في نشأة اللغة العربية – أ.د. إبراهيم الشمسان


في نشأة اللغة العربية – أ.د. إبراهيم الشمسان



لا يُعلم على وجه اليقين متى بدأت أي لغة من لغات العالم، فاللغات استعملها أصحابها استعمالًا شفاهيًّا حتى تهيّأ لهم أن يدونوها بطرائق مختلفة من التدوين، بدأت بالتصوير فالتعبير عن مقاطعها بالرموز حتى كانت إلى الأبجدية التي هي أسمى طرق تدوينها بما اتصفت به من التجريد للحروف المعبرة عن الأصوات، ومن هنا نجزم بأنه لا أحد يزعم معرفة متى كانت اللغة العربية، فما وصل إلينا منقولًا بالمشافهة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم في القرن السادس بعد الميلاد نصوص عالية في نضجها توحي بأنها مستندة إلى رصيد لغوي قديم.
واختلف المتناولون تاريخ اللغات فـ”لقد بحث المستشرقون في هذا الموضوع ولا يزالون يبحثون فيه؛ فمنهم من وجد أن العبرانية أقدم اللغات السامية، وأقربها عهدًا بالأم، ومنهم من رأى أن العربية على حداثة عهدها جديرة بالدراسة والعناية، لأنها تحمل جرثومة السامية، ومنهم من رأى القِدَم للآشورية أو البابلية”(1)، ومثل المستشرقين اهتم العرب، قال جواد علي “وقد شغل علماء العرب أنفسهم بموضوع اللغة السامية، أو لغة سام بن نوح بتعبير أصحّ، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، ذهبوا إلى البحث في لغة آدام أبي البشر وفي لغة أهل الجنة. وقد سبق لليهود والنصارى أن بحثوا في هذا الموضوع أيضًا، في موضوع لغة آدام أي لغة البشر الأولى، التي تفرّعت منها كل لغات البشر حتى اليوم. وقد ذهب بعض علماء العربية إلى أن العربية هي اللسان الأول، هي لسان آدم؛ إلا أنها حُرّفت ومُسِخَت بتطاول الزمن عليها، فظهرت منها السريانية، ثم سائر اللغات. قالوا: (كان اللسان الأول الذي نزل به آدم من الجنة عربيًّا، إلى أن بَعُد العهد وطال، فحُرِّف وصار سريانيًّا. وهو يشاكل اللسان العربي إلا أنه محرف). وقد أدركوا ما أدركه غيرهم من وجود قرابة وصلة بين العربية وبين السريانية، فقال المسعودي: (وإنما تختلف لغات هذه الشعوب، أي شعوب جزيرة العرب، من السريانيين اختلافًا يسيرًا)”(2).
ولا صحة للقول بأن العربية نشأت مع إسماعيل عندما نشأ وتربى بجوار قبيلة جرهم، فاللغة التي تكلمتها جرهم ونشأت منها عربية إسماعيل، هي العربية.
ردد بعض اللغويين المحدثين وبعض الكتاب الزعم بأن اللغة العربية هي أصل اللغات، وهو مواصلة لزعم بعض القدماء، ومن أشهر المحدثين عبدالحق فاضل في كتبه (مغامرات لغوية) و(تاريخهم من لغتهم) و(العربية أم الألمانية) و(أخطاء لغوية)، وقال بالتأثيل والترسيس أي إعادة اللفظ إلى أصله، وهو يزعم أن اللغات كلها ترد إلى العربية، والأب إنستانس الكِرمِلي في كتابه (نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها)، زعم فيه أن اللسان العربي فوق كل لسان، ومحمد أحمد مظهر في كتابه (العربية أصل اللغات كلها)، وتحية عبدالعزيز إسماعيل في كتابها (اللغة العربية الفصحى أم اللغات الهندية والأوربية وأصل الكلام)، وقد فند هذا الزعم د.حمزة المزيني في كتابه (التحيز اللغوي)(3). فهذا الزعم لا يعتمد على حقيقة علمية بل هو نتاج تعصب لغوي. والدليل أن العربية لم يكن لها نظام كتابي حتى استعارته من النبطية عن الآرامية، وظهر الخط الحجازي الساذج الذي كتبت به المصاحف ثم ناله التطور والإحكام بالشكل والإعجام.
وبالجملة لا أحد يجزم بأقدمية أي لغة من لغات العالم، ولا يعرف مبدأها على وجه اليقين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 1: 254.
(2) جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 1: 256.
(3)حمزة المزيني، التحيز اللغوي، 61-67.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *