“لولا” و”لوما” تأصيلهما وخصائصهما -1 (حرفية لولا ولوما) – أ.د. سعد بن حمدان الغامدي


“لولا” و”لوما” تأصيلهما وخصائصهما -1 (حرفية لولا ولوما) – أ.د. سعد بن حمدان الغامدي



لولا ولوما تأصيلهما وخصائصهما (1 من9 )

تصدير

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على النبيّ العربيّ الأمّيّ وعلى آله وصحبه، وبعد:
فهذا البحث يتناول قضايا من (لولا) و(لوما) وهي:
حرفيتهما، والإهمال والأعمال فيهما، وتصدرهما، والفرق بينهما، وهما بين البساطة والتركيب وما أثمره القول بالتركيب فيهما من كلام نحوي ثمين، وتفسير النحاة لتعدد المعاني فيهما، والاشتقاق من (لولا)، ودخول اللام على (لولا).
وهي قضايا متفرّقة ولكن الرابط بينها أنها حديث عن لفظي لولا ولوما بعيدًا عن دراسة التراكيب التي تكونان فيها، وكذلك بعيدًا عن المعاني التي تراد بتلك التراكيب إلا في حدود إشارة إلى ذلك تفرضها طبيعةُ البحث، وذكري لقضايا البحث قبلَ قليل مُبِيْن ٌللترتيب الذي سأتّبعه في عرضها.
والحمد لله أوّلًا وآخِرًا.
حرفية (لولا ولوما): 
يحسن التمهيد لهذه القضية بكلام عن الأصل في وضع الحرف حسب ما رآه كثير من النحاة، ذلك أنّ مجيءَ كلمةٍ على ما هو الأصل في وضعها يؤكّدُ انتماءها إلى نوعها من الكلمات كما أنّ ورودها على غير ما هو أصلٌ في وضع نوعها قد يُوجد ترددا في اعتبارها من ذلك النوع؛ إذًا فالنظرُ في أصل الوضع وسيلةٌ من وسائل تحديد نوع الكلمة ولكنه ليس كافيًا، وقد قال النحاة إنّ الأصلَ في وضع الحرف أنْ يكون على حرفٍ أو حرفي هجاء، فأما وضعه على حرف فمُسلّم، وأما وضعه على حرفي هجاء فعلى غير مذهب كثيرٍ منهم كالشاطبيّ الذي قيّد ذلك بكون الثاني حرفَ لين؛ حتى قالوا: إنّ وضعَ الكلمة على حرفين وليس ثانيهما حرف لين ليس من وضعِ الحرف المختصِّ به.
والذي يريده النحاة بقولهم (الأصل) في هذا الموضع هو الغالبَ، وعلى هذا لا يرد عليهم قول الصرفيين: الأصلُ في كُلِّ كلمة أنْ توضع على ثلاثة أحرف: حرف يُبتدأ به، وحرف يُوقفُ عليه، وحرف يتوسط بينهما يُحشى به، لأنّ مراد الصرفيين بالأصل الملائم للطَّبْعِ(1).
وهذا الكلام كما نرى يشير إلى سعة أفق المفكرين في هذه المسألة، فقد قدروا اللغة حق قدرها وهي تتفلت من القيود فلا تأذن لأحد بوضع قاعدة تحد من نشاطها وتوسعها وتجددها، كما أنّ كلامهم مبني على معرفة جيدة بما هي عليه لغتهم، فقد وُجدت كلمات من حرفين، بل ومن حرف واحد وهي أسماء مثل (نا الفاعلين) و(تاء المتكلم)، ووُجدت كلماتٌ من ثلاثة أو أربعة أحرف عُدَّت حروفًا.
ومع هذا فقد وجدنا النحاة يختلفون في بعض الأدوات بين الحرفية والاسمية كـ(حتى)، و(لمّا) و(رُبّ)، والكاف، وكما نرى فمنها ما هو على أربعة أحرف، ومنها ما هو على ثلاثة، ومنها ما هو على حرف واحد.
ولعل الداعي إلى القول باسمية حتّى ولما ورُبَّ مجيئها على خلاف الأصل في وضع الحرف مع دواع أُخر، فهل كان لوضع لولا ولوما على أربعة أحرف أثر في القول باسميتهما؟
بهذا التساؤل ندخل إلى قضيتنا، فلولا ولوما على أربعة أحرف مخالفتين بذلك الغالب في وضع الحروف، زِدْ على ذلك أنّ اللامَ دخلت على لولا في قول الشاعر:
لَلَوْلا حُصَيْنٌ عَيْبُهُ أَنْ أَسُوءَه = وأَنَّ بَني سَعْدٌ صَديقٌ ووَالِدُ(2)
وفي قول الآخر:
لَلَوْلا قَاسِمٌ ويَدَا بَسِيلٍ = لَقَدْ جَرَّتْ عَلَيْكَ يَدٌ غَشُومُ (3)
فما حكم اللام هنا؟ وهل هو من قبيل دخول الحرف على الحرف ضرورة؟ أو أنّ للولا صفةً أخرى غير الحرفية سوّغت دخولَ اللامِ عليها؛ وقد رأيناهم يجعلون دخول حرف الجرّ على كلمة مّا دليلًا على اسميتها كـ (عن) و(على)؟
إنّ الناظر في الخلاف النحوي في كثير من الكلمات يرى بوضوح أنّ النحاةَ لم يتمكنوا من وضع العلاماتِ والضوابطِ المُغنيةِ في تمييز الكلمة من قسيميها، فها هم يجعلون (مُذْ ومُنْذُ) مرة حرفين إذا جُرَّ ما بعدهما ومرة اسمين إذا وقع بعدهما اسمٌ مرفوع أو جملةٌ فعليةً كانت أم اسمية، وجعلوا (خلا وعدا وحاشا) حروفًا إنْ جرّت ما بعدها وأفعالًا إن كان ما بعدها منصوبًا، وجعلوا الكافَ، وعن، وعلى، أسماءً إذا دخلت عليهنّ حروف الجرّ(4).
ولعلّ سائلًا يسأل: فهل وصل الخلاف النحوي وقد ذُكِر ما ذُكِرَ وتبيّن ما تبيّن إلى (لولا) و(لوما)، وهل قال أحد باسميتهما أو فعليتهما؟
الحقيقة أنّ النحاة يتفقون على القول بحرفية (لولا) و (لوما)؛ ولم أجد فيما أطلعت عليه من كلامهم خلاف ذلك، بل تردد من كلامهم مثل “وهي من الحروف الهوامل” قالها أحدهم عن (لولا)(5)، ومثل “لوما حرف له قسمان”(6) ومثل: “ألا، وهلّا، ولولا ولوما، كلُّها أحرف محضة هاملة”(7) وغير ذلك كثير.
أما ما ذكرناه سلفا من دخول اللام على (لولا) فلم يكن له أثر أيضا، فقد وجهه صاحب اللسان في البيت الأول بأنه توكيد للولا، ووجهه البغدادي في البيت الثاني بزيادة اللام، ودخول ُحرف على حرف تأكيدًا أو زيادةً لغير التوكيد واردٌ في كلامهم؛ فلا داعي للاعتقاد بعدم حرفية لولا لدخول اللام عليها.
كما أنّ ورودهما على أربعة أحرف لم يكن كافيًا للاعتقاد بعدم حرفيتهما، فقد ذكرنا أنّ قولهم: الأصلُ في وضع الحرف أن يكون على حرف أو حرفي هجاء =إنما يريدون به الغالبَ فيها.
على أنني أعتقد أنّ السر في اتفاق النحاة على حرفية (لولا، ولوما) ما وقر في نفوس أكثرهم فكادوا يجمعون عليه من أنّ (لولا) مركبة من (لو) و(لا)، و(لوما) مركبة من (لو) و(ما)، وكلُّ واحد من أجزاء التركيب حرفٌ لا خلاف فيه، بل إنه آت على ما هو غالب في الحرف من كونه على حرفين ثانيهما حرف لين، وتركيب كلمة من حرفين لا ينتج عنه إلا الحرف، ولم يرد في كلام النحاة ما يشير إلى غير ذلك.
وبعد هذا لعلّنا في غِنًى عن إشارة إلى ما قال به بعضُ الكوفيين من تَضَمُّنِ (لولا) و(لوما) معنى الفعل، فإن هذا القول لا يخرج بلولا ولوما عن الحرفية قيد أنمله، ولم يخرجها في قول أحد من النحاة، والله أعلم.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *