أهميةُ ظرف الزمان “إذْ” في تَحقيق الربط النصيّ – أ.د. عبدالرحمن بودرع


أهميةُ ظرف الزمان “إذْ” في تَحقيق الربط النصيّ – أ.د. عبدالرحمن بودرع



تأمَّلْ قولَه تعالى في أواخر سورةِ المائدَة: 

«يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ. وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ. إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ».

إذْ قال الله يا عيسى – إذ أيدْتُكَ – وإذ علَّمْتُكَ – وإذْ تَخلُقُ – وإذْ تُخرِجُ المَوْتَى – وإذْ كَففتُ بَني إسرائيلَ – إذ جئتَهُم – وإذْ أوحيْتُ إلى الحَواريّينَ – إذْ قالَ الحَواريّونَ الأساسُ المَقاميُّ الذي وَرَدَت فيه “إذْ” تسعَ مراتٍ متتابعات هو مَنهَجُ حكايَةِ المُحاوَرَاتِ. إذا تأملتَ هذه الآياتِ وجدتَ فيها أنواعا كثيرةً من الروابط التي تشد العبارات بعضَها إلى بعض، وأبرزُها هنا الربطُ بالظَّرْفِ “إذْ” : ففي قوله تعالى {إذْ أيّدتُكَ بروح القُدُس} تعلَّقَ الظّرفُ “إذْ” بـ {نعمتي} لأنها اسم مشتق فيه معنى المصدر إنعام، والتقدير: النعمة الحاصلة في وقت التأييد بروح القدس.

و تكرُّرُ الظرفِ “إذْ” دَليلٌ عَلى منزلَة ظرف الزمانِ في مَساقِ هذه الآياتِ، ومركزيَّته في إقامةِ ترتيبٍ وعطفٍ بين الوَقائعِ التي يَنبغي تذكُّرُها، فهي أدلّةٌ وَبَراهينُ زمنيّةٌ على قضيّةِ صدقِ الرسالَة، سيقَت عَلى هيئَة مُحاورات ولَفتِ انتباهٍ وتَذكيرٍ بما حَصَلَ من النعمِ التي سيترتَّبُ عليْها نتائجُ عظيمةٌ. فتَكرارُ أداةِ الدلالَة الزمنيَّةِ ربطٌ بينَ الآياتِ والعباراتِ برابطٍ يُرادُ له أن يَكونَ متصلاً بتَذكُّرِ النعم في الزمَن وتَثبيتِ الوَقائعِ في الذّهنِ، وإشعارِ المُخاطَب بأنّ الأحداثَ الكبْرى تترتَّبُ عليْها نَتائجُ كُبْرَى.

الربطُ بإذْ، قَلَّ مَن عَدَّه أداةَ ربطٍ من النحويّين واللغويّين، فلم يَكادوا يَزيدونَ على البَحث عَن تعليقِ كلِّ ظرفٍ بما يدلُّ على الحدثِ مَعْنىً وأن يَكونَ مشتقاً لَفظاً وصَرفاً، أو جامداً مؤولاً بمشتقٍّ أو حرفاً فيه رائحَة الفعلِ ومَعْناه. فإذا ألقيْنا الحَبْلَ الزَّمانيَّ رابطًا بين العباراتِ أُشْرِبَت الآياتُ مَعْنى جديداً أو فَضاءً دلاليًّا جديدًا أو حَقلاً خاصاً يُقرأ في ضَوْءِ الشُروط الزمانيةِ.


2 التعليقات

    1. 1
      خالد عبد الله عبده الحوري

      أفضل إبراز دور (إذ) الظرفية في تحقيق الترابط النصي دون اللجوء إلى الألفاظ المبهمة الغامضة من نحو (تكرار أداة الدلالَة الزمنية ربطٌ بين الآيات والعبارات برابط يُراد له أن يكون متصلاً، فإذا ألقينا الحبل الزماني رابطًا بين العبارات أُشرِبت الآيات معنًى جديدًا، أو فضاءً دلاليًّا جديدًا، أو حقلًا خاصًّا ..)، وأشباه هذا الكلام مما لا يمكن تحقيقه بالبرهان، بل هو كلام مبهم مرسل لا يؤسس منهجًا يطمئن إليه العقل، ولا يعين على تذوق المعنى ..

      الرد
    2. 2
      كاتب المقالة أعلاه

      السيد الد بد الله عبده الحوري المحترَمك
      أنت ههنا لا توجه نقدا موضوعيا سديداً يُستفاد منه، ولكنك ترمي المقالَة بالنقيصَة، وتتهم صاحبَها بالإغماض، والإلباس وبعدم الإتيان بالحجة والبرهان، وأرى أنك شططتَ ولم تُنصفْ، ولم تأت بجديد يُفيد صاحبَ المقالة ولا قراءَها.
      ولن أبادلَك الكلامَ بمثله لأننا سنصيرُ إلى ما لا يُناسبُ مقامَ العلم، ولكني أقولُ لكَ فقط: لا ينبغي أن يتعمدَ القارئ الفهمَ بمجرد النظر، فإن لم يَفهمْ بمجرد النظر الأول رَمى غيرَه قبل نفسه بالإغماض، بل يتعينُ عليه بذل جهدٍ للفهم ومحاولةُ النظر وإعادة النظر حتى يتبينَ له المَعنى، فلا يتّخذنَّ المرءُ نفسَه مقياساً لغيره في ما فهم وفي ما لَم يفهمْ فإن فهم سَكَتَ وإن لم يَفهمْ رَمى الكاتبَ بما لا يَليقُ.
      والسلام

      الرد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *