سلسلة حلقات
(حروف المعاني)
من كتاب
(صرف العناية في كشف الكفاية)
(للإمام العلّامة البيتوشي ت 1211هـ )
يكتبها لكم:
د. خالد بن قاسم الجريان
(عضو مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية)
الحلقة السادسة:
والثالث: معنى (من) التبعيضية، وممن ذكره الأصمعي، والفارسي، ونقل عن الكوفيين.
وقال به ابن قتيبة، وابن مالك استدلالا بقولة تعالى: ( يشرب بها عباد الله)، أي: منها.
وقول الشاعر:
شربن بماء البحر ثم ترفعت *** متى لجج خضر لهن نئيج
أي: من ماء البحر.
وقوله:
ونحن منعنا البحر أن تشربوا به *** وقد كان منكم ماؤه بمكان
ومثلث له ملمحا بقولي:
55- / قالت دموعي إذ أتاني يسري *** طيف حبيبي اشرب بماء البحر
طيف –بالإسكان-: مخفف (طيف) المشدد، كـ(ميت وهين)، واوي يائي ، وهو الخيال الطائف بالنائم، وهو فاعل (أتى)، وجملة: يسري: حال منه، وجملة: اشرب …..إلخ: مقول (قالت)، وباء (بماء) بمعنى (من) ، والتقدير: قالت دموعي وقت إتيان طيف حبيبي لي: اشرب يا طيف من ماء البحر، تعني به نفسها.
الرابع: الظرفية، وعلامتها: أن يحسن في موضعها (في)، كقول الأعشى:
ما بكاء الكبير بالأطلال *** وسؤالي وما يرد سؤالي
الخامس: معنى (على) للاستعلاء، نحو قوله تعالى: (وإذا مروا بهم)، وقول الشاعر:
أرب يبول الثعلبان برأسه *** لقد هان من بالت عليه الثعالب
ومثلت للرابع والخامس ملمحا بقولي:
56- وما بكا الكبير بالأطلال *** مرت بها سوالف الأحوال
ما: استفهامية مبتدأ، وبكا: خبره، يقصر – كما هنا – ويمد، وبالأطلال: أي: فيها، وهو كالطلول، جمع طلل لما شخص من آثار الدار، والأحوال: جمع حول بمعنى: السنة، وإضافة (سوالف) إليها من إضافة الصفة إلى الموصوف، (أي): الأحوال السابقة، وجملة: مرت بها: – أي: عليها -: حال من الأطلال، على حد: ( أو جاءوكم حصرت صدورهم)، وقول الشاعر:
…………………. كما انتفض العصفور بلله القطر
السادس: معنى (إلى) لانتهاء الغاية، نحو: ( وقد أحسن بى إذ أخرجنى من السجن )
أي: أحسن إلي ، وقوله:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة *** لدينا ولا مقلية إن تقلت
وقيل: ضمن (أحسن) معنى (لطف) ، و( أساء) معنى ( أضر )، والتضمين قال المرادي: قياسي عند الأكثرين.
ومثلت لذلك ملمحا بقولي:
57- وكيف لا أبكي وقد أحسن بي *** دمعي إذ خفف بعض اللهب
كيف: ظرف عند سيبويه، واسم عند الأخفش، وهو في موضع الحال من ضمير (أبكي) قدم عليه وجوبًا لتضمنه معنى الاستفهام المقتضي للصدارة.
وجملة: وقد أحسن بي –أي : إلى – : حال من ضمير (أبكي) أيضا، وإذ: تعليل لـ(أحسن) على حد: ( ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم) ، أي: لأجل ظلمكم في الدنيا.
وهل هي حرف بهذا المعنى أو اسم؟ يأتي محله.
58- / وبدلاً تأتي وزدها واجبه *** في فاعل ولا ضطرار غالبه
أشرت بقولي: وبدلاً تأتي: إلى المعنى السابع من معاني الباء وهو البدل، وعلامتها: أن يحسن في موضعها (بدل) كقوله:
وليت لي بهم قوما إذا ركبوا *** شنوا الإغارة فرسانا وركبانا
أي: فليت لي بدلهم.
ومثلت لذلك ملمحا بقولي:
59- وليت لي بهذه العذال *** في لوعتي من رق أو آوى لي
لي: خبر (ليت) وبهذه أي: بدل (هذه)، محله النصب حال من فاعل خبر (ليت)، والعذال : نعت (هذه)، وفي لوعتي: إما ظرف لغو متعلق بـ(العدال)، أو ظرف مستقر حال من الياء في (لي)، ومن : اسم (ليت) ، وهي إمَّا موصولة، وجملة (رق) صلتها، أو نكرة موصوفة والجملة صفتها، نظيرها في قوله:
رب من أنضجت غيظًا قلبه *** قد تمنى لي موتًا لم يقع
لدخول (رب) المختصة بالنكرات عليها.
وقوله:
وكفى بنا فضلا على من غيرنا *** حب النبي محمد إيانا
لوصفها بالنكرة على رواية جر (غير) .
وبهذا البيت ونحوه يرد زعم الكسائي أنَّها لا تكون نكرة إلا في موضع يخص النكرات كالبيت الأول، وأجاز ذلك الزمخشري في:( ومن الناس من يقول آمنا) على أنَّ (أل) في (الناس) للجنس، وقال : (إنْ كانت للعهد فـ(من) موصولة).
وقولي: آوى لي – من أويت له كـ (رمى)، أي: رحمته – : عطف على (رق) بمعناه.
الثامن: الإلصاق ، وهو أعلم معانيها حتى قيل: إنه معنى لا يفارقها، ولهذا اقتصر عليه سيبويه، وما سواه فيها عنده اتساع.
والإلتصاق الحقيقي كـ:أمسكت بزيد، إذا قبضت على نحو يده أو ثوبه، ومجازي كـ:مررت به.
التاسع: التعدية، وتسمى: باء النقل أيضًا، والغالب تعديتها للفعل القاصر نحو: ذهبت بزيد.
ومن ورودها مع المتعدي قولهم: صككت الحجر بالحجر، ودفعت بعض الناس ببعض، كذا قالوا.
والذي يظهر لي أنَّ هذا من تعدية القاصر أيضًا، لأنَّ (صكَّ) بالنسبة إلى (الحجر) الثاني قاصر كـ (دفعت ) بالنسبة إلى (بعض) الثاني، وكذا غيرهما مما لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد.
العاشر: الاستعانة، وهي الداخلة على آلة الفعل نحو:/ كتبت بالقلم ، قال المرادي:
(ومنه في أشهر الوجهين: بسم الله )
الحادي عشر: السببية ، نحو: ( إنَّكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل) ، ومنها – كما قال المرادي – نحو: لقيت به الأسد.
الثاني عشر: المقابلة، وهي الداخلة على الأعواض : كـ : اشتريته بألف، وقد تسمى: باء العوض.
الثالث عشر: القسم ، نحو: بالله لأفعلن، وهي أصل حروفه، ولذلك خصت بجواز ذكر الفعل معها نحو: أقسم بالله، ودخولها على الضمير، واستعمالها في القسم الاستعطافي نحو: بالله هل قدم محبوبي؟ أي: أسألك بالله مستحلفا، كما قاله ابن هشام.
الرابع عشر: التبيين، ولم أر من ذكره في تقسيم الباء، نحو: مرحبا بك وأهلا بك، أي: هذا الدعاء مختص بك، كما قاله الرضى.
وقال خالد في التصريح: (بك متعلق بـ(مرحبا) ).
ونحو: بعته يدًا بيد، قال ابن الحاجب في شرح المفصل: (إنَّ الباء فيه للتبيين) ونسبه إلى سيبويه.
وأما الباء الزائدة: فقد أشرت إليها بقولي: وزدها واجبه….إلخ، أي: إنَّ الباء تجيء مع الفاعل زائدة، و زيادتها واجبة وضرورة وغاليه:
(فالواجبة مثل: أحسن بزيد، في قول الجمهور: إنَّ الأصل: أحسن زيد، بمعنى: صار ذا حسن، ثم غيرت صيغة الخبر إلى الطلب، وزيدت الباء إصلاحًا للفظ)
وهو مذهب سيبويه وجمهور البصريين.
وأمَّا الفراء والزمخشري وغيرهما ، فيجعلون (به) في: أحسن به في موضع النصب بالمفعولية، لأنَّهم يرونه أمرًا حقيقة لا خبرًا، وهي لازمة عندهم أيضًا.
وقد تحذف هذه الباء – كما في التسهيل – على المذهبين إنْ كان المتعجب منه (أن) وصلتها خلافا لبعض، كقوله:
وقال نبي المسلمين تقدموا *** احبب إلينا أنْ يكون المقدما
ومثلت لمجيئها زائدة في الفاعل واجبة بقولي:
60- لي قمر ما إن له من مشبه *** أحسن به أحسن به أحسن به
لي : خبر مقدم، وقمر: مبتدأ مؤخر، /سوغ الابتداء به – وهو نكرة – نعته بما بعده، مع تقدم خبره عليه، كـ: في الدار الرجل.
وما: نافية، وإن ومن: زائدتان لتوكيد النفي، ومشبه:مبتدأ نكرة سوغ الابتداء به كونه في حيز النفي، والنكرة في حيز النفي بمنزلة المعرف بـ(أل) الجنسية مع ما ذكرنا في (قمر) وجملة: ما إن له ….إلخ: نعت (قمر)، وأحسن : فعل تعجب طلبًا لفظًا، إخبارًا معنى، والباء في (به): زائدة، والهاء: فاعل (أحسن) كان ضميرًا مستترًا فبرز، وأدخل عليه الباء الزائدة إصلاحًا للفظ لاستقباحهم إسناد لفظ صيغة الأمر إلى ضمير الغائب كاستقباحهم ذلك في الاسم الظاهر من نحو: أحسن بزيد، فصار ما بعد الباء فيهما على صورة المفعول به في: أمرر بزيد، ولهذا جاز حذفه عند العلم به نحو: (أسمع بهم وأبصر).
والضرورة وهي: مالا يجوز في النثر على الصحيح، لا ما لا مندوحة عنه للشاعر.
قال المرادي: وهي أبيات محفوظة، منها قول الشاعر:
ألم يأتيك والأنباء تنمي *** بما لاقت لبون بني زياد
وقوله:
ألا هل أتاها والحوادث جمة **** بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا
وقوله:
مهما لي الليلة مهما ليه *** أودى بنعلي وسرباليه.
أودى بمعنى هلك .
ومثلت لذلك ملمحا بقولي:
61- أما أتاكم والعلوم تنمي *** بما لقيت بعدكم من سقم.
الهمزة للاستفهام، وما: نافية، والعلوم أي: الأخبار، وتنمي: ترفع وتشيع كـ: تنمو، والجملة اعتراض بين (أتى) وفاعله، وهو (ما) الموصولة.
والباء زائدة اضطرارا، ولقيت: صلة (ما)، والعائد محذوف، وبعد: ظرف (لقيت)، ومن سقم: بيان لـ(ما)، أو (ما) موصوفة، ولقيت: صفة، والرابط محذوف.
والغالبة: هي التي في فاعل (كفى) بمعنى: حسب، نحو: (كفى بالله شهيدًا) ، قال بعض منهم ابن هشام: فإن كان بمعنى الوقاية لم تزد في فاعلية نحو (وكفى الله المؤمنين القتال) ومنهم من ضمن (كفى بالله) معنى: اكتف، قال ابن هشام: (وهو من الحسن بمكان)، أي: فالباء ليست زائدة.
ومثلت لذلك ملمحًا بقولي:
62- كفى بدمعي شاهدًا في كمدي *** وضعف جسمي ونفاد الجلد
كفى: فعل، ودمعي: فاعل، والباء: زائدة، وشاهدًا: تمييز لرفع إبهام النسبة، والعامل في نصبه: كفى.
وأما قول ابن مالك:
اسم بمعنى من مبين نكره *** ينصب تمييزًا بما قد فسره
فمقيد بما يفسر الاسم نحو: عشرون درهما.
وفي كمدي – أي: في ثبوته -: متعلق ـ بـ(كفى)، وهو محركًا: الحزن الشديد، فعله كفرح، وهو كامد وكميد وأكمده فهو مكمود، قاله في القاموس.
وضعف بالفتح، ويضم ويحرك من بابي: كرم ونصر، وهو إمَّا مرفوع عطفًا على موضع (دمعي)، أو مجرور عطفًا على لفظه، أخذا مما قالوا في (أنَّه) في : (أولم يكف بربك أنه).
ونفاد – بفتح النون وبالدال المهملة – : مصدر : نفد، كـ: علم إذا فني، معطوف على (دمعي) بالوجهين في (ضعف).
والجلد – بالجيم محركة – : الشدة والقوة، فعله كـ: كرم، والوصف ك: جلد – بالسكون – وجليد.
خاتمة:
اعلم أن حروف الجر الزائدة كـ: الباء في (كفى بالله) لا تتعلق بشيء، وكذا (لعل) الجارة، و (لولا) في نحو: لولاي ولولاك، ورب وكاف التشبيه وخلا وعدا وحاشا، إذا جررن على ما في بعضها من الخلاف.
وقد نظمت ذلك في قولي:
ما لا له تعلق من أحرف الـ *** جر لعل رب لولا وخلا
حاشا عدا والكاف للتشبيه مع *** ما زيد والخلف ببعضها انجلى
وقد ذكرها ابن هشام بما فيها في المعنى مفصلة .
