ترجيح الوجه المشهور بين القصر والتقصير – أ.د. عبدالرحمن بودرع


ترجيح الوجه المشهور بين القصر والتقصير – أ.د. عبدالرحمن بودرع



الفعلُ من القَصْر: قَصَرَ الصلاةَ يَقصُرُها قَصْراً، هذا هو الأغلبُ الأعمُّ الأنسَبُ، وقَد يَجوزُ قَصَّرَها يُقصِّرُها تَقصيراً، وأقصَرَها إقْصاراً، والأوّلُ أكثرُ، والدَّليلُ على رُجحانِ القَصرِ على التّقصير ورودُ الفعلِ مجرَّداً عن التَّضعيفِ في القُرآن الكَريم في القراءاتِ العَشرِ؛ وذلك في قولِه تعالى: « وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ » [النساء/101] “تَقْصُروا” بالتخفيف، قَصَرَ يَقصُرُ قَصْراً وليسَ مَزيداً بالتضعيف، قصَّرَ يُقصِّرُ تَقصيراً، إلاّ في قراءَة شاذّة.
وهذه العلاقةُ بين الفعل والمَصدر يَعلَمُها مَن يَعلمُ الاشتقاقَ وعلمَ الصَّرف، فمُصطلحُ القَصرِ [المأخوذ من الفعلِ قَصَرَ يَقْصُرُ] هو المُختارُ لأنه كلامُ ربنا سُبحانَه قبل أن يكونَ كلامَ الفُقَهاء واللغويين، وفوق ذلكَ وَرَدَ الفعلُ مجرَّداً من التضعيفِ في الحَديث النبويّ، في حَديث السَّهو: أَقَصُرَتِ الصلاةُ أَم نُسِيَتْ؟ فقالَ الرجلُ للنبيّ صلّى الله عليه وسلَّم: أَقَصُرَتْ بالتخفيف، ولم يَقلْ: أقُصِّرَت، بالتضعيف. وزدْ على ذلكَ أنّ التقصيرَ حَمّالُ مَعنيَينِ هما: مَعْنى قَصر الصلاة، والتقصيرُ في العَمَل والمسؤولية أي الإخلالُ بها. والأخذُ بما لا يَحتملُ مَعنيين أوْلى مِن الأخْذِ بما فيه اللَّبْسُ والاحتمالُ. وهذه قاعدةٌ لا خِلافَ فيها أي قاعدة الترجيح عند الاحتمال.
أمّا الاعتراضُ أنّ التقصيرَ واردٌ؛ لوروده في قراة الزُّهري فهو اعتراضٌ مَقبولٌ غيرُ مَردودٍ بناءً على هذه القراءَة، ولكنّ الترجيحَ في المسألة، كما ذكرتُ سالفاً، أنّ الأغلَبَ الأكثَرَ الأفْشَى في القراءات العَشْريّةِ: “تَقْصُروا” بالتّخفيف، ويُشتقُّ منه المصدر القَصرُ، وهو الذي جَرى على لسان الصحابةِ أنفسِهِم: رَوى مجاهدٌ عن ابن عباس قال: كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعَسَفانَ وعلى المشركين خالدُ بنُ الوليد، وقالَ المشركون: لقد أصَبْنا غِرَّةً لو حَمَلْنا عليهم وهم في الصَّلاة، قالَ: “فَنَزَلت آيةُ القَصْرِ فيما بينَ الظُّهرِ والعَصرِ”. قال أبو حيان في “البَحر المحيط” «والظاهرُ جوازُ القَصْرِ في مطلق السفر». وأقولُ بعدَ ذلك: الواردُ في القراءات العَشر المشهورَة “أن تَقْصُروا” بالتخفيف، وقد يكونُ التشديد وارداً في قراءةٍ شاذّة، كقراءَة الزُّهريّ، وقَد قُرئَ أيضاً: “تُقْصِروا” من الإقصار، ولكنّ القراءاتِ العَشرَ على التخفيف، فنحن نَميلُ مع الراجحِ، وخاصّةً أنّ الترجيحَ مُستندٌ على وُرود التخفيف في كتاب الله بقراءاته المشهورة، وفي الحديث النبويّ، وفي كَلام الصحابَة.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *