قراءة في دراسات في علم أصوات العربية ج2 (7-1) – أ.د. إبراهيم الشمسان


قراءة في دراسات في علم أصوات العربية ج2 (7-1) – أ.د. إبراهيم الشمسان



الترتيب في تطبيق القواعد الصوتية في اللغة العربية
هذه محاولة لبيان ما يحدث إن تعاورت قاعدتان مثالًا واحدًا، أمتزامن تطبيقهما أم متوال؟ وما أسس الترتيب، وكان أن استعرض في بداية هذا الفصل القواعد الصوتية التي تكرر ذكرها في الكتاب؛ ولذلك لن نعيد ذكرها، ويبين أن التطبيق المتزامن لا يؤدي النتائج الصحيحة، مثال ذلك (قدِ اتَّخَذَ)، فالمجال هنا لتطبيق قاعدتين، إحداهما مماثلة الدال للتاء كما في مثل (قَد تعلم) فالدال تماثل التاء فتدغم فيها، والقاعدة الأخرى هي إقحام كسرة لأن الفعل بدأ بصحيحين، ولو طبقت القاعدتان معًا لكان الآتي:
ق ــَــ د ت ت ــَــ خ ــَــ ذ ــَــ > *ق ــَــ ت ــِــ ت ت ــَــ خ ــَــ ذ ــَــ (قتِ اتَّخَذَ)
ولكن النطق الصحيح هو (قدِ اتَّخذ)؛ فأقحمت الكسرة وتخلفت المماثلة، وضرب أمثلة أخرى اكتفينا بما تقدم منها، ثم بين أنه قد تجتمع قاعدتان، ولكن لا تحول إحداهما دون الأخرى، نحو (أجبت) التي أصلها (أجاب+تُ) وهنا تطبق قاعدتان إحداهما تقصير العلة الطويلة (الألف) لاتصال التاء، والأخرى تحول الباء إلى نظيرها غير المجهور /p/مماثلة للتاء، والنطق يدل على حدوثهما من غير تدافع.
ويبدأ ببيان (الترتيب المقيِّد) فمثل له بالفعلين (ينال) و(يَوْجَل)، فالفعل ينال الذي أصله (يَنَوَل) تطبق عليه قاعدة حذف الواو الواقعة بين علتين (حركتين) قصيرتين مثلين وهذا يمنع حذف حركة الفاء، لأنها إن حذفت الحركة فستظل متحركة بالحركة الأخرى:
ي ــَــ ن ــَــ و ــَــ ل > ي ــَــ ن ــَــ و ــَــ ل = ينال
وأما (يَوْجَل) وأصلها (يَوَجَل) فحذفت حركة الفاء، فمنع هذا حذف الواو لأنه لا تقع بين علتين قصيرتين مثلين: 
ي ــَــ و ــَــ ج ــَــ ل > ي ــَــ و ج ــَــ ل = يَوْجَل
ولو طبقت قاعدة حذف الواو لمنعت تطبيق حذف الفتحة:
ي ــَــ و ــَــ ج ــَــ ل > ي ــَــ ــَــ ج ــَــ ل = ياجَل
ونعلم أن من العرب من فعل ذلك إذ قالوا ياجل وييجل(1). ولكن المشهور في اللغة المشتركة يوجل.
ويورد مثالًا لما سماه (الترتيب المضاد للمقيد): (في الانتظار)، وأصلها (ف ــِــ ــِــ ل ن ت ــِــ ظ ــَــ ــَــ ر)، ويقتضي هذا تطبيق قاعدتين إحداهما تقصير العلة الطويلة، والأخرى إقحام كسرة لمنع توالي ثلاثة صحاح (ل ن ت)، ولو طبق المقيّد لكان إقحام الكسرة فتقصير العلة، ولكنه لو فعل ذلك ما قُصِّرت العلة لتخلف مقتضى ذلك؛ لأنها وليت صوتًا متحرّكًا:
ف ــِــ ــِــ ل ن ت ــِــ ظ ــَــ ــَــ ر> *ف ــِــ ــِــ ل ــِــ ن ت ــِــ ظ ــَــ ــَــ ر
ولكن الذي حدث هو التقصير ثم إقحام الحركة:
ف ــِــ ــِــ ل ن ت ــِــ ظ ــَــ ــَــ ر > ف ــِــ ل ن ت ــِــ ظ ــَــ ــَــ ر > ف ــِــ ل ــِــ ن ت ــِــ ظ ــَــ ــَــ ر
كأنها (فِلِنْتِظار).
ويعرض لما يسميه (الترتيب الممهِّد)، وذلك أن تطبق قاعدة هي تمهيد لما بعدها، مثال ذلك الفعل (يَقُلْن):
1) ي ــَــ ق و ــُــ ل ن ــَــ > ي ــَــ ق ــُــ و ل ن ــَــ (القلب المكاني)
2) ي ــَــ ق ــُــ و ل ن ــَــ > ي ــَــ ق ــُــ ــُــ ل ن ــَــ (مماثلة الواو للضمة)
3) ي ــَــ ق ــُــ ــُــ ل ن ــَــ > ي ــَــ ق ــُــ ل ن ــَــ (تقصير العلة الطويلة)
ولست أدري لم قال بالقلب المكاني ومن افتراضاته السابقة أن القاف محركة في الأصل، وهذا يعني أنها ماثلت الضمة فوقعت الواو بين ضمتين فحذفت:
1) ي ــَــ ق ــَــ و ــُــ ل ن ــَــ > ي ــَــ ق ــُــ و ــُــ ل ن ــَــ (مماثلة)
2) ي ــَــ ق ــُــ و ــُــ ل ن ــَــ > ي ــَــ ق ــُــ ــُــ ل ن ــَــ (حذفت الواو)
3) ي ــَــ ق ــُــ ــُــ ل ن ــَــ > ي ــَــ ق ــُــ ل ن ــَــ 
لأنه إن لم يفعل ذلك فستكون المراحل أربع أولها حذف حركة الفاء. 
ثم يعرض (للترتيب المضاد للممهّد)، ويمثل له بالاسم (سارٌّ) والفعل (حاجَّ)؛ إذ يلاحظ فيهما أن الفتحة الطويلة (الألف) لم تقصّر على الرغم من تحقق شرط التغيير، وتفسير هذا بأن الترتيب جاء مضادًّا للتمهيد، وتفصيل هذا بالقول هو الآتي: سارٌ أصلها (سارِرٌ) وحاجَّ أصلها (حاجَجَ)، وترتيب القواعد هو أن تقصر الفتحة الطويلة ثم تحذف الحركة القصيرة بين الصحيحين المثلين، ولكن الفتحة الطويلة (الألف) في الأصلين المذكورين لا موجب لحذفها، وحذفت الحركة القصيرة، فنشأ موجب حذف الفتحة الطويلة ولكن الحذف لم يطبق لأنه فات تطبيقه. ويمثّل لذلك أيضًا بالوقف على ما قبل آخره مدّ (بابٌ) فالفتحة الطويلة (الألف) لا تحذف للوقف (بابْ). ولكن يشكل عندي حذف الفتحة الطويلة من الفعل (ينامُ) إذا جزم، (لم ينَمْ)، وناقش الاحتجاج بكون الصحيحين بعد الفتحة الطويلة مثلين، وردّ ذلك، منهيًا بوصف هذه الظاهرة بالشذوذ، ولا أعلم لم ترك إشارة المجودين إلى زيادة مدّ الألف بما يحول دون تقصيرها. وهو مدّ أشبه بالحركة اللازمة لتحقق إدغام صوت في مثله:
س ــَــ ــَــ ر ــِ ر ــُــ ن > س ــَــ ــَــ ــَــ ر ــِ ر ــُــ ن > س ــَــ ــَــ ــَــ ر ر ــُــ ن = سارٌّ
ومثل هذه الزيادة تلاحظ في الوقف وفي المثل اللهجية التي أوردها (حالْتي/ دورْكم/ طريقْنا).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جاء في الصحاح للجوهري،(5: 1840) “وفى المستقبل منه أربع لغات: يَوْجَلُ، وياجَلُ، ويَيْجَلُ، ويِيجَلُ بكسر الياء”.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *