سلسلة مقالات “العربية لغة العلم والتواصل” (2) – د. عبدالله الأنصاري


سلسلة مقالات “العربية لغة العلم والتواصل” (2) – د. عبدالله الأنصاري



خَصائصُ العربية ومَنْزِلتُها بَيْنَ اللُّغات

تعتلي اللغة العربية الذروة العليا في خصائصها اللغوية، في أصواتها ومفرداتها، وفي تصريفها واشتقاقها، وفي تراكيبها وإعرابها، وفي قواعدها الإملائية وخطوطها، وفي نطقها وأدائها، وفي منطقها و واقعيتها، وفي بلاغتها ودلالتها، وفي أوزانها الشعرية، وإيقاعاتها وقوافيها، ولا تُعلَم لغةٌ توازيها في شيء من ذلك، وقد ذكر علماء العربية ضروبًا مما اختصت به العربية دون سائر اللغات، وذكروا من جُملة ما تمتاز به: الإعرابَ، والتوسعَ في المجاز، وكثرةَ المترادفات، وغزارةَ المشترك اللفظي، حتى قيل إن الله تعالى اختار اللغة العربية لكتابه الذي أنزله مُعجِزًا لهذا السبب( 1)، ونقل ابن فارس عن بعض العلماء أنه قال: ” إنّ أحدًا لا يقدر أن يترجم القرآن إلى غير العربية، كما تُرجمت الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية، وتُرجمت سائر كتب الله إلى العربية؛ لأن العجم لم تتسع في المجاز اتساع العرب”( 2) والواقع يصدق هذه المقولة، فإنا لم نجد أحدًا استطاع نقل القرآن إلى غير العربية منذ نزل، بل لا نجد أحدًا يستطيع أن ينقل الأساليب العربية في سائر الكلام إلى اللغات الأخرى على طريق التطابق والتماثل، وإنما ينقلون المفاهيم نقلاً عاما.
ولقد استَوعَبَتْ العربيةُ العلوم والمعارفَ على تنوعها واختلافها، واتسعت لنقلها وترجمتها من اللغات الأخرى، إبَّانَ قُوَّةِ المسلمين، ولم يجد العرب في أيام قوتهم حاجة إلى الاستيعاض عن العربية بغيرها لأجل نقل العلوم وتعليمها، والدليل على ذلك كتبهم التي نجدها في علوم الطبيعة والطب والفلك والتربية والسلوك، والسياسة والاجتماع، واللسانيات بعامة، وغير ذلك.
وسبق العرب غيرَهم من الأمم الأوروبية وغيرها إلى اكتشاف الطريقة العلمية والمنهج التجريبي، القائمِ على الملاحظة والتجربة، وإلى النظريات العلمية التي كانت السببَ الأول في النهضة العلمية العالمية( 3)، ولولا ما أصاب العربيةَ بانهزام أهلها في الأندلس، وأمام التتار والمغول في بغداد، والمستعمرين المفسدين من الأوربيين، لما نهض العلم الحديث إلا باللغة العربية( 4)، وهذا يدل دلالة واضحة على أن تراجع اللغة العربية في المجالات العلمية في هذا العصر كان بسبب ظروف أصابت أهلها وبيئتَها، لابسبب نقص فيها أو ضعف في مقوماتها اللغوية، كما سيتبين.
هذه حقيقة العربية، ولا تُعلَم لغةٌ على وجه الأرض بلغت هذا المبلغ، كما لا تُعلَم لغة حملتْ رسالةً سماويةً عامة لجميع أهل الأرض غيرُ العربية، وثبت لها من العمومية ما لم يثبت لغيرها، حتى ورد في أثر مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن العربية ليست لأحدكم بأبٍ ولا أُمٍّ، إنما هي لسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي”(5 ) ويعني ذلك أنها لغة عالمية تُلحِق مَن تكلم بها بأهلها، وإن لم يكن منهم في أصله، وهذا من خصائصها.
والعربية أقرب اللغات وأنسبُها للمنطق العلمي، والسبب في ذلك اطراد قياسها، وقوة عِللها واتساقُها، وانضباطُ قواعدِها وقوانينِها، واتسامها بمزيد من الكمال اللغوي، وقد أدرك ذلك حذاقُها من العلماء، قال ابنُ جني “إن هذه اللغة اختصت بمزيد من الشرف، وتميزت بخصائص الحكمة، ونِيطتْ بها علائق الإتقان والصنعة”( 6). وقال ابن منظور الأنصاري: ” إنّ الله سبحانه قد كرَّم الإنسان وفضّله بالنطق على سائر الحيوان، وشرّف هذا اللسان العربيَّ بالبيان على كلِّ لسان، وكفاه شرَفًا أنه به نزل القرآن…” ( 7)
إنَّ هذه الخصائص والمميزات التي ثبتت للعربية تقتضي النظرَ من جديد إلى حالها في هذا العصر، وما بُذل من جهودٍ لوضعها في قوالبَ عصريةِ تلامس الواقع المشاهَد، وتلتقي مع الدراسات اللغوية الحديثة لدى الأمم الأخرى في مساراتها ونتائجها، ولا سيما ما يتعلق بالبحث اللغوي، وبالاستعمالات العلمية والتقنية، ونحو ذلك مما تُسهم به اللغة في إنارة الفكر البشري، بجديد غير مفصول عن القديم، ولا متراخٍ عن الحديث، مما يواكب التطور الحضاري والتقني الحديث.

الحواشي:

) انظر الصاحبي 41 والمزهر 1/324ـ 327.
2) الصاحبي 41.
3) انظر: العلوم عند العرب أصولها وملامحها الحضارية ص6.
4) انظر: اللغة العربية وتحديات العولمة ص99.
5) أورده ابن تيمية رحمه الله في اقتضاء الصراط المستقيم 1/275 في خبر طويل، ثم ذكر أنه ضعيف ولكن معناه ليس ببعيد بل هو صحيح.
6) انظر الخصائص 1/ 1. (بتصرف يسير).
7) لسان العرب (المقدمة) 1/7.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *