مشاهدة النسخة كاملة : الفتوى (1947) : فروق دلالية بين متشابهات قرآنية
محمد الشهــري
08-24-2019, 08:57 PM
قال تعالى: ﴿فَلا تُعجِبكَ أَموالُهُم وَلا أَولادُهُم إِنَّما يُريدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِها فِي الحَياةِ الدُّنيا وَتَزهَقَ أَنفُسُهُم وَهُم كافِرونَ﴾ [التوبة: ٥٥]
وقال عز وجل: ﴿وَلا تُعجِبكَ أَموالُهُم وَأَولادُهُم إِنَّما يُريدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِها فِي الدُّنيا وَتَزهَقَ أَنفُسُهُم وَهُم كافِرونَ﴾ [التوبة: ٨٥]
هل هناك دلالات لغوية لبدء الأولى بالفاء والثانية بالواو؟
وكذلك فصل الأموال عن الأولاد في الأولى واتصالهما في الثانية؟
جزاكم الله خيرًا.
د.مصطفى يوسف
08-24-2019, 11:37 PM
(لقد أحيل السؤال إلى أحد المختصين لموافاتكم بالإجابة قريبا).
د.مصطفى يوسف
08-27-2019, 02:11 AM
الفتوى (1947) :
حيا الله السائل الكريم!
اعلم -بارك الله فيك- أن بعض المفسرين اللغويين ذهب إلى أن هاتين الآيتين من النظائر المتكررة لتقوية المعنى المراد؛ على نحو ما ذكر الزمخشري في (الكشاف)، وكذا ابن عطية في (المحرر الوجيز)، وقد تبعهما -من المتأخرين- الشوكاني في (فتح القدير) مع تفرقة يسيرة. غير أن أبا حيان الأندلسي قد ساق نتفة مما نص عليه الزمخشري في كشافه في (البحر المحيط)، ثم أعقبها بالإفصاح عن رأيه في أن التأسيس لمعنى جديد في تفسير المتشابهات هو أصل من أصول التفسير، وهو أَوْلَى من التكرير المحض؛ ولاسيما أن الآية الخامسة والخمسين قد نزلت في فريق من المنافقين، بخلاف الفريق الآخر منهم، والذين نزلت فيهم الآية الخامسة والثمانون. وقد قيل: إن الآية الأولى نزلت للنهي عن تعظيمهم في حال حياتهم بسبب كثرة مال وولد، والأخرى تنهى عن تعظيمهم بعد وفاتهم لمانع الكفر والنفاق.
أما التغاير اللفظي في تركيب الآيتين فقد اجتهد أبو حيان الأندلسي -رحمه الله- في بيان دلالتها اللغوية على النحو التالي:
أولًا: الفاء في قوله "فلا" في الأولى جاءت مناسبة للتعقيب بغير تراخ بعد قوله تعالى: "ولا ينفقون إلا وهم كارهون" فعطف النهي بفاء التعقيب؛ دفعًا لأي إعجاب يساوره لكثرة أموالهم وأولادهم. أما الآية الأخرى فقد عطف النهي بالواو التي تناسب المنهي عنه قبلها بالواو؛ "ولا تصل على أحد منهم"، "ولا تقم على قبره" فناسبتهما الواو في العطف، فجاء عقيبهما: "ولا تعحبك".
ثانيًا: في الآية الأولى جاءت "ولا أولادهم" وفي الأخرى بغير "لا"؛ ليُشعر في الأولى بالنهي عن الإعجاب بكلٍّ على حدة، لا الأموال منفردة، ولا الأولاد كذلك، مع تضمن النهي عن الإعجاب بمجموعهما معًا. أما إسقاط "لا" فلدلالة النهي عن الإعجاب بهما معًا، مع تضمن النهي عن الإعجاب بكل واحد منهما على تفرده. أي أن الآيتين دلَّتا بمنطوقهما ومفهومهما على النهي عن الإعجاب بأموالهم وبأولادهم مجتمعين ومنفردين، بيد أن الاختلاف في التضمن الذي يدل عليه سياق كل آية.
ثالثًا: اختلف متعلق الفعل "يريد" في الآيتين؛ لاختلاف الدلالة كذلك؛ إذ إن متعلقه -المفعول به- في الأولى محذوف، والتقدير: يريد الله ابتلاءَهم بالأموال والأولاد لتعذيبهم، ففيها تعليل للعذاب نتيجة الابتلاء. أما في الآية الأخيرة فإن متعلق الفعل ظاهر، وهو المصدر المؤول "أن يعذبهم"، فإرادة الله هنا -وهو أعلم بمراده جل وعلا- منصبة على التعذيب مباشرة، وليس الابتلاء من أجل التعذيب.
رابعًا: أثبت لفظة "الحياة" قبل "الدنيا" في الأولى وأسقطها في الأخرى؛ تنبيهًا على خسة الحياة التي يتمتعون فيها بالأولاد والأموال حال حياتهم، فلما ماتوا وسُلِبت حياة التفاخر منهم، ناسب سياقَ الحال -الموت وسلب الحياة وإزهاق أرواحهم-ناسب ذلك إسقاطُ لفظة "الحياة".
هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين!
اللجنة المعنية بالفتوى:
المجيب:
د. وليد محمد عبد الباقي
أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية
والدراسات الاجتماعية بجامعة القصيم
راجعه:
أ.د. أحمد البحبح
أستاذ اللغويات المشارك بقسم اللغة
العربية وآدابها بكلية الآداب جامعة عدن
رئيس اللجنة:
أ.د. عبد العزيز بن علي الحربي
(رئيس المجمع)
محمد الشهــري
08-27-2019, 04:02 AM
جزاكم الله خيرا
وبارك الله في علمكم وعملكم.
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026, vBulletin Solutions, Inc Trans by mbcbaba