درسُ التراثِ محمدُ بنُ ناصرٍ الشهريّ – أ.د. إبراهيم الشمسان


درسُ التراثِ محمدُ بنُ ناصرٍ الشهريّ – أ.د. إبراهيم الشمسان



للباحثين في عصرنا الحاضر اتجاهات مختلفة تعبر عن ثقافاتهم وقناعاتهم والأهداف التي يسعون لتحقيقها، وهي في الغالب ثلاثة اتجاهات:
أحدها الاتجاه التراثي، الذي ينطلق من الموروث فهمًا وإدراكًا، وهو يسعى إلى وصل ما انقطع منه ويرى أن الجهود العلمية متصل حديثها بقديمها بما هو خصوصية لهذه اللغة الشريفة، ومن أجل ذلك عكف أ.د. محمد بن ناصر الشهري على استنطاق ما في التراث من درر، فراح يجمع ما تفرق منها، أو راح يتأمل ما تفتقت عنه أذهان القدماء، وما أبدعته قرائحهم، ليتأمله، ويوازن بينه، ويصطفي منه ما يراه أرجح وأدنى إلى الصواب، من غير تحزب إلى فئة دون أخرى، وإنما يتحرى الصواب ما استطاع إليه سبيلا.
وثاني هذه الاتجاهات ما يصدر عن معرفة غربية دارت مداولاتها في الأغلب الأعم حول لغات تختلف عن العربية لفظًا ومعنى، ويختلف الدارسون لظواهرها عن جهود علمائنا القدماء بما تقتضيه طبيعة لغاتهم، ووفاق ما هداهم إليه اجتهادهم، وقد يكون مَن تأثر بهم وانطلق منطلقَهم قليل المعرفة بالتراث العربي العظيم، حتى إن أحدهم ليتفاجأ حين يصادف من نظرات علمائنا ما يضارع ما احتفل به من أقوال هؤلاء الغربيين. ويؤخذ على أصحاب هذا الاتجاه محاولتهم تركيب أنظمة غربية غريبة على اللغة العربية.
وأما الاتجاه الثالث فهو اتجاه تراثي في منطلقه، ولكنه يحاول أن يستفيد من منجزات الثقافات الأخرى بما يلائم درس العربية، ولا يجور على أنظمتها.
والاتجاه الأول والثالث اتجاهان محمودان مقبولان في الدرس العلمي للعربية، إذ العناية بالتراث تحقيقًا ودرسًا وتفصيلًا لمجمله وجمعًا لدقائقه وتحريرًا لمقولاته كل أولئك عائد بالخير على الدرس العلمي المتصل المتواصل.
ونجد أن الدكتور محمد بن ناصر الشهري أنجز بحوثًا قيمة، عكف فيها على أمّات الكتب النحوية التراثية، وأوعية الثقافة العربية فأحسن الاستفادة منها، وأجاد في استخراج الدقائق، والوقوف المتأمل عند الأقوال المختلفة التي تزخر بها تلك المطولات التي لا يكابدها إلا باحث جاد وهب نفسه للدرس والتدقيق والتحقيق، قرأت له ما كتبه عن لفظ الجلالة (الله) وما دار حول هذه اللفظة الشريفة من جدل من حيث ارتجالها أو اشتقاقها، واستطاع أن يخرج من خضم تلك الأقوال بما رآه قولا راجحًا، وقرأت له ما كتبه عن بعض المقاييس النحوية وهي مسألة تتعلق بأصول التفكير النحوي وهو أمر من الأمور الدقيقة المهمة، وعلى الرغم من عكوفه على التراث واحتفاله به رأيته يلتفت إلى بعض جهود المحدثين التفاتًا يعبر عن سعة دائرة اطلاعه، وجدته في هذا البحث يخصص عنوانًا لآراء المحدثين فيوردها ويناقشها، ونجد في قائمة مراجعه كتب إبراهيم أنيس وتمام حسان وكمال إبراهيم بدري وغيرهم، وهؤلاء من المحدثين، وأما كتابته عن “التناقض والاضطراب عند ابن مالك في كتابيه التسهيل وشرحه” فهو دليل على أنه على إجلاله للتراث لا يصده ذلك عن طلب الحقيقة وكشف الغامض، وإن كان يستثير بذلك حفيظة بعض التراثيين الذين يرون ابن مالك إمامًا لا يخطئ. وأما نظراته في بعض المصطلحات النحوية فهي إطافة شاملة متعمقة لاستعمال المصطلح في هذا العلم العظيم، وهي نظرات ثاقبة معبرة عن ذهن ثقِف. وأما ما كتبه “من معالم العلاقة بين العربية والإعجاز العلمي في القرآن والسنة” فهي دراسة تجمع بين الطرافة ولطف التناول، والجمع بين التأمل في الألفاظ والمعاني، وأما موضوع “الغريب في النحو” وهو درس وصفي في البنية والقواعد والأقوال فهو عمل يبين مدى دأب الباحث وسعة صدره ودقة ملاحظته للمواطن التي وصفت بالغرابة، وبيان جهة هذه الغرابة.
وللأستاذ الدكتور الشهري موسوعتان كبيرتان إحداهما (الفروق النحوية) في مجلدين وهي في الأصل رسالة ماجسير قدمت لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عالجت الفروق في المصطلحات النحوية، والفروق في حروف المعاني، والفروق في الأسماء، والفروق في الأفعال، والفروق في الجمل، وختمت بنظرة تقويمية. وأما الموسوعة الأخرى فهي (اللزوم في النحو) في مجلدين، وهي في الأصل رسالة دكتوراه قدمت لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عالجت ما لزم موقعًا إعرابيًّا معينًا، وما لزم حالة لفظية معينة، وألفاظًا لازمت معنى معينًا، وما لزم رتبة معينة، وما لزم الإضافة، واللزوم بين بعض الألفاظ والعوامل لحصول العمل أو للكف عنه أو للعمل في معمولات معينة، واللزوم في المحصور وأثره في المعنى، وختمت ببيان أثر اللزوم.
وأما كتاب (سلطان اللغة) فهو استبطان للغة بما هي سلاح من أخطر أسلحة الإنسان متى أحسن استعمالها، بين الأستاذ الدكتور الشهري في هذا الكتاب الفرق بين اللغة والكلام ووظيفة اللغة وأهميتها، ووقف القارئ على نوعين من النجاح اللغوي وكيف نرتقي بالمستوى اللغوي مبينًا خمس فئات من المحتاجين لهذا الارتقاء، وشرح أربعًا وأربعين قاعدة من قواعد النجاح اللغوي، وهي قواعد من لوازم الأسلوب الناجح الذي يتسم بجملة من السمات شرحها الأستاذ فبلغت سبعًا وثلاثين سمة، وإن يكن الأسلوب له سمات فإن له تسع صبغات. وليس النجاح اللغوي مقصورًا على مستعمل اللغة بل المستمع له نصيب من النجاح فثمة المستمع الناجح أيضًا، وقفنا على خمسة أمور يكون بها ناجحًا وفي المقابل ثمّ ما يخل بالمستمع عدد منها أربعة أمور، وانتهى إلى أن ما يلزم المتكلم لتطوير لغته سبعة أمور هي من القضايا العامة، وللكتاب ملاحق عن تقويم اللغة، ومراعاة أثر الصيغة والظلال في قبول الكلام ورده، وأهمية التدريب في مهارات اللغة.
وبالجملة أعمال أ.د. محمد بن ناصر الشهري موفقة من حيث اختيار المضمون والقضايا المعالجة وهي متنوعة، وافية من حيث ما تقتضيه الأعراف البحثية، وأحسب أن الدارسين سيستفيدون منها بإذن الله، فهي إضافة جيدة إلى المكتبة النحوية والتراثية.
والأستاذ أميل إلى الاتجاه الأول، وهو الاتجاه التراثي، وهو اتجاه محمود ومهم، إذ ما زال تراثنا يستحق منا العودة إليه لاستخراج كنوزه واستلهامه والإضافة إليه.
وليس يلزم أصحاب هذا الاتجاه ـ ومنهم أ.د. محمد الشهري ـ أن يتوسلوا في أبحاثهم بالمناهج اللغوية الغربية أو الغريبة عن العربية، لأن العمل المتصل بالتراث لا يقتضيها، ولا يقدح في منهج دراستهم، أو يسمها بالنقص، أو يقلل من شأنها عدم تناولهم للقضايا اللغوية المعاصرة البعيدة الصلة بالتراث النحوي والصرفي للغة العربية؛ لأن تلك الاتجاهات تتطلب وجود متخصصين فيها، متفرغين لها، وإنما يكفي أ.د. الشهري وأمثاله من الباحثين ما ثقفوه من طرائق الإجراءات البحثية الحديثة التي تتصل بالتراث العربي الأصيل، وتمتد لتشمل ما تناوله المعاصرون من قضايا كثيرة منبثقة من واقع الدراسات النحوية الأصيلة للغة العربية التي أرى أنّه قد وفى بها خير الوفاء. وإنا لنتطلع إلى مزيد من أعمال هذا العالم الجاد.

 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *