“لولا” و”لوما” تأصيلهما وخصائصهما – 2 (لولا ولوما حرفان هاملان لا يعملان) – أ.د. سعد بن حمدان الغامدي


“لولا” و”لوما” تأصيلهما وخصائصهما – 2 (لولا ولوما حرفان هاملان لا يعملان) – أ.د. سعد بن حمدان الغامدي



2 – 9 لولا ولوما حرفان هاملان لا يعملان
ومن صفات هذين الحرفين التي قررها أكثر النحاة أنهما هملان، إلا أن لجمهور الكوفيين رأيًا آخر، فمعلوم أن (لولا) و(لوما) تكونان على قسمين: الامتناعية والتحضيضية، فأمّا التحضيضية فلم يقل أحد من النحاة إنّها عاملة بل يجمعون على أنها هاملة، أمّا الامتناعية فقد ذهب الفراء وجمهور الكوفيين عدا الكسائي إلى القول بإعمالها(8)، فالاسم المرفوع بعدها فاعل بـ(لولا) أصالة أو بالنيابة عن الفعل، ووافقهم على ذلك أحد أوائل البغداديين وهو ابن كيسان فيما ذكره عنه الأبذي في شرحه على الجزولية(9)، كما نصر مذهبهم الأنباري في الإنصاف(10)، أمّا بقية البصريين فيذهبون إلى القول بأنها هاملة ولا عمل لها في الاسم المرفوع بعدها بل هو مبتدأ، ووافقهم الكسائي من الكوفيين في إهمالها، ولكنه جعل الاسم المرفوع بعدها فاعلًا بفعل محذوف(11)، وأشير إلى أن الكلام عن لولا فيما يلي ينطبق على (لوما)، إذ هما حرفان لهما الأحكام نفسها حسب رأي أكثر النحاة.
وبالعودة إلى كلام الكوفيين القائلين بأعمال (لولا) نجد أنها قد بنيت على أفكار منها: 
1. أنّ الحرفَ ينوب عن الفعل إذا أتى عوضا عنه. 
2. وقوع أنّ مفتوحة الهمزة بعدها نحو: لولا أنك ذاهب لأكرمتك، ولو كانت في موضع ابتداء لكانت الهمزةُ مكسورة.
3. اختصاصُ (لولا) بالأسماء، والحرفُ المختصُّ يعمل.
4. أنّ تركيبَ الأدوات يُحدثُ لها حكمًا آخرَ من حيثُ العملُ والخصائصُ والمعنى.
5. أنّ لولا معناها معنى الفعل مثل (إنّ وأخواتها).
6. انعدام الخبر في أسلوب لولا الامتناعيّة دليلٌ على أنّ الاسمَ المرفوع بعد لولا ليس مبتدأ.
وسنناقش هذه الأسس باختصار فقد خصّصت لها بحثًا مستقلًّا غير هذا فأقول وبالله التوفيق:
لقد أنكر بعض مناصري المذهب البصري أنّ الحروف تنوب مناب الفعل في العمل، وقال: إنها تزاد كالعوض ولكن لا ينسب لها العمل(12).
وأما وقوع أنّ المفتوحة الهمزة وصلتها بعد لولا فإنّ تأويلها بالمبتدأ عند البصريين هو الصحيح، وما ذكره الكوفيون من أنّ “أنّ” المفتوحة الهمزة وصلتها تكون دائما معمولة لما قبلها غير مُسلّم لهم(13).
أما اختصاص لولا بالأسماء فإنّه وإنْ سلّم به البصريون فليس كافيا للاعتقاد بإعمالها، لأنّ من الحروف ما يختص ولا يعمل، وأنّ الحروفَ المختصة لا تعمل في الأسماء إلا الجرّ، ولم يعرف أنها تعمل الرفع وحده بل تعمل الرفع والنصب في آنٍ كما هو شأن إنّ وأخواتها، وما وأخواتها المشبهات بليس(14).
أما أنّ التركيب يحدث في الأدوات حكما آخر من حيث العمل والخصائص والمعنى، فهذا صحيح، كما سيبينه هذا البحث بعد قليل من خلال كلام سيبويه، ولكن ليس ضربةَ لازبٍ أنْ يحدث تغييرًا في كل ما رُكِّب، بل الذي حدث في (لولا) بالتركيب تغيير في المعنى، أما العمل فليس من خصائص لولا كما لم يكن من خصائص (لو) و(لا)، والتركيب لم يؤثر فيها ذلك، قال العكبري (لو) و(لا) قبل التركيب لا يعملان الرفع فكذلك بعد التركيب، لأنّ الأصل عدم التغيير(15).
أما ما قالوه من أنّ (لولا) معناها معنى الفعل مثل (إنّ وأخواتها)، فإنّ هذا إنْ سُلِّم لهم فلا يلزم منه إعمالها، فكثيرة هي الحروف التي بمعنى الفعل، ولكنها لا تعمل مثل أدوات التحضيض وأداتي الاستفهام (هل والهمزة) وأدوات النفي.
أما ما ذكروه من انعدام الخبر فقد رأى النحاة الأوائل أنه محذوف وجوبا، وفرق المتأخرون بين ما كان كونًا عامًّا وما كان كونًا خاصًّا بل زادوا بناء على ما توافر لهم من أدلة أنْ قالوا: إذا كان الخبر كونًا خاصًّا، ولم يدلّ عليه دليلٌ وجَب ذكرُه فإنْ دلّ عليه دليلٌ جاز حذفه(16)، والذي دفعهم إلى تعديل القاعدة والانصراف عن رأي الأوائل من النحاة كثرةُ السماع الذي وصل إليهم مما يردُّ حجّةَ الكوفيين وزعمَهم انعدام الخبر بعد (لولا)، ذلك أنّ الصحيحَ أنّ الخبرَ يأتي بعد لولا فإنْ عُدِم قُدِّرَ لظهور المقدّر في بعض السماع كما هي طريقة التفكير النحوي التي تقول بأنّه لا يحسن التقديرُ في موضعٍ حتى يظهرَ المقدّرُ في بعض السماع، ومن ذلك السماع:
1. قول عبد الرحمن بن الحارث لأبي هريرة رضي الله عنه: “إني ذاكر لك أمرا ولولا مروان أقسم عليّ فيه لم أذكره” كتاب الصوم – صحيح البخاري.
2. قوله (صلى الله عليه وسلم): “لولا قومك حديثو عهد بكفر…” في صحيح البخاري.
قول الشاعر:
فوالله لَوْلا اللَّهُ تُخْشَى عَوَاقِبُه = لَزُعْزِعَ مِنْ هَذا السَّرِيرِ جَوَانِبُهْ(17)
3. وقول الآخر:
لَوْلا ابنُ أَوْسٍ نَأَى مَا ضيمَ صاحبُهُ = يومًا ولا نابَهُ وَهْنٌ ولا خَوَرُ(18)
4. وقول الآخر:
لَوْلاَ أَبُوْكَ وَلَوْلاَ قَبْلَهُ عُمَرٌ = ألْقَتْ إِلَيْكَ مَعَدٌّ بِالمَقَالِيْدِ(19)
ويحتمله قوله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} النساء 83 وقوله: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ} النساء 113(20)، ونستطيع بعد هذا أن نقول مطمئنين: إن اسم المرفوع بعد (لولا) مبتدأ، ولذا فلا مجال للظنِّ بأنّ لولا رفعته، فمعلوم أنّ المبتدأَ عاملُه معنويٌّ لا لفظيّ، وإنْ قال بعضهم بأنّ العاملَ في المبتدأ لفظيٌّ فقد جعلوه الخبرَ لا غيرَه، وبذا يتبين تهافت ما ذهب إليه الكوفيون من القول بإعمال (لولا)، والله أعلم.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *