مصطفى شعبان
04-13-2016, 12:21 PM
مدرسة النحو العربى في ما وراء النهر
بقلم: أ.د. مليكة أنوروفنا ناصيروفا
هذه المقالة محاولة جدية تتناول بالبحث بدايات نشوء علم النحو العربي فى بلاد ما وراء النهر خلال القرون الوسطى، وفي مدارسه النحوية وأعلامه ومذاهبه وكتبه. لماذا ؟ لأن لكل علم تاريخه وأعلامه. ولعلم النحو العربي في ما وراء النهر تاريخ قديم يمتد للقرون الوسطى المبكرة ولم يزل يثير الإهتمام حتى الآن.
وكما هو معروف كانت نشأة علم النحو العربي مرتبطة بتطوره وكماله من خلال عدة مدارس نحوية نشأت وترعرعت في البصرة، والكوفة، وبغداد، ومصر، والأندلس.[1]
ومن المعروف أن نور الإسلام أخذ بالسطوع حول شبه الجزيرة العربية مع الفتوحات الإسلامية، ودخل الفرس والروم في دين الله أفواجاً، واستمرت الفتوحات الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين ووصلت في عهد الخليفة الراشد سيد نا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، شرقاً إلى ضفاف نهري السند، وجيحون، وإلى بلاد الشام شمالاً، ومصر غرباً. وتوالت الفتوحات الإسلامية في عهد بني أمية ووصلت إلى الهند والصين شرقاً، وإلى سيبيريا شمالاً، وإلى جبال البرنس والأندلس غرباً، وإلى السودان جنوباً، وشملت جزر البحر الأبيض المتوسط كلها.
وارتفعت راية الإسلام خفاقة على امتداد الدولة الإسلامية مترامية الأطراف كعامل من عوامل تآخي المسلمين جميعاً على اختلاف ألوانهم وأجناسهم، يوحدهم دين السلام والمحبة، والقرآن الكريم، واللغة العربية التي أنزل بها القرآن الكريم. وذكر يوهان فك أسباب ذلك بأنها “ترجع إلى أن العرب لم يلتفتوا إلى الأخطاء اللغوية باختلاطهم بسكان البلاد المفتوحة، واستخدامهم للعبيد والجواري لإدارة منازلهم في العصور الإسلامية المبكرة”.[2]
ومع اعتناق أبناء البلاد المفتوحة في ما وراء النهر، وخوارزم، الدين الإسلامي الحنيف في القرون الوسطى المبكرة، بدأت بالظهور دراسات في اللغة العربية. وشمل تطور تلك المرحلة المبكرة تطور حر شمل مجالات مختلفة من العلوم الإنسانية وتبادل القيم المعنوية العالمية عن طريق الكتب المكتوبة باللغة العربية التي هيأت الفرصة لظهور علماء بارزين في ماوراء النهر أسهموا في إثراء العلوم والثقافة الإسلامية العربية. وكانت الإنطلاقة لعباقرة في العلوم والشعر والفلسفة والتاريخ من الأتراك والفرس.
وكان لتطور الإنتاج الفكري لأبناء آسيا الوسطى آنذاك، أن هيأ السبل الكفيلة لحفظ التقاليد الثقافية الأصيلة، وتوفير سبل تطوير علوم وآداب وثقافة شعوب ما وراء النهر في المرحلة التاريخية الجديدة. وكان من أهم عوامل نمو الحياة المدنية والمدن، ونشر التعليم والثقافة والمعرفة بين أبناء المدن والقرى المنتشرة في ما وراء النهر. ورافقها وللمرة الأولى في التاريخ، تأسيس مدارس أخذت بالإنتشار السريع في جميع أرجاء الدولة الإسلامية مترامية الأطراف.
وذكر المستشرق الروسي المعروف برتولد أن “المدرسة كمؤسسة تعليمية ظهرت في عاصمة العالم الإسلامي آنذاك بغداد في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي، بينما لم تكن بشيء جديد في ما وراء النهر”.[3] وفي مكان آخر تطرق برتولد إلى أن المدرسة ذكرت للمرة الأولى إثر الحريق الذي شب في بخارى عام 937 م وأشار إليه محمد النرشحي (899-959م) في كتابة “تاريخ بخارى” وذكر أن الحريق أتلف مدرسة فرادجاك الكبيرة.[4]
وذكر الشيخ محمد الطنطاوي في كتابه “لم يكن عصر الدولة السلجوقية بعد الدولة البويهية في العراق أقل نصرة للنحو وعلوم اللغة العربية. وكان للمدرسة النظامية التي أنشأها في بغداد نظام الملك (أبو علي الحسن بن اسحاق بن العباس، وزير السلطان ألب أرسلان، وولده السلطان ملك شاه، الذي قتل رحمة الله عليه سنة 485هـ) الأثر الحسن في توجيه العلماء إلى التعليم، ونبغ بفضله عدد كبير من العلماء، وهي أول مدرسة بنيت في بغداد وكانت متخصصة بالتدريس، في حين كان قبلها التعليم يجري في المساجد الجامعة، وجعلت الرواتب للمدرسين والطلبة في المدرسة”.[5]
ومن المعروف أن تعليم اللغة العربية كان إلزامياً، وشكل القوة النابضة لتطور علوم اللغة العربية في ما وراء النهر، وبهذه الطريقة اشتغل العلماء بعلوم النحو والصرف باللغة العربية، وكتبوا في تلك المدارس رسائل عديدة منها: “الأنموذج في النحو”، و”الحركات”[6] للزمخشري، و”المصباح في النحو” للمطرزي، و”تصريف الأفعال” لمحمد المعزي، و”مقدمة الضريري” لحميد الدين الضريري، و”شرح ملا” لعبد الرحمن الجامي.
وبالإضافة لذلك سافر علماء ما وراء النهر لدراسة علم النحو واللغة العربية إلى بلاد العرب في الشام، والعراق، والحجاز. وكان من بينهم: ابن الخياط، ويوسف البرقي، وأحمد البرقاني، وغيرهم.
– وكان محمد الخوارزمي البرقي (الإمام أبو عبد الله) محمد بن أحمد بن يوسف بن إسماعيل بن شاه الخوارزمي البرقي، أحد العلماء والخطباء الفصحاء، وسافر إلى العراق وحج لبيت الله الحرام ومن ثم سكن بخارى، وكان إماماً في الفقه والشعر واللغة والنحو وعلم المعرفة.[7]
– وكان أبو بكر أحمد بن محمد بن منصور بن الخياط النحوي (توفي عام 320هـ، 932م) من سمرقند، وقدم منها إلى بغداد، نحوياً، ولغوياً، وشاعراً، ومؤرخاً، ومحدثاً. وقال عنه القفطي “أخذ عن المبرد، ونقل عن ثعلبي، وله تصنيف حسن”. وترك ابن الخياط بعد وفاته مصنفات مفيدة منها في النحو “كتاب النحو الكبير”، و”كتاب المقنع”، و”كتاب الموجز”. كما صنف كتاب “معاني القرآن”. وتوفي أبو بكر بن الخياط بالبصرة. ويشير علماء اللغة العربية في كتبهم إلى أن ابن الخياط كان من علماء المدرسة البغدادية.[8]
– وكان أحمد البرقاني (325-436هـ، 948-1034م) أبو بكر الحافظ الإمام أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي البرقاني الشافعي، عالماً بالقرآن والحديث والفقه والنحو، ودرس في بلاد كثيرة منها جرجان، وخراسان، وغيرهما، وسكن بغداد ودرس فيها، وكتب العلماء أنه كان له باع في علوم اللغة العربية.[9] وكان حريصاً على تحصيل العلوم، منصرفاً إليها بهمة. ومن تصانيفه وكتبه الكثيرة، التي بلغت ثلاثة وستين صفطاً وصندوقين، وصنف مسنداً اشتمل على صحيح البخاري ومسلم.
وظهرت أسماء جديدة لعلماء من ما وراء النهر في العالم الإسلامي أمثال: محمود الزمخشري، وإسحاق البخاري، وابن الخياط، وإسحاق الصفار البخاري، ومحمد الخوارزمي، وعمر الجندي، ومسعود التفتازاني، وأبي السعيد المطرزي، وغيرهم. وكتبت مصنفات أساسية في علم اللغة العربية كـ: “المفصل في النحو”، و”مقدمة الأدب”، و”أساس البلاغة” لمحمود الزمخشري؛ و”الإقليد” لعمر الجندي؛ و”المصباح في النحو”، و”الإقناع في اللغة” للمطرزي؛ و”المطول” لمسعود التفتازاني؛ و”النحو الكبير” لابن الخياط؛ و”التخمير”، و”كتاب سحر الإعراب”، و”الإعجاب في علم الإعراب” لمحمد الخوارزمي، وغيرهم.
– وتمتعت مؤلفات محمود الزمخشري (467-538هـ – 1075-1144م) بشعبية كبيرة في الأوساط الثقافية بالعالم الإسلامي، واستخدمت في جميع الفهارس الشهيرة خلال القرون الوسطى، كفهارس: ابن القفطي (توفي عام 646هـ )، وياقوت الحموي (توفي عام 626هـ) وابن خلكان (توفي عام 681هـ)، وحاجي خليفة (توفي عام 1068هـ) وغيرهم. وتضمنت أعمال محمود الزمخشري مجموعة من العلوم الأدبية التي عاصرها. [10]
وبلغ عدد المصنفات التي كتبها الزمخشري نحو سبعين مصنفاً في مختلف العلوم عرف منها أكثر من 45 مصنفاً، وبقيت حتى يومنا هذا مخطوطة أو مطبوعة وكان من أبرزها تفسير “الكشاف”، وكتابه في علم النحو “المفصل في النحو”. حتى بلغ رتبة الإمام المعلم في الكثير من العلوم وذاعت شهرته في جميع أنحاء العالم الإسلامي. وكان لمصنفات محمود الزمخشري وخاصة في النحو تأثيراً كبيراً على تطور علم نحو اللغة العربية، وغدت نقطة البداية لبحوث كثيرة تصدت لشرحها، ودخلت ضمن العديد من أبواب كتب التعليم التي تعلمتها عشرات الأجيال من بعده.
– أما صدر الأفاضل أبو الفتح ناصر بن المكارم عبد السيد بن علي المعروف بالمطرزي (538-610هـ – 1143-1213م) فقد ولد في السنة والبلدة التي مات فيها الزمخشري، ولهذا أطلق عليه لقب “خليفة الزمخشري”. وبعد موت الزمخشري حصل على اللقب الشريف “إمام علم النحو”. وصنف المطرزي عدداً من المصنفات النافعة في النحو واللغة والأدب، منها: “المصباح في النحو”، و”المقدمة المطرزية”، و”الإقناع في اللغة”، و”مختصر الإقناع في اللغة”، و”المغرب”، و”المعرب في شرح المغرب”. وتناول في “المغرب” الألفاظ التي وردت على ألسنة الفقهاء من الغريب. وهنا لابد من التنويه بأن المشتغلين بتاريخ اللغة العربية يعتبرون أن أبي الناصر المطرزي، وأستاذه محمود الزمخشري من علماء المدرسة البغدادية. [11]
– أما القاسم الخوارزمي (555-617هـ – 1160-1220م) وهو القاسم بن الحسين بن محمد الخوارزمي، فقد ولد بخورزم وقتله التتار. وهو عالم مشهور في علم نحو وصرف اللغة العربية، لقب بـ “صدر الأفاضل”. وكان فقيهاً ونحوياً وأديباً وناظماً للشعر وناثراً ولغوياً ومبيناً. ومن مصنفاته: “الزوايا والخبايا في النحو”، و”كتاب الروايا في النحو”، و”كتاب سحر الإعراب”، و”كتاب شرح الأبينية”، و”المحصل للمصلحة في البيان”، و”المختصر”، و”كتاب المجمرة في شرح المفصل”، و”التخمير” وهو شرح لـ “كتاب المفصل في النحو” للزمخشري، وشرح “الأنموذج في النحو” للزمخشري، و”الأحاجي في النحو” للزمخشري، وترجمة الأسماء الأربعين… وغيرها. [12]
– وكان تاج الدين أحمد بن محمود بن عمر الجندي، نحوياً اشتغل بالصرف، ومن تصانيفه: “شرح المفصل” للزمخشري، وأطلق عليه “الإقليد”، وشرح “المصباح المطرزي” وأطلق عليه “المقاليد” وكلاهما في النحو، و”عقود الجواهر في علم التصريف”. وله أيضاً شرح “الكافية في النحو” لابن الحاجب. وتوفي أحمد الجندي عام 700هـ – 1301م.
وأخذ نحاة ما وراء النهر بشرح رسائل ومؤلفات علماء المدارس النحوية الأخرى، أمثال:
– صفار البخاري وله “المدخل إلى سيبويه”؛
– وإسماعيل الفقائي وله “عمدة المقيد وعدة المجيد في معرفة لفظة التجويد”؛
– ومقصود التفتزاني وله “شرح مختصر الزنجاني”، و”حل المقائد في شرح الفوائد”؛
– وصالح بن محمد التمورتاشي وله “شرح الألفية في النحو” لابن مالك؛
– ومحمود الزمخشري وله “شرح أبواب كتاب سيبويه”، و”شرح الفصيح” لأبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن يسر الشيباني المعروف بلقب “الثعلبي”؛
– وأبو الناصر المطرزي وله “شرح مقامات الحريري”؛
– ومحمد الخوارزمي (توفي عام 425هـ – 1034م) وله “شرح ديوان المتنبي”، وغيرهم. [13]
وبعد فترة من الزمن شرح النحاة في أماكن أخرى مؤلفات ورسائل نحاة ما وراء النهر ومنهم:
– أبو الحسن الصخاوي الذي شرح “المفصل” للزمخشري وأطلق عليه “المفضل”؛
– وشرح ابن الحاجب المشهور بانتمائه لمدرسة مصر النحوية “المفصل” لمحمود الزمخشري وأطلق عليه “الإيضاح في شرح المفصل للزمخشري”؛
– وأبو علي بدر الدين الحسن المرادي (690-749هـ -1245-1291م) الذي كتب حاشية “شرح المفضل في شرح مفصل الصخاوي”.[14]
– وكان أبو محمد جمال الدين بن هشام الأنصاري (708-761هـ – 1245-1291م) آخر المنتمين للمدرسة المصرية قد شرح “الكشاف” لمحمود الزمخشري وأطلق عليه “تلخيص الأنصاف في تفسير الكشاف”.
بقلم: أ.د. مليكة أنوروفنا ناصيروفا
هذه المقالة محاولة جدية تتناول بالبحث بدايات نشوء علم النحو العربي فى بلاد ما وراء النهر خلال القرون الوسطى، وفي مدارسه النحوية وأعلامه ومذاهبه وكتبه. لماذا ؟ لأن لكل علم تاريخه وأعلامه. ولعلم النحو العربي في ما وراء النهر تاريخ قديم يمتد للقرون الوسطى المبكرة ولم يزل يثير الإهتمام حتى الآن.
وكما هو معروف كانت نشأة علم النحو العربي مرتبطة بتطوره وكماله من خلال عدة مدارس نحوية نشأت وترعرعت في البصرة، والكوفة، وبغداد، ومصر، والأندلس.[1]
ومن المعروف أن نور الإسلام أخذ بالسطوع حول شبه الجزيرة العربية مع الفتوحات الإسلامية، ودخل الفرس والروم في دين الله أفواجاً، واستمرت الفتوحات الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين ووصلت في عهد الخليفة الراشد سيد نا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، شرقاً إلى ضفاف نهري السند، وجيحون، وإلى بلاد الشام شمالاً، ومصر غرباً. وتوالت الفتوحات الإسلامية في عهد بني أمية ووصلت إلى الهند والصين شرقاً، وإلى سيبيريا شمالاً، وإلى جبال البرنس والأندلس غرباً، وإلى السودان جنوباً، وشملت جزر البحر الأبيض المتوسط كلها.
وارتفعت راية الإسلام خفاقة على امتداد الدولة الإسلامية مترامية الأطراف كعامل من عوامل تآخي المسلمين جميعاً على اختلاف ألوانهم وأجناسهم، يوحدهم دين السلام والمحبة، والقرآن الكريم، واللغة العربية التي أنزل بها القرآن الكريم. وذكر يوهان فك أسباب ذلك بأنها “ترجع إلى أن العرب لم يلتفتوا إلى الأخطاء اللغوية باختلاطهم بسكان البلاد المفتوحة، واستخدامهم للعبيد والجواري لإدارة منازلهم في العصور الإسلامية المبكرة”.[2]
ومع اعتناق أبناء البلاد المفتوحة في ما وراء النهر، وخوارزم، الدين الإسلامي الحنيف في القرون الوسطى المبكرة، بدأت بالظهور دراسات في اللغة العربية. وشمل تطور تلك المرحلة المبكرة تطور حر شمل مجالات مختلفة من العلوم الإنسانية وتبادل القيم المعنوية العالمية عن طريق الكتب المكتوبة باللغة العربية التي هيأت الفرصة لظهور علماء بارزين في ماوراء النهر أسهموا في إثراء العلوم والثقافة الإسلامية العربية. وكانت الإنطلاقة لعباقرة في العلوم والشعر والفلسفة والتاريخ من الأتراك والفرس.
وكان لتطور الإنتاج الفكري لأبناء آسيا الوسطى آنذاك، أن هيأ السبل الكفيلة لحفظ التقاليد الثقافية الأصيلة، وتوفير سبل تطوير علوم وآداب وثقافة شعوب ما وراء النهر في المرحلة التاريخية الجديدة. وكان من أهم عوامل نمو الحياة المدنية والمدن، ونشر التعليم والثقافة والمعرفة بين أبناء المدن والقرى المنتشرة في ما وراء النهر. ورافقها وللمرة الأولى في التاريخ، تأسيس مدارس أخذت بالإنتشار السريع في جميع أرجاء الدولة الإسلامية مترامية الأطراف.
وذكر المستشرق الروسي المعروف برتولد أن “المدرسة كمؤسسة تعليمية ظهرت في عاصمة العالم الإسلامي آنذاك بغداد في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي، بينما لم تكن بشيء جديد في ما وراء النهر”.[3] وفي مكان آخر تطرق برتولد إلى أن المدرسة ذكرت للمرة الأولى إثر الحريق الذي شب في بخارى عام 937 م وأشار إليه محمد النرشحي (899-959م) في كتابة “تاريخ بخارى” وذكر أن الحريق أتلف مدرسة فرادجاك الكبيرة.[4]
وذكر الشيخ محمد الطنطاوي في كتابه “لم يكن عصر الدولة السلجوقية بعد الدولة البويهية في العراق أقل نصرة للنحو وعلوم اللغة العربية. وكان للمدرسة النظامية التي أنشأها في بغداد نظام الملك (أبو علي الحسن بن اسحاق بن العباس، وزير السلطان ألب أرسلان، وولده السلطان ملك شاه، الذي قتل رحمة الله عليه سنة 485هـ) الأثر الحسن في توجيه العلماء إلى التعليم، ونبغ بفضله عدد كبير من العلماء، وهي أول مدرسة بنيت في بغداد وكانت متخصصة بالتدريس، في حين كان قبلها التعليم يجري في المساجد الجامعة، وجعلت الرواتب للمدرسين والطلبة في المدرسة”.[5]
ومن المعروف أن تعليم اللغة العربية كان إلزامياً، وشكل القوة النابضة لتطور علوم اللغة العربية في ما وراء النهر، وبهذه الطريقة اشتغل العلماء بعلوم النحو والصرف باللغة العربية، وكتبوا في تلك المدارس رسائل عديدة منها: “الأنموذج في النحو”، و”الحركات”[6] للزمخشري، و”المصباح في النحو” للمطرزي، و”تصريف الأفعال” لمحمد المعزي، و”مقدمة الضريري” لحميد الدين الضريري، و”شرح ملا” لعبد الرحمن الجامي.
وبالإضافة لذلك سافر علماء ما وراء النهر لدراسة علم النحو واللغة العربية إلى بلاد العرب في الشام، والعراق، والحجاز. وكان من بينهم: ابن الخياط، ويوسف البرقي، وأحمد البرقاني، وغيرهم.
– وكان محمد الخوارزمي البرقي (الإمام أبو عبد الله) محمد بن أحمد بن يوسف بن إسماعيل بن شاه الخوارزمي البرقي، أحد العلماء والخطباء الفصحاء، وسافر إلى العراق وحج لبيت الله الحرام ومن ثم سكن بخارى، وكان إماماً في الفقه والشعر واللغة والنحو وعلم المعرفة.[7]
– وكان أبو بكر أحمد بن محمد بن منصور بن الخياط النحوي (توفي عام 320هـ، 932م) من سمرقند، وقدم منها إلى بغداد، نحوياً، ولغوياً، وشاعراً، ومؤرخاً، ومحدثاً. وقال عنه القفطي “أخذ عن المبرد، ونقل عن ثعلبي، وله تصنيف حسن”. وترك ابن الخياط بعد وفاته مصنفات مفيدة منها في النحو “كتاب النحو الكبير”، و”كتاب المقنع”، و”كتاب الموجز”. كما صنف كتاب “معاني القرآن”. وتوفي أبو بكر بن الخياط بالبصرة. ويشير علماء اللغة العربية في كتبهم إلى أن ابن الخياط كان من علماء المدرسة البغدادية.[8]
– وكان أحمد البرقاني (325-436هـ، 948-1034م) أبو بكر الحافظ الإمام أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي البرقاني الشافعي، عالماً بالقرآن والحديث والفقه والنحو، ودرس في بلاد كثيرة منها جرجان، وخراسان، وغيرهما، وسكن بغداد ودرس فيها، وكتب العلماء أنه كان له باع في علوم اللغة العربية.[9] وكان حريصاً على تحصيل العلوم، منصرفاً إليها بهمة. ومن تصانيفه وكتبه الكثيرة، التي بلغت ثلاثة وستين صفطاً وصندوقين، وصنف مسنداً اشتمل على صحيح البخاري ومسلم.
وظهرت أسماء جديدة لعلماء من ما وراء النهر في العالم الإسلامي أمثال: محمود الزمخشري، وإسحاق البخاري، وابن الخياط، وإسحاق الصفار البخاري، ومحمد الخوارزمي، وعمر الجندي، ومسعود التفتازاني، وأبي السعيد المطرزي، وغيرهم. وكتبت مصنفات أساسية في علم اللغة العربية كـ: “المفصل في النحو”، و”مقدمة الأدب”، و”أساس البلاغة” لمحمود الزمخشري؛ و”الإقليد” لعمر الجندي؛ و”المصباح في النحو”، و”الإقناع في اللغة” للمطرزي؛ و”المطول” لمسعود التفتازاني؛ و”النحو الكبير” لابن الخياط؛ و”التخمير”، و”كتاب سحر الإعراب”، و”الإعجاب في علم الإعراب” لمحمد الخوارزمي، وغيرهم.
– وتمتعت مؤلفات محمود الزمخشري (467-538هـ – 1075-1144م) بشعبية كبيرة في الأوساط الثقافية بالعالم الإسلامي، واستخدمت في جميع الفهارس الشهيرة خلال القرون الوسطى، كفهارس: ابن القفطي (توفي عام 646هـ )، وياقوت الحموي (توفي عام 626هـ) وابن خلكان (توفي عام 681هـ)، وحاجي خليفة (توفي عام 1068هـ) وغيرهم. وتضمنت أعمال محمود الزمخشري مجموعة من العلوم الأدبية التي عاصرها. [10]
وبلغ عدد المصنفات التي كتبها الزمخشري نحو سبعين مصنفاً في مختلف العلوم عرف منها أكثر من 45 مصنفاً، وبقيت حتى يومنا هذا مخطوطة أو مطبوعة وكان من أبرزها تفسير “الكشاف”، وكتابه في علم النحو “المفصل في النحو”. حتى بلغ رتبة الإمام المعلم في الكثير من العلوم وذاعت شهرته في جميع أنحاء العالم الإسلامي. وكان لمصنفات محمود الزمخشري وخاصة في النحو تأثيراً كبيراً على تطور علم نحو اللغة العربية، وغدت نقطة البداية لبحوث كثيرة تصدت لشرحها، ودخلت ضمن العديد من أبواب كتب التعليم التي تعلمتها عشرات الأجيال من بعده.
– أما صدر الأفاضل أبو الفتح ناصر بن المكارم عبد السيد بن علي المعروف بالمطرزي (538-610هـ – 1143-1213م) فقد ولد في السنة والبلدة التي مات فيها الزمخشري، ولهذا أطلق عليه لقب “خليفة الزمخشري”. وبعد موت الزمخشري حصل على اللقب الشريف “إمام علم النحو”. وصنف المطرزي عدداً من المصنفات النافعة في النحو واللغة والأدب، منها: “المصباح في النحو”، و”المقدمة المطرزية”، و”الإقناع في اللغة”، و”مختصر الإقناع في اللغة”، و”المغرب”، و”المعرب في شرح المغرب”. وتناول في “المغرب” الألفاظ التي وردت على ألسنة الفقهاء من الغريب. وهنا لابد من التنويه بأن المشتغلين بتاريخ اللغة العربية يعتبرون أن أبي الناصر المطرزي، وأستاذه محمود الزمخشري من علماء المدرسة البغدادية. [11]
– أما القاسم الخوارزمي (555-617هـ – 1160-1220م) وهو القاسم بن الحسين بن محمد الخوارزمي، فقد ولد بخورزم وقتله التتار. وهو عالم مشهور في علم نحو وصرف اللغة العربية، لقب بـ “صدر الأفاضل”. وكان فقيهاً ونحوياً وأديباً وناظماً للشعر وناثراً ولغوياً ومبيناً. ومن مصنفاته: “الزوايا والخبايا في النحو”، و”كتاب الروايا في النحو”، و”كتاب سحر الإعراب”، و”كتاب شرح الأبينية”، و”المحصل للمصلحة في البيان”، و”المختصر”، و”كتاب المجمرة في شرح المفصل”، و”التخمير” وهو شرح لـ “كتاب المفصل في النحو” للزمخشري، وشرح “الأنموذج في النحو” للزمخشري، و”الأحاجي في النحو” للزمخشري، وترجمة الأسماء الأربعين… وغيرها. [12]
– وكان تاج الدين أحمد بن محمود بن عمر الجندي، نحوياً اشتغل بالصرف، ومن تصانيفه: “شرح المفصل” للزمخشري، وأطلق عليه “الإقليد”، وشرح “المصباح المطرزي” وأطلق عليه “المقاليد” وكلاهما في النحو، و”عقود الجواهر في علم التصريف”. وله أيضاً شرح “الكافية في النحو” لابن الحاجب. وتوفي أحمد الجندي عام 700هـ – 1301م.
وأخذ نحاة ما وراء النهر بشرح رسائل ومؤلفات علماء المدارس النحوية الأخرى، أمثال:
– صفار البخاري وله “المدخل إلى سيبويه”؛
– وإسماعيل الفقائي وله “عمدة المقيد وعدة المجيد في معرفة لفظة التجويد”؛
– ومقصود التفتزاني وله “شرح مختصر الزنجاني”، و”حل المقائد في شرح الفوائد”؛
– وصالح بن محمد التمورتاشي وله “شرح الألفية في النحو” لابن مالك؛
– ومحمود الزمخشري وله “شرح أبواب كتاب سيبويه”، و”شرح الفصيح” لأبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن يسر الشيباني المعروف بلقب “الثعلبي”؛
– وأبو الناصر المطرزي وله “شرح مقامات الحريري”؛
– ومحمد الخوارزمي (توفي عام 425هـ – 1034م) وله “شرح ديوان المتنبي”، وغيرهم. [13]
وبعد فترة من الزمن شرح النحاة في أماكن أخرى مؤلفات ورسائل نحاة ما وراء النهر ومنهم:
– أبو الحسن الصخاوي الذي شرح “المفصل” للزمخشري وأطلق عليه “المفضل”؛
– وشرح ابن الحاجب المشهور بانتمائه لمدرسة مصر النحوية “المفصل” لمحمود الزمخشري وأطلق عليه “الإيضاح في شرح المفصل للزمخشري”؛
– وأبو علي بدر الدين الحسن المرادي (690-749هـ -1245-1291م) الذي كتب حاشية “شرح المفضل في شرح مفصل الصخاوي”.[14]
– وكان أبو محمد جمال الدين بن هشام الأنصاري (708-761هـ – 1245-1291م) آخر المنتمين للمدرسة المصرية قد شرح “الكشاف” لمحمود الزمخشري وأطلق عليه “تلخيص الأنصاف في تفسير الكشاف”.