محاكمة نصٍّ من الصاحبي تتّصلُ بشطر بيتٍ مجهولٍ – أ.د. سعد حمدان الغامدي


محاكمة نصٍّ من الصاحبي تتّصلُ بشطر بيتٍ مجهولٍ – أ.د. سعد حمدان الغامدي



في سلسلة محاكمة النصوص، شطرُ بيتٍ مجهول ورد في الصّاحبي في باب الشعر، ضبطُه، ونسبتُه وبيان الشاهد فيه، ومناقشة موقف ابن فارس منه.
***
في نصٍّ قَيِّمٍ لابن فارس يُعبّر فيه عن رأيه فيما يرتكبه الشعراء من الضرورات وردَ شطْرُ بيتٍ ظهر لي أنّ مراجعي ومحققّي الصاحبيّ والناقلين عنه لم يعرفوا الشاهدَ فيه، ولذا أخطأوا في ضبطِ إعرابِ كلمةِ قافيتِه، وهي كلمة (رُبُوْع)، أو أهملوا الضبطَ بالكُلِّيَةِ.
قال أحمد بن فارس في الصاحبي 468 – 469 باب الشعر:
“والشُّعراء أُمَراءُ الكلامِ، يَقْصُرون المَمْدُودَ، ولا يَمُدُّون المَقْصُورَ، ويُقَدِّمون ويُؤَخِّرون، ويُوْمِئُون ويُشيرون، ويَخْتلِسون، ويُعِيرُون ويَسْتعِيرونَ.
فأَمّا لَحْنٌ فِي إعرابٍ، أَوْ إزالةُ كَلِمَةٍ عن نَهْجِ صَوَابٍ، فليس لهم ذلك.
ولا معنى لقولِ مَنْ يقول: إنّ للشاعر عند الضرورة أنْ يأتيَ فِي شِعره بما لا يجوز. ولا معنى لقولِ مَنْ قال:
أَلَمْ يَأْتِيْكَ والأَنْبَاءُ تَنْمي
وهذا وإنْ صحَّ، وَمَا أشبهه من قوله:
لَمَّا جَفا إخْوَانُهُ مُصْعَباً
وقوله:
قِفا عِنْدَ مِمَّا تَعْرِفَانِ رُبُوْعُ [كذا ضبطت العين]
فكلُّه غَلَطٌ وخَطَأٌ، وَمَا جعل اللهُ الشعراءَ معصومين يُوَقَّوْن الخطأَ والغلَطَ، فما صَحَّ من شعرهم فمقبولٌ، وَمَا أبَتْهُ العربيةُ وأُصُوْلُها فَمَرْدُودُ …”
قال محقّقُ الصاحبي السّيّد صقر في حاشية الشطر الثالث: قِفا عِنْدَ مِمَّا تَعْرِفَانِ رُبُوْعُ، “لم أقف عليه بَعْدُ”.
وعلى هذا فقد ضبط – رحمه الله – العينَ بالضّمّ.
وكذلك ضُبِطَتْ في الصاحبي مطبوعة المكتبة السلفية التي جاء في مقدمة الناشر عنها:
“ولقد اعتمدنا في إحياء الصاحبي ونشره على نسخة صحيحة بخط الأستاذ اللغوي الجليل المرحوم الشيخ محمّد محمود بن التَّلاميد التُّرْكُزِيّ الشنقيطيّ من مكتبته المحفوظة في المكتبة المصرية الخِدَيْويّة في القاهرة، وقد نقلها عن نسخة في إحدى مكتبات القسطنطينية قرئت على المصنف عام 382 هــ …إلخ”.
وكأنّي بالضبط من الشيخ ابن التلاميد نفسِه، وفي كُلِّ الأحوال الضبطُ في المطبوعتين ضبطٌ بالقلم لا بالحروف.
ولم تُضبط العَيْنُ في المزهر 2/ 498 الذي نَقَلَ جُزْءًا من نَصِّ الصّاحبيّ.
ولم يرد هذا الشّطْرُ في كتاب ذَمِّ الخطأ في الشِّعْرِ لابن فارس.
وعندما نقل إبراهيمُ السامرائيُّ في كتابه المدارس النحوية أسطورة وواقع ص 25 نصّ الصّاحبي = ضَبَطَ (ربوع) بالضم أيضًا نَقْلًا عن نسخة المكتبة السَّلفيّة المثبتة في مصادره عن الصفحة 231.
وقد يَظُنُّ ظانٌّ أن الضّبْطَ لغير السيد صقر ثِقَةً بجودةِ تحقيقاته وتميّزِ قراءتِه للنُّصوصِ، وبخاصة أنّ ناشر َكتابِ الصّاحبيّ، وهو مكتبة عيسى البابي الحلبي وشركاه ذكر أنَّ المكتبةَ حرصت “على نشر الكتاب وتقديمه محققًّا تحقيقًا جيدًا بعناية الأستاذ الكبير السيد أحمد صقر، وتعاقدت معه على ذلك في شهر يونيه سنة 1953، ومن ذلك الحين إلى شهر مارس سنة 1977، حقّق منه من صفحة 1 إلى صفحة 608، وذلك بسبب ظروفه القهرية، فاضطررنا إلى تكملته من صفحة 609 إلى آخره، وعملنا للكتاب هذه المقدّمة، سائلين الله عزَّ وجلَّ أن ينفع بهذا العمل، وأنْ يَجْزِيَ كُلَّ مَنْ أسهمَ فيه خيرًا”.
فأوهمَ الناشر بذلك أنّ هناك من تدخّل في عمل المحقّق، ولكنّ الحقيقةَ أنّ الناشِرَ لم يضف إلى عملِ السّيِّد صقر سوى صفحات في الفهارس من ص 609 إلى 637، لا أكثر، وعلى هذا فإِنّ السّيّدَ صقر حقّق متنَ الكتاب كاملًا، وكتب هوامشَه، ووضع جزءًا من فهارسه، وصحيحٌ أنّه لم يكتب المقدّمة، وكان على الناشر بيان ذلك كلّه.
فلا حُجّةَ لمن اعتذر عن المحقّق بما ذكره الناشرُ.
والصَّوَابُ أنَّ ضَبْطَ العين بالكسر لا غير؛ فبيانُ وجهِ الاستشهادِ، وإعراب الشطر يُظهر الضبطَ الصحيحَ لكلمة (ربوع)، فوجه الاستشهاد به هو ارتكاب ضرورة الفَصْلِ بين المُتضايفين (عندَ، وربوع)، وأَصْلُ الكلام: قِفا عندَ ربوعٍ مِمّا تعرِفان، فعند ظرف متعلّق بالفعل (قِفا)، والجار والمجرورُ (ممّا تعرفان) متعلقٌ بمحذوفٍ يُعْرَبُ حالًا متقدّمًا على رُبُوْع.
ويؤيّد هذا أنه بعد نشر هذه المقالة في وسائل التواصل الاجتماعي – كما تسمّى – ومنها الواتس في مجموعة لغوية نافعة باسم لسان الضاد، نبّهني الأستاذ الكريم عطوان عويضة إلى أنّ الشطرَ موضوعَ المقالة صدرُ مطلعِ أبيات لأَبي حَيَّة النُّمَيْرِيّ، وممّا جاء في تنبيهه قولُه:
“أظن – والله أعلم – أنّ هذا الشطر (قِفا عند مِمَّا تعرفانِ رُبُوع) هو صدرُ بيت لأَبي حَيَّة النُّمَيْرِيّ، من أبياتٍ وردت في “المنازل والديار” لابن مُنْقِذ، وأنَّ الصوابَ جَرُّ ربوعٍ، لأنَّ رويَّ الأبيات هو العَيْنِ المكسورة، – وأورد صورة الأبيات في الكتاب -، وإنْ كان ضبطُها أيضا غيرَ دقيق، إلا أنَّ الرويَّ يكفي للحكم على ضَبْطِ الكلمة”.
وفي مداخلة من د عبد الهادي الغامدي تتعلق بالياء الظاهرة في رسم كلمة ربوع، قال: أحسنت وأجدت، لكنْ يبقى إشكالٌ في نوع الياء الملحقة بكلمةِ (ربوع). وكونُ ضرب البيت بالعين المكسورة لا يقطع بكسرها في عروضه !
فأجاب أ. عطوان: “أما الياءُ فتحتمل أنْ تكون للإطلاق إشباعا لكسرة العين، وتحتمل أنْ تكون ضمير المتكلم، وتحتمل أنْ تكون من وهم الناسخ أو الكاتب، وروايات الشطر الخالية من الياء تقوي هذا الاحتمال. وأما كون ضرب البيت بالعين المكسورة لا يقطع بكسرها في العروض، فهذا في سائر القصيدة، أما إذا كان مطلع القصيدة مَصَرّعًا، كما يظهر هنا، فالعروض والضرب يجريان على حكم واحد. والله أعلم”.
انتهت رسالته، وعليه، فقد راجعتُ كتاب المنازل والديار ص 140 ووجدت الأمر كما ذكر على النحو الآتي، وسأورد الأبيات مضبوطة بالشكل على ما وجدته في المصدر وعلى ما أتوخّى أنّه الصواب:
وقال أبو حَيَّةَ النُمَيْرِيُ:
قِفَا عِنْدَ مِمَّا تعرفانِ رُبُوعِي = وإنْ سَبَقَتْ فَرْطَ العَزَاءِ دُمُوْعِي
نُحَيِّيْ على طُوْلِ البِلَى رَسْمَ دِمْنَةٍ = كَأَنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ آلِفِيْنَ جَمِيْعِ
وماذا نُحَيِّيْ مِنْ رُسُومٍ كَأَنَّها = بِأَسْفَلِ سُلْمَانِيْنَ سَحْقُ صَدِيْعِ
كَأَنَّ حَمَامَاتٍ ثَلَاثاً بِرَبْعِها = وَقَعْنَ فما يَسْأَمْنَ طُوْل َوُقُوْعِ
وإِنِّي لَصَبٌّ ما عَلِمْتَ وإِنَّنِي = لِبَعْضِ هَوَى نَفْسِي لَغَيْرُ مُطِيْعِ
ملحوظة: ضبَطَ محقّقُ كتاب المنازل والديار ربوعي بفتحتين على الراء والباء، ولا وجه له فيما أرى؛ فالأبيات عن الديار والرُّبُوع، فالصواب رُبُوْعِ، جمع رَبْع، كما أنّه لا مانع من الياء في رُبُوْعي على أنها ياء المتكلم.
وقد نقل د يحيى الجبوري جامعُ ومحقّقُ شعرِ أبي حَيَّة الأبياتَ كما هي، ونقل بعض الضبط، ولكنه جرّد كلمة ربوعي مِنْ كُلِّ ضبط، وكأنَّهُ غيرُ قانع به. كما نقل حواشيَ محقّقِ المنازل والديار متصرّفًا فيها. انظر شعر أبي حية ص 155، والله أعلم.
وعودةٌ إلى الشاهد في الشطر فالفصل بين المتضايفين بالجار والمجرور في الشعر لا في النثر جائز عند النحاة؛ لا يُخَطّأُ مرتكبُه، قال ابن الأنباري في الإنصاف، المسألة: 60 ص 427: “ذهب الكوفيون إلى أنّه يجوز الفصلُ بين المضافِ والمضافِ إليه بغير الظَّرْفِ وحرفِ الخفض لضرورةِ الشِّعْرِ، وذهب البصريون إلى أنّه لا يجوزُ ذلك بغيرِ الظّرف وحرفِ الجَرِّ”.
والفصلُ بين المتضايفين جاء في النثر في مواضع، وأحدُها شاهدُه قراءة سبعية مشهورة، والمواضع هي: إذا كان المضافُ مَصْدَرًا والمضافُ إليه فاعلَهُ، وكان الفاصلُ مفعولَه أو ظَرْفَه، أو كان المضافُ وَصْفًا، والمضافُ إليه مفعولَه الأوّلَ وكان الفاصلُ مفعولَه الثاني أو ظَرْفَه، أو كان الفاصِلُ قَسَمًا، وفي الشعر جاء الفَصْلُ بالأجنبيّ، وهو معمولُ غيرِ المضافِ فاعلًا كان أوْ مفعولًا أو ظَرْفاً، والفَصْلُ بفاعلِ المضافِ المصدرِ المضافِ إلى مفعولِه، والفَصْلُ بِنَعْتِ المضاف، والفَصْلُ بالنداء، فهي في النثر والشعر سبعة مواضع إجمالًا وأحد عشر تفصيلًا. كما فصله ابن هشام في أوضح المسالك 3/ 177 – 195، = ومع هذا كُلِّه نجدُ ابنَ فارس يعدُّ هذه الضرورةَ مع ضرورتي عودِ الضمير من الفاعل على المفعول المتأخر لفظا ورتبة في: “لَمَّا جَفا إخْوَانُه مُصْعَباً”، وإثبات حرف العِلَّة في الفعل المضارع يأتيك مع أنه مجزوم بلم = غَلَطًا وخَطَأً.
وهذا سَلْكٌ لها في المستقبح من الضرائر، فهي عنده من اللَحْنِ فِي الإعرابِ، ومِنْ إزالةِ الكلمةِ عن نَهْجِ الصوابِ. وهذا في رأيي شططٌ في الحكم، عفا الله عنّا وعنه.
وهذا التلحين لهذه الضرورات الثلاث وغيرها سيكون موضوعَ قراءةٍ قادمة إن شاء الله لنصّ باب الشعر من كتاب الصاحبي.
***
المصادر:
• الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين، لأبي البركات ابن الأنباري 513 – 577، ومعه كتاب الانتصاف من الإنصاف، لمحمد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر. 
• أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، لابن هشام الأنصاري، ومعه كتاب عدة السالك الى تحقيق أوضح المسالك للشيخ محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت.
• ذَمُّ الخطأ في الشعر لابن فارس اللغوي 395 هـ، تحقيق وتقديم وتعليق: رمضان عبد التواب، ط 1، 1980م، مكتبة الخانجي، القاهرة.
• شعر أبي حيّة النميريّ جمع وتحقيق د يحيى الجبوري، منشورات وزارة الثقافة السورية دمشق 1975م.
• الصاحبي في فقه اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا 395هـ، تح: السيد أحمد صقر، مطابع عيسى البابي الحلبي القاهرة.
• الصاحبي في فقه اللغة وسنن العربية، تصنيف أحمد بن فارس، المكتبة السلفية 1328 – 1910، مطبعة المؤيد، القاهرة.
• المدارس النحوية أسطورة وواقع، د إبراهيم السامرائي، ط 1، عام 1987، دار الفكر، عمّان، الأردن.
• المزهر في علوم اللغة وأنواعها، لجلال الدين السيوطي 911 هـ، حققه: محمد جاد المولى، محمد أبو الفضل إبراهيم، علي محمد البجاوي، المكتبة العصرية، مصورة عن طبعة عيسى البابي الحلبي.
• المنازل والديار، لأسامة بن منقذ، تح: مصطفى حجازي، ط 2، عام 1992م، دار سعاد الصباح للنشر والتوزيع، الكويت.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *