصر والعالم العربي لكنه كان لا يحب أن يتحدث مع الصحافة ولا التليفزيون وكان رأيه فيهما سيئا.

** كان رحمه الله شديد التعصب للعربية حادا في الدفاع عنها.. هل كان يقرأ شعر العامية الذي نما وانتشر بعد الخمسينيات حتى طغى في بعض المراحل على شعر الفصحى من حيث الانتشار؟

– كان يسميه زجلا وكان يقرؤه بالطبع وكان معجبا بفؤاد حداد ويقول إن لغته حلوة وتنم عن ثقافة عميقة وقراءات واسعة في الشعر العربي، كما كان يحب أشعار صلاح جاهين، وربما انتبه له بفضل حديث يحيى حقي رحمه الله الدائم عنه كلما جلس مع أبي.

** والغناء.. ماذا كان رأيه فيه؟

كان يطرب للغناء طربا شديدا، لكن الغناء كله تلخص عنده في صوت أم كلثوم التي كان معجبا جدا بحلاوة وقوة صوتها وعمق ارتباطها بالشعر العربي ودقة مخارجها للحروف، وقد كان ينوي كتابة مقال مطول عنها، لكنه توفي قبل إتمامه.

** كيف كان رأيه حينما اشتدت أزمة الدكتور نصر أبو زيد، وما رأيه في كتبه؟

– د. نصر كان معنا في قسم اللغة العربية وكان دائم الاتصال بوالدي، وأذكر أنه في إحدى المحاضرات كان د. نصر يشرح لنا في “دلائل الإعجاز” وقمت لأستوضح منه أحد نصوص الكتاب التي بدت لي غامضة، لكن د. نصر قال: إن النص واضح جدا. وحينما عرضت الموضوع على والدي قرأ النص وقال إنه غير واضح، وابتدأ تحقيق “دلائل الإعجاز” من هذا اليوم.

وحين بدأت أزمة نصر أبو زيد في الجامعة حدثت أشياء غريبة ولم يعترض والدي على رأي أبو زيد في الإمام الشافعي؛ لكنه اعترض على الأخطاء الفادحة في الكتاب من الناحية العلمية، وحينما نبه د. نصر لأخطاء في التواريخ والوقائع لا تليق بطالب مبتدئ رد عليه بأنه وقع في “لخبطة” ولن يعيد طباعة الكتاب، لكن -وهذا هو الغريب- لم يمر أسبوع إلا وكان قد طبعه طبعة جديدة بنفس الأخطاء، وحينما حدث جدل حول الكتاب اتصل والدي بالدكتور أحمد مرسي الذي كان رئيسا لقسم اللغة العربية بآداب القاهرة وطلب منه ألا يصل الموضوع للصحافة حفاظا على ما تبقى من سمعة الجامعة وقسم اللغة العربية، لكن د. نصر ود. أحمد مرسي وصلا بالموضوع للضجة التي أثيرت ويعرفها الجميع.

** غير الأدب العربي.. كيف كانت علاقة محمود شاكر بالآداب الأخرى؟

-كان يجيد الإنجليزية بشكل مطلق وأعتقد أنه كان قادرا على أن يحاضر في الأدب الإنجليزي أكثر من كل المتخصصين، وقد ترجم بالفعل قصائد لأوسكار وايلد.

** هل صحيح أنه لم يكن يصلي في جامع الحسين أبدا؟

-هذا صحيح، فلم يصل مرة واحدة في مسجد الحسين رضي الله عنه؛ لأن قبر الحسين أمام القبلة وهذا مما يبطل الصلاة، لكنه كان يصلي في الأزهر ويحب أن يتجول وحيدا في القاهرة الإسلامية.

** هل تشعر أن محمود شاكر ظلم في حياتنا الثقافية أم أخذ ما يستحق؟

-بلا شك ظلم، وأقصد بهذا أنه شخصيا لم تكن تعنيه الشهرة والأضواء لكن كتبه وأفكاره لا تصل للناس بشكل يمثل ربع أهميتها وخطورتها.عزلته هو لم يكن معتزلا

المصدر:

http://www.islamonline.net/arabic/fa...rticle01.SHTML


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 13 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-08-2019 - 03:35 PM ]


في مثل هذا اليوم: وفاة شيخ العربية “محمود محمد شاكر”
فى: الأربعاء 6 ذو الحجة 1440ﻫ | 7-8-2019م

يسري الخطيب

- شاعر وباحث إسلامي
- رئيس القسم الثقافي
في مثل هذا اليوم: 7 أغسطس 1997م:

رحل عن الدنيا شيخ العربية وسلطان المحققين “محمود محمد شاكر”



الميلاد: 1 فبراير 1909، الأسكندرية
الوفاة: 7 أغسطس 1997، القاهرة

– محمود بن محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر من أسرة أبي علياء الحسينية في جرجا بصعيد مصر، وُلد في الأسكندرية في1 فبراير سنة 1909 م، وانتقل إلى القاهرة في نفس العام مع والده الذي عُيّن وكيلا للجامع الأزهر، وكان قبل ذلك شيخا لعلماء الأسكندرية.

– “أبو فهر”.. محمود محمد شاكر، واحدٌ من فرسان اللغة العربية، والمجاهد الذي وهبَ حياته كلها للغة القرآن الكريم
دافع عن العربية في مواجهة التغريب، وقرأ كتب التراث وحقق العديد منها.
أقام منهجه الخاص في الشعر وسماه منهج التذوق، وخاض الكثير من المعارك الأدبية حول أصالة الثقافة العربية، ومصادر الشعر الجاهلي.

– كانت بداية صناعة الثائر (أبو فِهر) وهو طالب بكلية الآداب، عندما استمع لمحاضرات طه حسين عن الشعر الجاهلي، وهى التي صدرت بعد ذلك في كتاب: «في الشعر الجاهلي»، وكم كانت صدمته حين ادّعى طه حسين أن الشعر الجاهلي منتحل وأنه كذب ملفق، وزادت صدمة العلّامة محمود محمد شاكر عندما وجد طه حسين يردد بالحرف تخاريف مارجليوث.. وكان أبو فِهر قد قرأ ما كتبه المستشرق الإنجليزي الحاقد “مارجليوث”.. وبدأت الحرب بين المستغرب طه حسين والعلّامة محمود محمد شاكر
– ظل محمود محمد شاكر يقاتل على جميع الجبهات، لا يترك المستغربين من أمثال لويس عوض وطه حسين وغيرهم، والمستشرقين، والعلمانيين الذين كانت مصر وما زالت هي واحتهم الآمنة!

– من أشهر أعماله:

المتنبي – القوس العذراء – أباطيل وأسمار – طبقات فحول الشعراء – نمط صعب ونمط مخيف – قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام – رسالة في الطريق إلى ثقافتنا – مداخل إعجاز القرآن – اعصفي يا رياح وقصائد أخرى

ومن أشهر تحقيقاته:

1 ـ فضل العطاء على العسر لأبي هلال العسكري
2 ـ إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع لتقي الدين المقريزي.

3 ـ المكافأة وحسن العقبى لأحمد بن يوسف بن الداية الكاتب
4 ـ طبقات فحول الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي
5 ـ تفسير الطبري (16 جزءا)

6 ـ جمهرة نسب قريش وأخبارها للزبير بن بكار
7 ـ تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله

8 ـ دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني
9 ـ أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني

– تقول صفحة محبي الشيخ محمود محمد شاكر على الفيسبوك، في تعريفها لأبي فهر: (أبو فهر محمود محمد شاكر، شيخ الأدباء، وإمام العربية في هذا العصر، قرأ الموروث كما لم يقرأه أحد في عصره حتى شعت على يديه من أنواره ، وانبلجت من أسراره ما جعله قبلة لكل من أراد أن ينهل من هذا التراث ويستكشف مكنوناته. نافح عن العربية في مواجهة التغريب.

أقام منهجه الخاص في الشعر وسماه منهج التذوق.

خاض الكثير من المعارك الأدبية حول أصالة الثقافة العربية، ومصادر الشعر الجاهلي، بل لقد كان من أوائل من اكتشف الخطر الرهيب الذي كان يحيق بالعرب والمسلمين حين كانت سموم التبشير تتغلغل في العقول، وحمى التفرنج تنتشر، حتى أن ” كبارا ” – كأحمد أمين – كانوا يحرصون على إرضاء نزعات المستشرقين وتعلم اللغات الأجنبية وتفسير التاريخ الإسلامي بما ينسجم مع العقل الغربي المادي،

اكتشف ذلك الخطر المحدق وهو شاب حدث لم يبلغ العشرين، واختط من يومئذ منهجه الذي لم يأت أحد من أدباء عصرنا بمثله، وما بلغ السادسة والعشرين حتى هز الأوساط الأدبية بكتابه “المتنبي” معلنا عن منهجه الجديد فحاول طه حسين وغيره احتذاء منهجه فأعجزهم ذلك. وهو أيضا مفكر عميق القكر، بعيد الغور وإن لم ينل حقه من الإنصاف في هذا الجانب حتى من قبل محبيه،

فالرجل وقف على ثغور هذه الأمة فارسا شاكي السلاح، جمع إلى شجاعته علمه وعمقه قأخرج فكرا عميقا حلل مختلف الجوانب في الحياة العربية خصوصا في الأربعينيات وبداية الخمسينيات)


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 14 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,023
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-08-2019 - 03:36 PM ]


الفقيد العلامة الشيخ محمود محمد شاكر - رحمه الله -
عادل عبد اللطيف
التصنيف: تراجم وشخصيات
تاريخ النشر: 27 شوال 1428 (2007-11-08)
الفقيد العلامة الشيخ محمود محمد شاكر - رحمه الله


بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليك - أبا فهر - ورحمة الله وبركاته، جزاء وقوفك طول عمرك، مدافعاً عن الإسلام، ولغته، وثقافته، وأحلك الله لأجل ذلك دار كرامته {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه، نورهم يسعى بين أيديهم، وبأيمانهم، يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا، واغفر لنا، إنك على كل شيء قدير}.



لقد أديت أمانة القلم في عصر هانت فيه الأهداف، وكثرت فيه الفتن، واستؤجرت فيه الأقلام لتحطب في حبال أهل \"التبشير\" و \"التغريب\" وليكون أناس من بني جلدتنا، ويتكلمون بلغتنا أشد نكاية من جحافل الغزاة المستعمرين. وأزلفت إلى ربك شاهداً على نفسك وعلى قومك وعلى عصرك، وتركت سيرتك وأعمالك وتلاميذك معالم للسائرين، ومنارات للقابسين.



يتلفت المرء حوله فيكاد يوقعه ما يرى في براثن اليأس والإحباط، وذلك حين يشاهد هذه المعركة القائمة التي لا تهدأ على ثقافة العرب وعلوم الإسلام، حيث تكاد لغة العرب تصبح لغة ثانية أو ثالثة بين أبنائها، وبخاصة ونحن نعاني من نوع من الاستعمار جديد، هو الاستعمار الأمريكي، استعمار \"ريموت كونترول\" إن صحت التسمية.



ولكن الناظر في صفحات حياة العلامة محمود محمد شاكر يستعيد الأمل، ويحيا بين جنباته العنفوان الذي تحاول أن تميته الأحداث المحيطة، فيزداد إيماناً بما في أمته من عوامل البقاء، وما عندها من عناصر المجالدة والمجاهدة.



إن صاحبت محمود محمد شاكر في ما كتب فأنت معه في جِدِّ جادٍّ,، حتى وهو يسخر ويضحكآ؛ فأنت واجد في ضحكه القوة المدوية التي تتردد بين القمم الشواهق، لا في الدهاليز السرية المنقطعة التي لا يدري بها إلا بعض من يعيشون بطبع الخفافيش. اسمعه يصف نفسه بكلمات قليلة هي الصدق كله:



\"... منذ كنت على هذه الأرض، لا أطيق أن أسلك إلا السبل الواضحة البارزة، ولا ألوذ بالظلال المظلمة متخفياً إلى غاية أريدها، فذلك شيء أعافه وأنزه نفسي عنه في خاصِّ أموري وعامها، هكذا عشت، وأسأل الله أن يسددني على ذلك ما بقي فيَّ نَفَس يتردد\" [أباطيل وأسمار/322].



وقد صدق، فهكذا عاش، بعيداً كل البعد عن النفاق والمجاملة، نائياً بنفسه عن هذا الداء الذي يضرب كثيراً من أهل العلم وحملة الأقلام في هذا العصر، فيحملهم على تمطيط الكلام واللعب بمدلولاته، مما يسفر عن تضليل جماهير كثيرة من الناس ومن ليس عنده الحصانة العلمية من الأجيال المتعاقبة.



إن جزءاً كبيراً وممتعاً من التراث الذي خلفه محمود محمد شاكر يدور حول هؤلاء المسمين بالمثقفين وليسوا بهم، \"ولكنهم - إذا حصلت ما في صدورهم وقلوبهم وعقولهم - أصحاب ثرثرة وترترة وبربرة (وهي ثلاثة ألفاظ متقاربة في معاني الَّلغَط والإكثار والهذر، بيد أن الفروق بين ثلاثتها تدل على أن هذه اللغة الشريفة غاية في براعة التصوير بألفاظها الجامعة). وهم أيضاً، في حقيقة أمرهم مزامير مزعجة مختلطة الأصوات في المجالس، أو شجر مرٌّ الثمر مزروع على قوارع الطرق، أو أحلاسٌ مرذولة لكهوف المقاهي المظلمة أو المضيئة، ولكنها، على ذلك كله، أحلاس ذات فحيح أو ذات جعجعة، ثم لا شيء وراء ذلك، إلا ما قدَّر المقدِّر من تكاثرها وانتشارها وشيوعها في زماننا، بأسباب يعجب المرء كيف جاءت، وَلِمَ اتفقت؟ فإذا هي في زيّ أستاذ، أو مفكر، أو فيلسوف، أو أديب، أو شاعر، أو كاتب، أو فنان، أو ما شئت مما تعلم وترى وتسمع\". [أباطيل وأسمار/321].



حينما عثرت فجأة على اسم وأسلوب محمود محمد شاكر في أواخر الستينيات صغَّر لي أكثر من كنت قد قرأت لهم من الكتاب والمحققين، وزرع في نفسي أن لا أركن إلى كل ما يصادفني من قراءات ركون المسلِّم الضعيف، فأي أسلوب شامخ، وأي تتبع دقيق، وأي حرص على فائدة القارئ وإمتاعه، وأي إعجاب بلغة القرآن يثيره في نفسك وهو يتصرف بك بين تفصيل، وتبيين، واختيار، وتعليق، واستثارة لمكامن الجمال المطمورة في لغة العرب التي قيّض الله لها هذا المنقِّب الطٌّلَعة ينفض عنها غبار الإهمال، ويزيح عنها أطباق الجهل الذي تتعاوره الصحف والمجلات والمؤلفات في هذا الزمان.



هذا هو محمود محمد شاكر \"ناصر العربية\" في القرن العشرين وداحر أعدائها من المبشرين وتلاميذهم من الموتورين والجهلة.



وعلى الرغم من المعارك التي خاضها من أجل دينه وتراث قومه، والجراحات التي أصابته من ذلك، والكيد الظاهر والخفي الذي لجأ إليه هؤلاء الأعداء، والتجاهل الممقوت الذي لقيه هو و تلاميذه ومحبوه من أجهزة الدعاية والنشرآ؛ لكنه لم تلن له قناة، ولم تَهُن له عزيمة، ولم يجمجم أو يتلجلج في حجة، ولا أَبَهَ بعسف السلطات التي يتدرع بها أهل الباطل، ولا تردد عند التعبير عما في صدره مما يؤمن به. لقد تشبع من لغة العرب، وتضلع من أدبها، وفوق هذا وذاك انصبغت نفسه بشجاعة نادرة، وفروسية باذخة لعلها تحدرت إليه من (جبال الشعر العربي وقممها الشوامخ) (1).



لله دره، وما أصدق انطباق أبيات \"قيس بن رفاعة\" - وهي من هذه الأنغام المتحدرة من تلك القمم، والتي قالها مفتخراً - عليه:



مَن يَصلَ ناري بلا ذنبٍ, ولا تِرَةٍ, *** يصلى بنارِ كريمٍ, غيرِ غدَّارِ



أنا النذيرُ لكم مني مجاهرةً *** كي لا أُلامَ على نَهيٍ, وإِنذارِ



فإن عصيتم مقالي اليومَ فاعترِفُوا *** أَن سوفَ تَلقَونَ خِزياً ظاهِرَ العار



لَتَرجِعُنَّ أحاديثاً مُلَعَّنَةً *** لَهوَ المقيمِ وَلَهوَ المدلجِ الساري



مَن كانَ في نفسهِ حَوجَاءُ يطلُبها *** عندي فإني لَهُ رَهنٌ بإِصحارِ



أُقيمُ عَوجَتَهُ إِن كَانَ ذا عِوَجٍ, *** كما يُقَوِّمُ قِدحَ النبعةِ الباري



وصاحبُ الوِترِ ليسَ الدهرَ مُدرِكَهُ *** عندي، وإِني لَدَرَّاكٌ بأَوتَارِ







ولد العلامة محمود محمد شاكر في الإسكندرية في 10 محرم سنة 1327 للهجرة، الموافق أول فبراير سنة 1909 الميلادية.



انتقل إلى القاهرة عام 1909 عندما عين والده وكيلاً للأزهر. تلقى أول مراحل تعليمه في القاهرة، وفي سنة 1921 دخل المدرسة الخديوية الثانوية.



حضر دروس الشيخ سيد بن علي المرصفي في جامع السلطان برقوق، ثم قرأ عليه في بيته \"الكامل\" للمبرد، و \"حماسة أبي تمام\"، وشيئاً من \"الأمالي\" للقالي، وبعض أشعار الهذليين.



حصل على شهادة البكالوريا (القسم العلمي) عام 1925 م، التحق في سنة 1926 بكلية الآداب في الجامعة المصرية (قسم اللغة العربية) واستمر بها إلى السنة الثانية، حيث نشب خلاف شديد بينه وبين أستاذه طه حسين حول منهج دراسة الشعر الجاهلي، فترك الدراسة الجامعية.



هاجر عام 1928 إلى الحجاز فأنشأ بناء على طلب من الملك ابن سعود مدرسة جدة الابتدائية، وعمل مديراً لها، ولكنه ما لبث أن عاد إلى القاهرة أواسط عام 1929 م، حيث انصرف إلى الأدب والكتابة فكتب في مجلتي: \"الفتح\" و \"الزهراء\" لصاحبهما الأستاذ محب الدين الخطيب.



كان على صلة بالعلماء منذ كان صغيراً في بيت أبيه، فعرف السياسيين والعلماء الذين كانوا يترددون على والده، كما اتصل مباشرة بعلماء العصر أمثال: محب الدين الخطيب، وأحمد تيمور باشا، والشيخ محمد الخضر حسين، وأحمد زكي باشا، والشيخ إبراهيم اطفَيش، ومحمد أمين الخانجي، وغيرهم، كما تعرف على الشاعر أحمد شوقي. وكان على صلة خاصة بالكاتب الكبير مصطفى صادق الرافعي الذي بدأت علاقته به منذ بدأ مراسلته وهو في المدرسة الثانوية، وظلت هذه الصلة وثيقة إلى وفاة الرافعي عام 1937، وخير ما يعبر عن مكانة الرافعي عند محمود محمد شاكر مقدمته لكتاب محمد سعيد العريان عن حياة الرافعي.



وكان محمود محمد شاكر صاحب فكرة \"جمعية الشبان المسلمين\" ولكنه تركها حين رأى الصورة التي صارت إليها. كتب في كبريات الصحف والمجلات التي كانت تصدر حينذاك مثل: \"المقتطف\" و \"الرسالة\" و \"البلاغ\" و\"اللواء الجديد\"، وساهم في اختيار وترجمة مواد مجلة \"المختار\".



انقطع عن الكتابة في الصحف والمجلات بعد إغلاق الرسالة في سنة 1952، وتفرغ للعمل بالتأليف والتحقيق، فنشر ستة عشر جزءاً من تفسير الطبري، و \"طبقات فحول الشعراء\" لابن سلاّم الجمحي، و \"جمهرة نسب قريش\" للزبير بن بكار، وشارك في إخراج: \"الوحشيات\" لأبي تمام، و \"شرح أشعار الهذليين\".



نشر في عام 1952 قصيدته الرائعة: \"القوس العذراء\". وله كتاب: \"أباطيل وأسمار\" وهو مجموعة مقالات نشرت في مجلة الرسالة الجديدة تعليقاً على ما نشره لويس عوض في ما كتبه في جريدة الأهرام بعنوان: \"على هامش الغفران\" فبين محمود محمد شاكر تهافت كلام لويس عوض وجهله وافتراءه، وتكلم عما حل بالثقافة العربية الإسلامية على أيدي مرتزقة الغزو الفكري ودهاقنة التبشير.



ومن كتبه المهمة كتابه عن \"المتنبي\" ومقدمته الرائعة \"لمحة من فساد حياتنا الأدبية\"، وله مجموعة مقالات، نشرها في مجلة \"المجلة\" من نيسان 1969 - نوفمبر 1969 في مصر بعنوان \"نمط صعب... ونمط مخيف\" دراسة وشرحاً لقصيدة الحماسة:



إن بالشعب الذي دون سلع لقتيلاً دمه ما يُطلٌّ



وبين فيها منهجه في دراسة الشعر بعامة، والشعر الجاهلي بخاصة.



كان بيته موئلاً لدارسي التراث العربي والمعنيين بالثقافة الإسلامية يختلفون إليه من كافة أرجاء العالم الإسلامي، ويأخذون عنه، ويفيدون من علمه ومكتبته الحافلة التي يسَّرها للدارسين والباحثين.



أسس عام 1957 مكتبة دار العروبة لنشر كنوز الشعر العربي، ونوادر التراث، ووضعت هذه المكتبة تحت

الحراسة عندما اعتقل هو وشريكاه عام 1965.



اعتقل مرتين في عهد عبد الناصر، الأولى لمدة تسعة أشهر عام 1959، والثانية من 31 آب 1965 - 30 كانون الأول 1967.



كرمته الدولة، فمنحته \"جائزة الدولة التقديرية\" في الآداب عام 1981



- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

(1) - هذه إحدى عباراته التي كان يحلو له تردادها.


رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
مناقشة ماجستير: الإحالة ودورها في التماسك النصي في شعر محمود شاكر" بالقصيم مصطفى شعبان أخبار ومناسبات لغوية 0 02-03-2019 01:48 PM
وفاة الشيخ الدكتور فتحي محمد جمعة صاحب "اللغة الباسلة" مصطفى شعبان أخبار ومناسبات لغوية 0 08-25-2018 02:33 PM
حدث في مثل هذا اليوم (49): وفاة أبي منصور الجواليقي صاحب "المُعَرَّب" مصطفى شعبان مشاركات مفتوحة في علوم (( اللغة العربية )) 0 10-05-2017 05:40 AM
منهج تحليل القصيدة العربية القديمة عند محمود شاكر من خلال كتابه:«نمط صعب ونمط مخيف" شمس البحوث و المقالات 0 01-03-2017 08:49 PM
محمود محمد شاكر شيخ العربية وفارس الفصحى مصطفى شعبان البحوث و المقالات 2 08-31-2016 12:13 PM


الساعة الآن 04:33 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc. Trans by