( أعمال المجمع ) أعمال المجمع : 1 ـ دراسة الألفاظ والأساليب والمصطلحات الجديدة في العلوم والآداب والفنون التي لم تدرسها المجامع من قبل . 2 ـ دراسة لهجات القبائل في الجزيرة العربية وما حولها تصحيحا وتأصيلا . 3 ـ إصدار مجلة علمية محكمة ورقية وإلكترونية دورية . 4 ـ دراسة ما يقدّمه المتصفحون من أسئلة ومقترحات. 5 ـ التواصل مع الدارسين وطلبة العلم بواسطة الهاتف (الخط الساخن) كل يوم . 6 ـ تقديم الرأي والمشورة في الصياغة اللغوية لجهات معينة (الجهات الرسمية، القضاء، المحاماة، العقود) . *** للتواصل مع المجمع عبر بريده الشبكي / m-a-arabia@hotmail.com /*** |

مجمع اللغة العربية بمكة يعلن عن إطلاق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مُحِبّ الضاد
عضو فعال

مُحِبّ الضاد غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2455
تاريخ التسجيل : Mar 2015
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 101
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي دفاع عن النحو والفصحى

كُتب : [ 03-19-2015 - 02:17 PM ]


دفاع عن النحو والفصحى
(الدعوة إلى العامية تطل برأسها من جديد)


د. إبراهيم عوض
توطئة:
"أمامكم فرصة العمر الآن لخنق الإسلام وقتله، فلا تضيعوها"! هذا هو الشعار الذي يتنادى به هذه الأيام أعداءُ دين الله من كل ملة ومذهب، متوهمين في عَمايتهم وغلظ بصيرتهم وأكبادهم أن الإسلام يلفظ فعلًا أنفاسه الأخيرة، وأنهم إذا ما كثفوا جهودهم بعض الشيء في حربه، فسوف يتخلصون منه ويرتاحون إلى الأبد، وهذا غباء مطبق؛ إذ كيف يمكن مخلوقًا عاجزًا فانيًا أن يطفئ نورَ الله الذي يسطع في آفاق السموات والأرَضين بنفَس واهٍ من فمه؟ إن دين محمد باقٍ ما بقيت الحياة، إلا أن أصحاب القلوب الغُلف لا يفهمون، ولسوف يُفيق الأوغاد من أوهامهم على قارعة تصكهم صكًّا، وتبددهم شر مبدد، وعندها سيندمون ندامة الكُسَعِي، ولكن لاتَ حينَ مَندَمٍ.

وهذا الوهم المغفَّل قد سوَّل للصراصير الجبانة أن تخرج من جحورها، وقد قام في خيالها المجنون أن بمستطاعها الإطاحة بالرواسي الشُّم، متناسية أنها مجرد صراصير حقيرة، فرأينا صرصورًا يهاجم القرآن المجيد، وصرصورًا آخر يناطح السنة النبوية المشرفة، وصرصورًا ثالثًا يحاول النيل من سيد الأنبياء والمرسلين، وصرصورا رابعًا يطاعن لسان العرب الذي نزل به كتاب الله، فقضى له مِن ثم بالخلود، وصرصورًا خامسًا...، وصرصورا سادسًا... إلى آخر الصراصير، وما أكثرها! إلا أنها تبقى، في نهاية المطاف، صراصير قذرة، تبعث على الاشمئزاز، وتثير الغثيان، ولا تستحق من أحدنا أكثر من أن يسحقها بحذائه!
الراجي رضا ربه والهائم بحب رسوله

دفاع عن النحو والفصحى:
صدر في العام الماضي عن دار رياض الريس كتاب من 176 صفحة يهاجم العربية الفصحى ونحوَها، بعنوان: "جناية سيبويه - الرفض التام لما في النحو من أوهام"، لشخص يدعى: زكريا أوزون، جاء في مقدمته: أن اللغة العربية أصبحت لغة جامدة، بل تراجعت عالميًّا، حتى إن أهلها أنفسهم لم يعودوا يهتمون بها، وأرجع ذلك إلى سببين: علم النحو العربي، والاشتقاق اللغوي لاستيعاب المفردات والمصطلحات الجديدة، أما الكتاب نفسه فينصبُّ كله تقريبًا على نقد النحو العربي، ومحاولة البرهنة على أن قواعده مجافية للمنطق والعقلانية، أما مسألة الاشتقاق فقد لمسها الكاتب لمسًا عجلًا في صفحات لا تزيد على أصابع اليد الواحدة، مضيفًا إليها دعوته إلى اطِّراح الأرقام التي نستخدمها اليوم، والأخذ بما يسمى بـ: "الأرقام العربية"، التي يكتب بها الأوربيون الآن، وهي: "1.2.3.4".

وبالنسبة لنقد النحو العربي نجد أن المؤلف لا ينهج سبيلًا يعرف القارئ منها بسهولة ووضوح ما يريده بالضبط: هل يريد تخفيف القواعد بحذف بعض أبوابها، أو اختصار شيء من تفصيلاتها، أو الاعتراض على فلسفة هذا الاستعمال أو ذاك منها؟ أم هل يريد إلغاء النحو والإعراب جملة واحدة، والركون إلى تسكين أواخر الكلمات؟

أم هل تراه يريد بالأحرى ترك الفصحى تمامًا، والانكفاء إلى العامية، ثم إن كان المراد هو الهدف الأخير، فأية عامية يا ترى نتخذ، والعاميات (كما هو معروف) كِثارٌ بكثرة عدد الأقطار العربية، لا بل بكثرة عدد المناطق داخل كل قُطر من تلك الأقطار؟ فهذا أول ما يمكن أن يؤخذ على الكتاب ومؤلِّفه.

ولنبسط القول في ذلك بعض البسط:
إنه يأخذ على النحاة مثلًا أن الإعراب لا يجري على أساس المنطق[1]، أتراه إذا ما تبين له أنه يجري على أساس منطقي يرجع عن موقفه؟ فماذا هو قائل إذًا إذا عرفناه أنه يجري على منطق القياس: فكل من نفَّذ الفعلَ أو تحقَّق الفعلُ من خلاله يضم آخره إن كان اسمًا مفردًا أو مجموعًا بغير الواو/ الياء والنون، أو ينتهي بالواو إذا كان من هذا الباب الجمعي، أو كان مما يسمى بالأسماء الستة في حالة إفرادها وإضافتها لغير ياء المتكلم، أو ينتهي بالألف إذا كان يدل على اثنين... وقِسْ على ذلك سائر الحالات في الأسماء والأفعال، فإن شذ شاهد عن ذلك كانت له قاعدته التي تبين سر شذوذه: إما لتخلُّف شرط من الشروط، وإما لأنه يتبع لهجةَ قبيلة بعينها تخالف سائر العرب، وإما لأنه شاهد شعري يخضع لضرورات الوزن والقافية، وإن كان هذا الوضع الأخير مِن الندرة بحيث لا يعوَّل عليه.

صحيح أنه يمكن المجادلة بأنه لا منطق في جعل الفاعل مضمومًا، أو منتهيًا بالواو أو بالألف، أو في جعل المفعولات مفتوحة، أو مكسورة (في جمع الألف والتاء)، أو منتهية بالياء (في حالة جمع المذكر السالم والمثنى)، أو بالألف (في حالة الأسماء الستة)، وهذه حجة يميل كاتب هذه السطور إلى تقديرها والأخذ بها، بل لقد سبق أن رددتُ بها على ابن جني، ذلك اللغوي العظيم، في معرض تحليلي لكتابه القيم: "الخصائص"[2]، ومن ثم فإني لا أجد أية غضاضة في سؤال المؤلف وجوابه التاليين: "ما هي العلاقة التي تربط الرفع (فيما يسمى "الأفعال الحمسة") بثبوت النون، والنصب أو الجزم بحذفها؟ والجواب: لا علاقة البتة بينهما"[3].

لكني مع ذلك أسارع إلى الرد بأنه لا بد، في كل مجال من مجالات الحياة، من نقطة بَدءٍ يتم الاتفاق عليها والتسليم بها، ثم الانطلاق منها وجعلُها قاعدة يقاس عليها ما يجدُّ بعد ذلك من حالات تشبهها، مثلًا: لماذا كان ملعب كرة القدم مستطيلًا بأطواله التي نعرفها؟ ولماذا كانت كرة القد مستديرة، بينما كانت كرة الرجبي بيضية؟ ولماذا هذه الاختلافات بين الملعبين في هاتين اللعبتين وفي عدد أفراد كل فريق وفي الشروط التي تحكم اللعبة؟ ولماذا كان عدد الصلوات خمسًا، وكانت الصبح ركعتين، والمغرب ثلاثًا، وسائر الصلوات أربعًا؟ ولماذا يجوز قصر الصلوات الرباعية ولا يجوز ذلك في الثنائية والثلاثية؟ ولماذا كانت سنوات التعليم الابتدائية ستًّا، وكل من المرحلتين الإعدادية والثانوية ثلاثًا، والجامعية أربعًا؟ إن هذه كلها نُقَط انطلاق فقط، ثم يبدأ المنطق في القياس عليها.

ثم هل تنفرد لغتنا بأنه من الصعب أو ربما من المستحيل معرفة المنطق الذي وراء هذا الإعراب أو ذاك التصريف أو ذلك الاشتقاق مثلًا؟ فما هو إذًا، يا ترى، المنطق الذي يجعل الجملة في اللغات الأوربية - التي درسناها، والتي من الجلي الواضح أن صاحب "جناية سيبويه" يعجب بها أشد الإعجاب - هي جملة اسمية دائمًا؟ ولماذا كان تصريف الأفعال في هذه اللغة أو تلك منها على النحو الذي نعلمه؟ ولماذا يختلف تصريف فعل الكينونة في الإنجليزية عن سائر الأفعال؟ ولماذا يشذ تصريف بعض الأفعال عن نظيراتها؟ ولماذا كان توليد الكلمات في هذه اللغات يقوم بوجه عام على إلحاق المقاطع بأوائلها أو نهاياتها لا بالطريقة الاشتقاقية المتبعة عندنا في معظم الحالات؟ إن مثل هذه الأسئلة لا تنتهي، ولو أن أصحاب كل لغة، حينما فكروا في وضع نحوٍ للغتهم، عملوا على أن يمنطقوا هذه المسلمات التي تنطلق منها، وإلا نبذوها وبحثوا عن لغة جديدة يتحقق فيها هذا الشرط، لَمَا صمدت لغة واحدة لهذا العبث، ولكانت البشرية كلها لا تزال حتى الآن في طور الإشارة باليد والتهتهة باللسان، فعل البكم! فإن كان المؤلف يقصد بغياب المنطق هذا الذي أقوله هنا فهو متعنت، يهرِفُ بما لا يعرف، ويُدخِل نفسه في مآزق لا يستطيع أن يسد فيها مسدًّا، وليس هذا مِن شيمة العلماء الذين يقدرون لأرجُلهم قبل الخَطْو موضعها، بل هو إلى النزق الطفولي أقرب رُحمًا، والآن، وقد عرفنا أن اللغة العربية تجري على منطق القياس في إعراباتها واشتقاقاتها، وإن لم يتبين لنا أنها تجري عليه في أساس هذه الإعرابات والاشتقاقات، هل نطمع في أن يرجع السيد أوزون عن موقفه منها؟

يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــع،،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
[1] انظر "جناية سيبويه"/ رياض الريس للكتاب والنشر/ بيروت /2002م/ 15 - 16.
[2] يرجع إلى كتابي "من ذخائر المكتبة العربية"/ دار الفكر العربي / 1421هـ - 2000م/ 118 وما بعدها.
[3] ص 46.



رابط الموضوع: http://www.alukah.net/literature_***...#ixzz3UpSvatSr

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مُحِبّ الضاد
عضو فعال
رقم العضوية : 2455
تاريخ التسجيل : Mar 2015
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 101
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

مُحِبّ الضاد غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-19-2015 - 02:20 PM ]


دفاع عن النحو والفصحى (2)


كذلك يدعي الكاتب أن القرآن الكريم لا يخضع لقواعد اللغة، قائلًا: إن هذه القواعد هي من نتاج المخلوق، على حين أن القرآن هو من كلام الخالق[1]، ثم يورد قرب نهاية الكتاب في الفصل المسمى: "شواهد وتخريجات نحوية" أمثلة من الكتاب العزيز يرى أن ضبطَ بعض كلماتها لا يجري حسب قواعد سيبويه[2]، وهو في هذه الدعوى مخطئ خطًا أبلق لا يمكن الاعتذار عنه بحال؛ فالقرآن الكريم يتبع في كل كلمة منه القواعد التي تحكم اشتقاق الألفاظ وتركيب الجمل في لسان العرب، وإن اكتفاء المؤلف بما أورد من أمثلة قليلة لأعظمُ دليل على أنه لم يجد في سائر الكتاب المَجيد ما يمكن القول بأنه يخالف تلك القواعد، ترى هل رفع القرآن مفعولًا به، أو نصب فاعلًا أو مبتدأ في أي موضع منه، أو أبقى نون فعل من الأفعال الخمسة رغم مجيئه بعد أداة نصب أو جزم مثلًا؟ أما الأمثلة التي زعم مؤلفنا المتمرد الهجَّام أنها تخالف قواعد اللغة، فلا مخالفة فيها على الإطلاق؛ إذ يورد النحاة والمفسرون شواهد من شعر العرب وكلامهم تجري على ذات الوتيرة، بما يدل على أن القرآن الكريم، في هذه الشواهد أيضًا، لا يخرج على أسلوب العرب في اشتقاقاتهم وتراكيبهم، إن لكل حالة إعرابية في لغة الضاد دلالتها، فإذا ما وجدنا مثلًا أن ضبط إحدى الكلمات في جملة من الجمل قد أتى على غير ما هو شائع، كان علينا التنبه إلى أن هناك نكتة بلاغية وراء هذا العدول عن الوضع العام إلى وضع خاص؛ بُغْيةَ الإشارة إلى معنى ما، أو الإيحاء بمغزًى من المغازي لا يتحقق في الأسلوب المعتاد.

ولا ينفرد القرآن في شيء من هذا؛ لأنه ما من شاهد من الشواهد التي ساقها زكريا أوزون للتدليل بها على أن القرآن لا يتبع قواعد لغة العرب إلا وقد أورد له علماؤنا القدامى أمثلة مشابهة من الكلام العربي في الجاهلية وصدر الإسلام، وحتى لو افترضنا أنهم لم يوردوا مثل هذه الأمثلة من كلام العرب، فإن هذا لا ينبغي أن يُتخذ برهانًا على شذوذ الأسلوب القرآني عن القواعد التي تحكم كلام العرب، بل على أن الاستقصاء الذي قام به أولئك العلماء لكلام العرب في هذه النقطة لم يكن استقصاءً كافيًا، وهذا أمر متوقَّع؛ فهم بشر، وكل جهد بشري معرض للخطأ والسهو والنسيان والتقصير، ولا يمكن في تقدير عاقل أن نجعل مِن مثل هذه الأخطاء والتقصيرات تُكَأَةً لرفض تلك الجهود، وإلا وجَب إدارة ظهورنا للحضارة البشرية جملة؛ لأنها لم ولن ولا يمكن أن تخلوَ من الأخطاء!

أليس من العجيب أن يقول السيد أوزون: إن القرآن لا يجري على قواعد النحو والاشتقاق؟ فعلى أية قواعد إذًا يجري؟ إن ذلك لهو الخطَل بعينه، سواءٌ في حُكم المنطق الإنساني، أو في حكم القرآن نفسه، ألم يمرَّ الكاتب، وهو يقلب أوراق المصحف الشريف، بقوله عز شأنه مثلًا: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ [إبراهيم: 4]، أو بقوله: ﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ﴾ [الزمر: 28]، أو بقوله: ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ [الشعراء: 195]؟ وهل القواعد التي استخلصها النُّحاة هي للسان قوم آخرين غير العرب الذين أُرسِل إليهم محمدٌ عليه الصلاة والسلام بذلك القرآن؟ إذا كان فليدُلَّنا المؤلف، ونحن له منصتون، ولعقولنا وقلوبنا فاتحون، ولتغيير رأينا - إن استبان لنا خطؤنا - مستعدون، بالله هل يمكن قيام تفاهم بين طرفين إذا كانت قواعد اللغة التي يستخدمها كل منهما مخالفةً لقواعد تلك التي يستعملها الآخر؟ إنه لهو المستحيل بشحمه ولحمه، إن كان للمستحيل لحم وشحم! وهذا هو حكم المنطق الإنساني بعد أن بيَّنا حكم القرآن الكريم.

ولنأخذ مثلًا أو اثنين من الأمثلة التي يدَّعي المؤلف أن القرآن قد خالف فيها قواعد العربية: فهو يقول: إن "أمسى" و"أصبح" و"ما دام" و"كان" لا تكون عند النحاة إلا ناقصة؛ أي: تحتاج إلى مبتدأ وخبر، ولا تكتفي بفاعل فحسب، رغم ورودها في القرآن تامة؛ أي: مكتفية بفاعل فقط، مثل: ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ [الروم: 17]، و﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾ [هود: 107]، و﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾ [البقرة: 280][3].

وهذا الكلام منه لا يخرج عن أحد أمرين: إما الكذب وسوء الطَّوية للإساءة إلى النحو وعلمائه، وإما الجهل الذي لا يليق بمن يتصدى لمثل هذه القضايا، وسوف أتركه يختار ما يحب منهما بنفسه لنفسه؛ ذلك أن النحاة قد ذكروا - بكل وضوح - أن "كان وأخواتها" (كلها تقريبًا بما فيها "أمسى وأصبح وما دام" التي وقف عندها المؤلف) تأتي ناقصة، وتأتي تامة، وضربوا (من بين ما ضربوه على إتيانها تامة) هذه الآيات الكريمات ذاتها، ولأنقل أولًا ما جاء في "ألفية ابن مالك" في هذا الموضوع، ثم أُقفِّي على أثَره بما قاله ابن عقيل وابن هشام في شرح كلام ابن مالك، ونص الألفية هو:
ومنعُ سَبْقِ خبرٍ "ليس" اصطُفِي
وذو تمامٍ ما برفع يَكتفي
وما سواه ناقصٌ، والنقص في
"فتئ، ليس، زال" دائمًا قُفِي

وقد علَّق عليه ابن عقيل بهذه الكلمات: "وقوله: "ذو تمام... إلى آخره" معناه: أن هذه الأفعال انقسمت إلى قسمين، أحدهما: ما يكون تامًّا وناقصًا، والثاني: ما لا يكون إلا ناقصًا، والمراد بالتام: ما يكتفي بمرفوعه، وبالناقص: ما لا يكتفي بمرفوعه، بل يحتاج معه إلى منصوب، وكل هذه الأفعال يجوز أن تستعمل تامة، إلا "فتئ" و"زال"، التي مضارعها "يزال"، لا التي مضارعها "يزول"، فإنها تامة، نحو "زالت الشمس")، و"ليس"، فإنها لا تستعمل إلا ناقصة، ومثال التام قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾ [البقرة: 280]؛ أي: "إن وُجِد ذو عسرة"، وقوله تعالى: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾ [هود: 107]، وقوله تعالى: ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ [الروم: 17][4]، أما ابن هشام فقد قال: "قد تُستعمل هذه الأفعال تامة؛ أي: مستغنية بمرفوعها، نحو: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} [البقرة: 280]؛ أي: وإن حصل ذو عسرة، و﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ [الروم: 17]؛ أي: حين تدخلون في المساء، وحين تدخلون في الصباح، و﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾ [هود: 107]؛ أي: ما بقِيَت، وقوله: "وبات وباتت له ليلةٌ"، وقالوا: "بات بالقوم"؛ أي: نزل بهم، و"ظل اليومُ"؛ أي: دام ظلُّه، و"أضحينا"؛ أي: دخلنا في الضُّحى، إلا ثلاثة أفعال، فإنها ألزمت النقص، وهي: فتئ، وزال، وليس"[5].

والعجيب أيضًا أن مؤلِّفنا المتمرد الهدام، الذي لا يعجبه النحوُ والإعراب، ويشكك في وجود قواعد تحكم لسان العرب، قد كتب كتابه من مبتدَئِه إلى منتهاه على أساس من تلك القواعد النحوية[6]، التي تَنخَّلها سيبويه وأضرابه بعد استقرائهم لكلام العرب وأشعارهم وللقرآن المجيد، وهو أبلغُ رد على هذا التحذلق الفارغ، بل التنطُّع المَقِيت الذي ملأ به صفحات كتابه.

وأنت، أيها القارئ الكريم، حين تقرأ هذا الذي يقوله المؤلِّف، يقوم في نفسك أن هدفه هو الدعوة إلى مزيد من تقصِّي كلام العرب؛ كي تكون القواعد النحوية أكثرَ دقة وشمولًا، فلا يفلت منها استعمال قرآني أو شاهد شعري، كما أنك حين تراه يضيق صدرًا بالوقت والجهد الذي ينفق في تعليم الطلاب الجُمل التي لا محل لها من الإعراب مثلًا[7]، ما دام ذلك كله لن يأتي بأية ثمرة في واقع الأمر، (إذ ما الفائدة التي تعود على الطالب من معرفة أن هذه الجملة أو تلك لا محل لها من الإعراب إذا كانت معرفة ذلك أو الجهل به لن يترتب عليه صحة في النطق أو الكتابة أو خطأ فيهما؟) - يقوم في نفسك أيضًا أن المؤلف يبغي تخليص النحو من الزوائد المرهقة في غير طائل للمتعلمين، وهما هدفانِ مشروعان، بل يستحقان التشجيع والمعاونة، بَيْدَ أنك تفاجأ في مواضعَ مختلفة من الكتاب بأن المؤلف يدعو إلى إهمال الإعراب جملة وتفصيلًا، وهذه مقتطفات من أقواله تشهد بصدق كلامنا، قال في ص 31 - 32: "إنه ليستوي عندي إذا قلت: كان أحمدُ فائزًا، أو قلت: كان أحمد فائزٌ، أو قلت: كان أحمد فائزٍ، أو قلت: كان أحمد فائزْ"، وقال في ص 66: "إن علامة رفع المثنى أو جره أو نصبه (الألف والنون في الرفع، والياء والنون في النصب والجر) لا أهمية لها عندي، فسواء قلنا: "حضر الطالبان" أو "حضر الطالبين" فالفهم تمَّ بأن من قام بفعل الحضور هما الطالبان (الطالبين)، واستوعب السامع أن اثنين حضرَا، لا ثلاثة أو واحد مثلًا"، وقال في ص 77 ساخرًا من الإعراب: "يرتعد النحاة ويتضايقون إذا قال أحدنا: "إن الشمس ساطعةً"، أو "كان الجندي جريحٌ"، ولكنهم يقبلون مصطلح "مفعول معه"، وكيف يتم إنجاز الفعل من قبل الإنسان والشارع معًا؟"، وقال في ص 87: "إنه يستوي عندنا القول تمامًا في الجمل اللاحقة: "جاء أبو وليد"، "رأيت أبو وليد" (عوضًا عن "أبا وليد"، "مررت بأبو وليد" (عوضًا عن "أبي وليد")؛ لأنه ببساطة يمكننا اعتبار "أبو وليد" اللقب اسمًا علمًا غير قابل للتبديل والتغيير".

كذلك فأنت، أيها القارئ الكريم، عندما تقرأ مثل هذه العبارات قد تظن أن غاية مؤلفنا هي تسكين أواخر الكلمات، أو إلزامها حالة واحدة من حالات الإعراب، أو اتباع ما يحلو للقارئ من هذه الحالات كيفما يتفق له دون ضابط أو ورابط، لكنك تنظر في مواضع أخرى من كتابه فتجد أنه إنما يريد إزاحة الفصحى وإحلال العامية محلها، وإليك بعضًا من أقواله في هذا السبيل: ففي ص 14 مثلًا يتساءل: "لماذا نشأت اللهجات العربية في مختلف أرجاء الوطن العربي ولم تعتمد قواعد اللغة العربية؟"، ليجيب بعد ذلك بصفحتين قائلًا: إن الجواب "يكمن في عدم استطاعة قواعد اللغة العربية أن تؤدي دورها المطلوب، بينما استطاعت لغتنا العريقة والجميلة أن تنتشر لتختلف اللهجات فيها انطلاقًا من مفرداتها الغنيَّة والكثيرة، فمثلًا في سوريا وفي مختلف أرجاء الوطن العربي يمكن لأي فرد عربي أن يفهم الحوار في الأفلام والتمثيليات والبرامج المصرية، علمًا أنها تتكلم اللهجة المصرية المحكية البعيدة كليًّا عما يسمونه اللغة العربية الفصحى (المقعَّدة)، والسبب ببساطة يعود لانتشار موجة الأفلام المصرية القديمة في العالم العربي؛ حيث ألِفت أذن المواطن العربي سماع لهجتها، ففهمها واستمتع بها، وأذكر هنا أنني كنت في زيارة للقُطر الجزائري الشقيق، ولم أستطع في اليوم الأول أن أفهم لهجتهم المختلفة، لكن بعد مرور أسبوع فقط من زيارتي، وبعد أن ألِف أذني سماع لهجتهم، تمكنت من فهم أكثر من ثلاثين بالمائة منها... وهكذا نجد أن ما نحتاج إليه هو أن تألَف الأذن اللهجة، وليس أن نتكلم بلغة منمقة مقعَّدة، وقد يقول أحدهم الآن: هل تريدنا أن نتكلم باللهجة العامية ونترك اللهجة الأم واللغة الأم، لغة القرآن الكريم؟ فأقول له: مهلاً يا سيدي، فأنت قد تركتها في الواقع، شئتَ ذلك أم أبيت[8]، الدليل على هذا وجود اللهجات المنتشرة في كافة أرجاء الوطن العربي، وإن حوارك مع أفراد أسرتك أو مع نفسك عندما تخطط وتفكر وتدبر هو بالعامية، حتى أحلامك تراها وتحكيها بالعامية، وما المشكلة إذا تمكنا من فهم لهجات لغتنا العربية الجميلة واستوعبناها؟ وهل ألغى رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم لهجات القبائل عند بعثته؟"، وفي ص 42 نقرأ ما يلي: "وهنا أتذكر فعلاً صحيحًا مضعفًا، هو فعل "مد"، فعند إسناد ذلك الفعل إلى الضمائر المختلفة لا نسمع أحدًا من ناطقي اللغة العربية المحكية (العامية) من المحيط إلى الخليج يقول: "مددت"، ونجدهم جميعًا يقولون: مدِّيت"، وبالمثل نسمعه في ص 46 يقول: "وهنا لا بد من الإشارة إلى أن أكثر من نصف ناطقي اللغة العربية المحكية (العامية) يقولون للفتاة: "تلعبي" و"تكتبي" بإسقاط النون التي تدل على الرفع، شاء ذلك النحاةُ أم أبَوْا"، وفي ص 140 يقول: "إذا قال أحدنا: "أكل أحمدَ التفاحةُ" (بنصب الفاعل ورفع المفعول به)، فلا أحد منا يقول: إن الفاعل هو "التفاحة"، وإن المفعول به هو "أحمد"، بالرغم من مخالفة حركات أواخر الكلمات لاشتراطات النحاة، وهنا نأمل ألا يجيب أحدهم قائلًا: ولكن كيف نعرف الفاعل في قولنا: "قتل أحمدَ زيدٌ"، أو العكس: "قتل أحمدُ زيدًا"؟ هنا أجيب وبأعلى صوت: الفاعل هو الذي يأتي أولاً، وأوقِفوا هذه التخريجات التي لا تُسمِن ولا تغني من جوع، وما غايتها إلا إضاعة الجهد والوقت والمغالطة! وهل يستخدم القضاة في بلادنا العربية قواعدَ سيبويه النحوية ليعرفوا القاتل من المقتول عند استجواب الشهود الذين لا يحركون أواخر الكلمات في اللهجة العربية الدارجة؟".

من هذه المقتبسات أرجو أن يكون قد تبين مدى الاضطراب الذي يسُود دعوة الكاتب، وإن كنت لا أستبعد مع ذلك أن يكون قد قصد هذا قصدًا (قصده بنفسه أو قُصد له) بُغْيةَ التعمية على وعي القارئ وتخديره؛ كي يتسرب الغزل الذي يتغزله في العامية الدارجة إلى نفسه بهدوء ودون استفزاز، فلا يقف في وجهه رافضًا مستنكرًا.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ص 22.
[2] ص 119 وما بعدها.
[3] ص 30 - 31.
[4] شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك/ تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد/ المكتبة العصرية/ صيدا - بيروت/ 1421هـ - 2000م/ 1/ 256 - 258.
[5] ابن هشام/ أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك / تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد / المكتبة العصرية / صيدا - بيروت / 1417 هـ - 1996م / 1 / 228 - 230.
[6] وإن كان في كتابه مع ذلك أخطاء ترجع إلى عدم اكتمال الأداة، وليس إلى المبدأ الفاسد الذي يلح عليه في مواضع كثيرة منه، والذي يدفعنا إلى تغيير عنوانه من: "الرفض التام لما في النحو من أوهام" إلى "الوهم المأفون لزكريا أوزون".
[7] ص 116.
[8] انظر كيف يقول كاتبنا الذكي: إننا قد تركنا لغة القرآن الكريم، ومع هذا فإنه في نهاية الكتاب يحاول استغفال القراء، زاعمًا أن نبذنا للغة العربية شيء، وحفاظنا على لغة القرآن شيء آخر؛ إذ هو (كما يقول) صيغة تعبيرية لا مجال لمناقشتها (ص 171)، وهو كلام قاله غيره من أعداء العروبة والإسلام قبلاً (مثل ولهلم سبيتا الألماني في كتابه: "قواعد العامية العربية في مصر"، ولم يدخل عقل أحد، فهل ينجح أوزون فيما فشل فيه هؤلاء، وقد كانوا أكثر منه ثقافة وذكاءً وخبثًا؟ لا إخال ذلك دهر الداهرين! وبالله كيف يمكننا فهم القرآن الكريم بعد أن نكون قد تركنا اللغة الفصحى المكتوب بها، واصطنعنا عامية الشوارع التي لن تكون ثمة علاقة بينها وبين لغة القرآن آنذاك؟ إن هذا هو منتهى الاستغفال!).


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/literature_***...#ixzz3UpUDArkU

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
الحِثْل والحِذْل في لهجة الباحة والفصحى أ.د سعد بن حمدان الغامدي مقالات أعضاء المجمع 2 04-19-2018 04:23 AM
دفاع عن اللغة العربية مصطفى شعبان البحوث و المقالات 0 09-19-2017 07:23 AM
لغة الكتابة، التأرجح بين العامية والفصحى شمس أخبار ومناسبات لغوية 0 11-13-2016 05:04 PM
دفاع عن الفصحى شمس الاصيل مقالات مختارة 3 10-24-2014 02:09 AM
الصحيح والفصيح في اللغة العربية: الدكتور أحمد البحبح مشاركات مفتوحة في علوم (( اللغة العربية )) 2 08-22-2014 10:13 AM


الساعة الآن 11:24 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc. Trans by