باب في الرّدّ على مَن ادّعى أنّ النّظريّات اللّسانيّة الحَديثَة ضربٌ من القُشور – أ.د. عبدالرحمن بودرع


باب في الرّدّ على مَن ادّعى أنّ النّظريّات اللّسانيّة الحَديثَة ضربٌ من القُشور – أ.د. عبدالرحمن بودرع



باب في الرّدّ على مَن ادّعى أنّ النّظريّات اللّسانيّة الحَديثَة ضربٌ من القُشور، ومنها نظريّة النّحو التّوليديّ التّحويليّ:  أولاً : أقولُ عن نَظرية شومسكي، ولا أعُدُّها قُشورا، كَما قيل في محاورَة جَرَت على شبكَة الواتساب، ولا أدْري ما الذي عَناه القاذفُ، بالقُشور أو مَن عُني بذلكَ، إنها نظريةٌ في اللّغة الإنسانية ولا تَخُصّ لغةً دون أخرى، وإنّها نقطةُ تحوّل في منهج البحثاللّغوي إذ انتقَلَ من البَحث في اللغة إلى البحث في النّحو وهيئته وبنيتِه، ولذلك فالموازنةُ بين نظريّة النّحو التوليديّ وبين النّحو العربيّ إنّما هي مُوازنةٌ بينَ نحو خاصٍّ وبينَ نحوٍ يُرادُ له أن يكونَ عالمياً، وهذا النحو يَتوسّلُ بالنّظريات المتتالية المتجدّدة المستدْرِكِ بعضُها على بعض، ويُفيدُ من تَطبيق كلِّ باحثٍ لسانيّ مُنتسبٍ إلى النظريّة التوليدية، عَلى لُغتِه الخاصّة، طَبعاً الدّراسات تُنجَزُ باللّغة المُشتركة بين الباحثين اللسانيّينَ العالميين، وهي اللّغة الإنجليزية، فتَتراكمُ الدّراساتُ ويُستفادُ منها في صياغة النّظرية في أحْدَث صُورِها، ونحن كُلّما قارَنّا هذه النّظريةَ بالنحو العربيّ فإنّنا لا ننتبهُ إلى هذا التّطور الهائلِ الذي أصابَها وإلى الفُروقِ الكَثيرة بين الخاص والعامّ… ونُهْرَعُ إلى مُوازنةِ نَحونا العربيّ بنظريةِ شومسكي وتفضيل نحونا على نظريته ونتهم عُلماء اللّسانياتِ بأنهم يأتون بالقُشور.  ثانياً : نظريةُ النّحو التّوليديّ التّحويليّ نظريةٌ في مَعرفة الطّفلِ بلُغَتِه وهي مَعرفةٌ فطريةٌ مَركوزةٌ في الطِّباع، ذاتُ مَراحلَ أوّلُها المرحلةُ الأولى أو الابتدائية أو الأساسُ، وتُحددُ بالعامين الأوَّلَينِ من عُمُره وتكونُ هذه المعرفة التي يستخدمها الطفل، تظهرُ على شكل أصوات يُرسلُها، ثم المرحلة الثانية وهكذا حتى يصل إلى المرحلة الأخيرة التي يتقن فيها استخدام لغته إذ يطابق الألفظ بالمعاني والتراكيب بالمقاماتِ  ثالثاً: تُريد النّظرية أت تقولَ إن النحوَ الذي يُمكنُ وَضعُه أو صياغتُه عن اللغة إنّما هو افتراضٌ أو ادّعاء أي ادّعاء أنّ هذا النّحوَ أنموذجٌ Model يعكس تلك اللغةَ المركوزةَ في النّفس ولا نَراها، فنضعُ عَنها أو حَوْلَها تصوراً أو تَصميما أو هندسة نُسمّيها نحواً لتلك الّلغة، ويظلّ ذلكَ النّحوُ ادّعاءً لأنه مُعرَّضٌ للدَّحضِ والنّبذِ Refutation أو التّغيير كلّما ظهرت مَوادُّ لغويةٌ لم تكن من قبلُ في حَوزتنا فلمّا حصلنا علينا بحُصولنا على مدوّناتٍ لغويّةٍ جديدةٍ، اضطُرِرْنا إلى إدخال التّعديل اللازمِ والتّرميم على تلك النظرية التي تُنتج الأنحاء، فإن لم نُرمِّمْ النظريةَ في ضوء ما جَدَّ فستُنتجُ لنا هذِه أنحاءً قاصرةً لا تعكسُ حقيقةَ اللغة المَدروسة.  رابعاً: النّحوُ علمٌ يُفترَضُ أنّه يعكس لنا ويكشفُ، حقيقةَ اللّغة وبنيتَها التي في عَقل المُتكلم، وقَريب من هذا التّصور ما عَبر عنه أبو سعيد السِّيرافيّ بأن النّحوَ مَنطقٌ مسلوخٌ من العربية، فإذا عَمّمنا هذه المقالةَ قُلنا كما تقولُ نظريةُ النّحو التّوليديّ التّحويلي: النّحو مُحاكاة لبنية اللغة التي في ذِهن المُتكلّم، فإذا عَمّمنا هذِه المقالةَ أو هذا المَذهبَ فَسنَتساءلُ: هل النّحو العربيّ يعكس ويكشف بنية اللغة العربية وطُرُقَها ومَذاهبَ العربِ في تَركيبِ الجُمل والنصوص وفي مطابقة اللفظ لمعناه والمَقالِ لمَقامِه ؟  خامساً: اجتهادُ النّحويين العَرب عامة والبصريين منهم على وجه الخصوص، يوافق هذا المنهج الذي تحدثنا عنه، وهو قيام بنية اللغة العربية في عُقول العرب، أو كما قال الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمه: ((إنّ العَرَبَ إنّما نَطقت عَلى سَجيّتِها وقامَ في عُقولِها عِللُه)) أي عِلًلُ اللّسان، وأحسبُ أنّ الخليلَ لا يريدُ بالعلل التّعليلاتِ المَعلومةَ التي تَحدّثَ عنها ابنُ جني وقسَّمها إلى أقسام، ولكنّه يُريد بها قَواعدَ اللّغة العربيةِ في ذاتِها، أي إنّ العربَ تكلمَتْ على سَجيتِها كما تتكلّمُ سائرُ الأمم على سجاياها وطِباعِها، وقام في عقولها قواعدُ لغتها ولم يَحْتاجوا إلى وَضع علم يحاكي اللغة لكي يَنْحُوا على منواله.


2 التعليقات

    1. 1
      د. سناء حميد البياتي

      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

      هل لي أن انشر على صفحاتكم الموقرة ما توصلت الية من معرفة المراحل التي يمر بها ذهن المتكلم قبل ولادة الجملة , اي بناء الجملة في عقل المتكلم , وهي ما اطلقت عليها مرحلة الصفر في بناء الجمل.

      سأكون شاكرة لو وصلني جواب منكم
      مع أجمل تحية
      د. سناء البياتي
      جامعة بغداد سابقا
      جامعة مالمو حاليا / السويد

      الرد
    2. 2
      كاتب المقالة أعلاه

      وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
      السيدة الدكتورة سناء البياتي / المحترمَة

      هذا الموقع، يتكلفُ في نشر مقالاته، مجمع اللغة العربية على الشبكة العالَمية، وإذا شئتُم فأرسلوا إلى سعادة رئيس المجمع ببحثكم أو مقالتكم لطلب نشرها في المنتدى أو الموقع ، شاكرا لحضرتك حُسن تواصلك.

      الرد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *