المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفتوى (60): سؤال حول كلمتي: (سياق) و (سيرورات)


جبير الزواقي
03-04-2014, 10:27 AM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
أود معرفة رأيكم في صحة التعريف التالي لغويا :
الوضعية التعليمية التعلمية هي السياق البيداغوجي لسيرورات التعلم و الاكتساب
خاصة كلمتا سياق و سيرورات
و ما ألفاظ لغتنا الحبيبة التي نستغني بها عنهما
و جزاكم الله خيرا

إدارة المجمع
03-05-2014, 12:28 PM
(لقد أحيل السؤال إلى أحد المختصين لموافاتكم بالإجابة قريبا).

أ.د. صادق عبدالله أبو سليمان
04-06-2014, 05:20 PM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
أود معرفة رأيكم في صحة التعريف التالي لغويا :
الوضعية التعليمية التعلمية هي السياق البيداغوجي لسيرورات التعلم و الاكتساب
خاصة كلمتا سياق و سيرورات
و ما ألفاظ لغتنا الحبيبة التي نستغني بها عنهما
و جزاكم الله خيرا

كلماتٌ ومعانٍ
( سياق- سيرورات بيداغوجيا)

بقلم
أ. د. صادق عبد الله أبو سليمان
أستاذ العلوم اللغوية - جامعة الأزهر- غزة/ فلسطين
عضو مجامع اللغة العربية( القدس- القاهرة- مكة المكرمة)
عضو مجلس إدارة اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية
وردني من مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية هذا السؤال:" السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، أود معرفة رأيكم في صحة التعريف التالي لغويا:" الوضعية التعليمية التعلمية هي السياق البيداغوجي لسيرورات التعلم والاكتساب؛ خاصة كلمتا سياق وسيرورات وما ألفاظ لغتنا الحبيبة التي نستغني بها عنهما و جزاكم الله خيرا".
أقول وبالله التوفيق:
سأقف في إجابتي فقط عند كلمات:( سياق- سيرورات- بيداغوجيا)؛ لأنَّ الجملةَ، المذكورةَ في السؤال منبتة عن سياقها أولاً، وإن كنتُ أظنُّ أنها تهدفُ إلى تعريفِ مصطلح" البيداغوجيا"، ولكن صياغته جاءت بأسلوبٍ ركيك.
أولاً- كلمتا" سياق" و" سيرورات":
بالنسبة لكلمتي" سياق" و" سيرورات" فإنهما- بلا شك- كلمتان عربيتان، وقد وردتا في معجمات اللغة العربية، أما كلمة" سياق" فقد وردت بمعانٍ مختلفةٍ في أشعارِ كثيرٍ من الشعراءِ القدماء والمحدثين، فقد قال الأخطل التغلبي مثلاً: ( بحر الوافر)
أَصَبْنا نِسْوَةً مِنْكُمْ جِهاراً بِلا مَهْرٍ يُعَدُّ وَلا سِياقِ
ولعله يعني بالسياقِ هنا تتابع سوقِ الإبل.
وقال الشريف الرضي:( بحر المتقارب)
فَإِنَّ عَصا الدَّهرِ لَمّا تَدَع سِياقَ الأُمورِ لِغاياتِها
وقال علي الجارم:( بحر الخفيف)
وَمَعانٍ شَوْقِيَّةٌ في سِياقٍ بُحْتُرِيٍّ وَرِقَّةٌ في مَتانَهْ
وورد في أساسِ البلاغة للزمخشري:" ومن المجاز: ساق الله إليه خيراً. وساق إليها المهر. وساقت الريح السحاب. وأردت هذه الدار بثمن، فساقها الله إليك بلا ثمن. والمحتضر يسوق سياقاً. وفلان في ساقة العسكر: في آخره وهو جمع سائق كقادة في قائد. وهو يساوقه ويقاوده، وتساوقت الإبل: تتابعت. وهو يسوق الحديث أحسن سياق، و"إليك يساق الحديث". تُنظر مادة:( س. و. ق).
وجاء في تهذيب اللغة للأزهري:" وأما قول الله تعالى:( يُضاَعَفْ لَهاَ العَذَابُ ضِعفْيَنِ"؛ إنهما ضعفانِ اثنان، فإن سياق الآية والآية التي بعدها دل على أن المراد من قوله ضعفين مَرَّتينِ". تُنظر مادة:( ض. ع. ف).
ونقول في دروسنا ومؤلفاتنا: سياق النص، و نظرية السياق، وسياق الحال، والسياق اللغوي، وفي سياق آية...إلخ.
أما لفظُ" سيرورة" فهو مصدرٌ للفعل" سار"، ومثلها في كلامِ العرب" صارَ صَيْرُورَةً" و" حادَ حَيْدُودَةً" و" سارَ سَيْرُورَةً" و" كان كَيْنُونَة" و" دام دَيْمُومَةٌ"...إلخ.
وقال الأعمى التطيلي:( البسيط)
حقاً أقولُ لقد أَعْلَيْتَ مِنْ هِمَمي فسرنَ بي في العُلا سَيْرُورَةَ المثل
وقال ابن الفارض:( الطويل)
فواجدُ كَرْبٍ في سياقٍ لفُرْقَةٍ كمَكروبٍ وَجْدِ لاشتياق لرُفقة
وقال الشريف الرضي:( المتقارب)
فَإِنَّ عَصا الدَهرِ لَمّا تَدَع سِياقَ الأُمورِ لِغاياتِها
وجاء في كتاب العمدة لاين رشيق:" باب سيرورة الشعر والحظوة في المدح... قال الأخطل للفرزدق: أنا والله أشعر من جرير، غير أنه رزق من سيرورة الشعر ما لم أرزقه، وقد قلت بيتاً لا أحسب أن أحداً قال أهجى منه، وهو:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم قالوا لأمهم: بولي على النار"
ثانياً- مصطلح البيداغوجيا: Pedagogy
لفظٌ بل مصطلحٌ فكريٌّ تربويٌّ وافدٌ لم أقرأ له مقابلاً عربياً، ولأني لست متخصصاً في علوم التربيةِ سألتُ بعض أساتذة التربية فلم أصل منهم إلى مفهومٍ واضحٍ أو بديلٍ عربيٍّ شافٍ، وشعرتُ- رغم معرفتهم به- أنه مصطلحٌ تربويٌّ استعصت دلالته عند كثيرٍ ممن حاورتُ واستعنت.
بحثتُ عن مفهومِ هذا المصطلحِ فوجدتُ أنه يرجع في أصل استعمالهِ الأولِ إلى اللغة اليونانية، وأنه مركبٌ من لفظين، هما:" Péda "، معناه" الطفل"، و" Agôgé " ويعني التوجيهَ أو القيادةَ أو الرعاية، وقيل بأنَّ" البيداغوجي" هو الخادمُ أو من يقومُ برعايةِ الأطفال، واصطحابهم إلى المدرسة أو المتنزهاتِ أو غيرها.
ولعله بهذا المعنى يرادفُ اللفظَ العربيَّ المعاصرَ:" المربّي" أو" المربّية"، ويعني في هذا السياق الإشراف على تربية الأطفال المواليد فيما يُعرف بدور الحضانة. وهو يحمل أيضاً في عربيتنا المعاصرة معنى" التربية التعليمية"؛ فيقال للمعلِّم، ولاسيما معلم المرحلة التمهيدية والتأسيسية:" المربّي"، وللمعلمةِ" المُرَبِّيَة"؛ وهما يقومان بوظيفة نقلِ المعرفةِ إلى تلامذتهم، وتهذيب سلوكهم.
ولعل لمعنى مصطلحِ" التربية" في البيئة المدرسية دلالاتٍ لا تقتصرُ على الجانبِ التعليميِّ الصِّرفِ الهادِفِ إلى إكسابِ المتعلمِ أنماطَ التفكيرِ والمهاراتِ الأساسيةَ والمعارفَ الجديدةَ من لغةٍ وعلومٍ وتاريخٍ وفنونٍ وتدريباتٍ وتقنياتٍ وما إلى ذلك فحسب، وإنما تتعداهُ أيضاً إلى التربيةِ القِيَميةِ المتمثلةِ في الأخلاقِ الحميدةِ من تعاونٍ وتسامحٍ وتطوّعٍ ومساعدةٍ للآخرين...إلخ.
وأياً يكن من أمرٍ فإنَّ ما يربط بين هاتين الدلالتين يتمثل في ممارسة تربية الطفلِ بل المتعلمِ بصفةٍ عامةٍ، وَجَعْلِهِ يعيشُ حياةً تعليميةً وفكريةً وصحيةً سليمة، وإن في اللجوءِ إلى لفظ" التربية" وفروعه في هذا السياقِ لَيعبّرُ عن الجانبِ الإنسانيِّ الذي تتطلبُهُ وظيفةُ المربّي؛ فهو بهذا الاسم يمارسُ وظيفةً أبويةً إنسانيةً مقصدُها التوادُّ الذي يَحْفِزُ المتربي، ويعينُهُ على التآلفِ مع مربيه، والاطمئنانِ إليه، والشعورِ بالراحةِ والطمأنينةِ وهو يتعامل معه: يسألهُ ويناقشهُ ويراجعهُ ويطلبُ منه حتى يصلَ إلى غاياته في المحاكاةِ والإنتاجِ والإبداع...إلخ.
وبعيداً عن تعريفات التربويين ونقولِهم في بيان مفهوم هذا المصطلح التربويِّ الوافد" البيداغوجيا" فإنني أرى أن هذا المصطلحَ لا يبتعدُ عن هذه الدلالاتِ التي عَبَّرَتْ عنها المؤسسةُ العربيةُ الرسميةُ حين سمّت الوزارة المشرفة على رعاية الناشئة بـ" وزارة التربية والتعليم".
وعليه فإن مصطلحَ" البيداغوجيا"- كما أفهم- يتمثلُ تربوياً في توفير كل متطلبات" العملية التعليمية" أو" التربوية" بل" التعليم الخَلاق" أو إن شئت فقل:" التعليم التفاعلي" من مادةٍ علميةٍ، ومهاراتٍ تدريسيةٍ، وتعامليةٍ، وقدراتٍ ذكائيةٍ، ووسائلَ تعليميةٍ وتقنية؛ أو هو مجموعُ منظومةِ مهاراتِ طرقِ التدريسِ ومتطلباتِهِ التي يمتلكُها المعلمُ المبدِعُ الذي يُفاعلُ معهُ تلامذتَهُ- أطفالاً كانوا أم غيرَهم- استقبالاً وإرسالاً فيوصِلُ بل يحفرُ رسالتَهُ التعليميةَ التعلميةَ في أدمغتهم؛ فالمتعلم في هذا" السياق البيداغوجي" متلقٍّ ومشاركٌ وباحثٌ ومُحاورٌ ومحللٌ ومنتجٌ. أو إن شئت فقل: إنه مشاركٌ فعّالٌ في منظومة" العمليةِ التعليمية التعلمية" التي يكونُ المعلمُ فيها موجِّهاً ومساعداً وناقداً ومبادراً ومديراً وفناناً حاذقاً يَفتنُّ في تهيئةِ الأجواءِ المناسبة لهذه العملية، ويكون فيها المتعلم مستقبلاً ومشاركاً المشاركةَ الإيجابيةَ المعتمدةَ على ما حصَّله من أستاذه، وأنشطتِهِ البحثيةِ الذاتيةِ، وقدراتِهِ على القراءةِ النافعةِ لمتطلباته، والاكتسابِ الواعي وقراءةِ البيانات، والملاحظةِ والتحليلِ والقياسِ والاستنتاج، والإنتاجِ الذي يجعلُهُ قادراً على العطاءِ المبنيِّ على عُمْقِ العلمِ بما يُعطي.
وعليه فإن البيداغوجيةَ هي كلُّ نتاجِ ما يمتلكُهُ المُعلِّمُ المربّي من كفاياتٍ" Competence's " تتمثل في معارفَ وثقافاتٍ ومناهجَ ومهاراتٍ إداريةٍ وتربويةٍ ومواقفَ اكتسبها أو امتلكها في حياتهِ، أو إن شئت فقل: إنها مؤهلاتٌ أو أدواتٌ تَربّى عليها واكتسبها وامتلكها تدريجاً في مراحل حياته التعليميةِ والتعلّمية والعملية، وصارت عنده ملكةً أو سليقةً تُمكنُهُ التمكنَ الأمكنَ من إجادةِ صنعةِ التربية التعليمية، وفنِّ التعامل مع تلامذته، وَحَلِّ ما قد يواجههم من مصاعبَ أو مشكلات؛ الأمر الذي يجعلهم يُقبلون على دروسه بنفسٍ راضيةٍ مطمئنة فيتربون على ما كانَ إياهُم أستاذُهم عَوَّدا.
إن هناك فرقاً كبيراً بين" التعليم التلقيني الاستظهاري" و" التعليم التفاعلي" أو" التفكيري" أما الأولُ فهو النمط التقليدي الذي يعتمد على استقبال المتلقي لمسموعه، وتكرارِه لضمانِ الحفظِ والقدرة على استرجاعِ المعلومةِ تقليدَ الحافظِ؛ ففيه يركّزُ" المعلِّمُ" أو" المربي" على حشوِ أدمغةِ تلامذتهِ بالمعلومات، وإلزامِهم بحفظِها، وكأنَّ أدمغتَهم لا تتعدى كونَها مستودعاتٍ حافظةً أو قوالبَ قادرةً على التخزينِ والاسترجاع . أما الآخرُ فهو نَمائيٌّ في كل جوانبِ العلمية التربوية، وفيه يكونُ المعلمُ والمتعلمُ شريكين وفاعلين؛ فهو قوامُ" العملية التعليمية التعلّمية" المُنْتِجَة؛ يتفاعل فيه المعلمُ والمتعلم، ويؤثرُ كلٌّ منها في الآخر، وكل منهما منتجٌ ومستقبل.
إن هذا النوع من التعليم يُفَعِّلُ دورَ التلميذ في التحصيلِ والتعلم والمشاركة، ويُنَمّي قدراتِهِ الفكريةِ والمعرفية؛ فهو في هذه الحالِ ليس متلقياً وكفى، وإنما هو متفاعلٌ مع أستاذه، يبحث عن المعلومةِ في بطونِ الكتب، ويشاركهُ الرأيَ بما يمتلك من مهاراتٍ وأنشطةٍ بحثيةٍ ذاتيةٍ، ومشاركاتٍ واعيةٍ فعّالةٍ، وتقديمِ استنتاجاتٍ مبنيةٍ على اطلاعهِ في غير قاعةِ الدرس.
وعلى هذا فإننا نقترح تعريب مصطلح" البيداغوجيا" في مجال علوم التربية بـ" التعليم الإبداعي" أو" التعليم الخَلاق" أو" فن التربية التعليمية التعلمية" بل" فن التدريس" أو" التعليم التفاعلي"؛ فالمربي فيه لا يتخذ الجانبَ التقليديَّ أساساً معتمداً في تعليمِ تلامذته، وإنما يسلكُ الجانبَ المَرِنَ الذي يتساوقُ فيهِ ومتطلباتِهم؛ الأمرُ الذي يُيسِّرُ له الوصولَ إلى تنميةِ قدراتِ عقولِهم الإبداعية؛ وتفاعلَهم معه؛ والتفكيرَ معه؛ واستيعابَ ما يعلِّمهم إياه، والإضافةَ إليه، أو إخراجَهُ في حُللٍ جديدةٍ مُحْكَمةِ النَّسْجِ، تتناسبُ وقدراتِ مستوياتِ كلٍّ منهم، وذلك من خلالِ إدارةٍ حكيمةٍ يديرُ بها دروسه، ووسائلَ تعليميةٍ وتقنيةٍ تعينُ على الاستقبالِ والتفاعل. وعليه فإن التلميذ في هذا النمط من التعليم ليس متلقياً فحسب، وإنما مصدرُ تأثيرٍ وإنتاج.
والله أعلى وأعلم وهو وليُّ التوفيق

إدارة المجمع
04-07-2014, 12:01 PM
الإجابة:
سأل السائلُ عن صحّة التعريف التالي : الوضعية التعليمية التعلمية هي السياق البيداغوجي لسيرورات التعلم و الاكتساب
وسأل أيضاً عن كلمتي سياق وسيرورات يجوز استعمالُهما وهل لهما نظيرٌ أو مسوِّغ في اللغة العربية؟

أمّا الجوابُ عن السّؤال الأوّل فيُمكن اختصارُه في أنّ الجملة الاسمية مضطربة قلقة لا تُفصحُ عن المراد بدقّة ولا تُوافقُ
قواعدَ التعبير الجيّد لأنّ فيها تنزيل ثلاث منزلة كلمة واحدة وجعلها هي المبتدأ، ثم فيها شبه جملة لا يُدرى بِـمَ تتعلَّق ـ،
ولذلِك فهي في حاجة إلى إعادة صياغة وتهذيب حتّى تسلمَ من التّعقيد والتّداخُل الذي يَعوقُ الفهمَ ويؤذي الذّوق الفصيح

أمّا عن كلمتي السياق والسيرورات ؛ فإن الأولى كلمة مُستعملةٌ في المعجم العربيّ بدلالات مختلفة ومُستعملة
اليومَ بدلالة اصطلاحيّة معلومَة
فأمّا في شواهد العربيّة وأشعارِهافقد وردت كلمة "سياق" بمعانٍ مختلفةٍ في أشعارِ كثيرٍ من الشعراءِ القدماء والمحدثين، فقد قال الأخطل التغلبي مثلاً: ( بحر
الوافر)

أَصَبْنا نِسْوَةً مِنْكُمْ جِهاراً بِلا مَهْرٍ يُعَدُّ وَلا سِياقِ
ولعله يعني بالسياقِ هنا تتابع سوقِ الإبل.
وقال الشريف الرضي:( بحر المتقارب)
فَإِنَّ عَصا الدَّهرِ لَمّا تَدَع سِياقَ الأُمورِ لِغاياتِها
وقال علي الجارم:( بحر الخفيف)
وَمَعانٍ شَوْقِيَّةٌ في سِياقٍ بُحْتُرِيٍّ وَرِقَّةٌ في مَتانَهْ
وورد في أساسِ البلاغة للزمخشري:" ومن المجاز: ساق الله إليه خيراً. وساق إليها المهر. وساقت الريح السحاب. وأردت هذه الدار بثمن، فساقها الله إليك بلا ثمن. والمحتضر يسوق سياقاً. وفلان في ساقة العسكر: في آخره وهو جمع سائق كقادة في قائد. وهو يساوقه ويقاوده، وتساوقت الإبل: تتابعت. وهو يسوق الحديث أحسن سياق، و"إليك يساق الحديث". تُنظر مادة:( س. و. ق).
وجاء في تهذيب اللغة للأزهري:" وأما قول الله تعالى:( يُضاَعَفْ لَهاَ العَذَابُ ضِعفْيَنِ"؛ إنهما ضعفانِ اثنان، فإن سياق الآية والآية التي بعدها دل على أن المراد من قوله ضعفين مَرَّتينِ". تُنظر مادة:( ض. ع. ف).

أما اليومَ فقَد اتّخَذَت كلمةُ "سياق" دلالة اصطلاحيّة مختلفة عما دلَّت عليه قديماً: سياق النص، و نظرية السياق، وسياق الحال، والسياق اللغوي، وفي سياق آية...إلخ.

أما لفظُ" سيرورة" فهو مصدرٌ للفعل" سار"، ومثلها في كلامِ العرب" صارَ صَيْرُورَةً" و" حادَ حَيْدُودَةً" و" سارَ سَيْرُورَةً" و" كان كَيْنُونَة" و" دام دَيْمُومَةٌ"...إلخ.
وقال الأعمى التطيلي:( البسيط)
حقاً أقولُ لقد أَعْلَيْتَ مِنْ هِمَمي فسرنَ بي في العُلا سَيْرُورَةَ المثل
وقال ابن الفارض:( الطويل)
فواجدُ كَرْبٍ في سياقٍ لفُرْقَةٍ كمَكروبٍ وَجْدِ لاشتياق لرُفقة
وقال الشريف الرضي:( المتقارب)
فَإِنَّ عَصا الدَهرِ لَمّا تَدَع سِياقَ الأُمورِ لِغاياتِها
وجاء في كتاب العمدة لاين رشيق:" باب سيرورة الشعر والحظوة في المدح... قال الأخطل للفرزدق: أنا والله أشعر من جرير، غير أنه رزق من سيرورة الشعر ما لم أرزقه، وقد قلت بيتاً لا أحسب أن أحداً قال أهجى منه، وهو:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم قالوا لأمهم: بولي على النار"

غير أنّ المُثيرَ في السؤال جمعُ كلمة سيرورة على سيرورات، وهذا جمع غير قياسيّ لأنّ السيرورَة مصدرٌ والمَصادرُ لا تُجمعُ

ثانياً- مصطلح البيداغوجيا: Pedagogy
مصطلحٌ تربويٌّ وافدٌ لم أقرأ له مقابلاً عربياً، مصطلحٌ تربويٌّ استعصت دلالته عند كثيرٍ ممن حاورتُهم واستعنت بهم.
بحثتُ عن مفهومِ هذا المصطلحِ فوجدتُ أنه يرجع في أصل استعمالهِ الأولِ إلى اللغة اليونانية، وأنه مركبٌ من لفظين، هما:" Péda "، معناه" الطفل"، و" Agôgé " ويعني التوجيهَ أو القيادةَ أو الرعاية، وقيل بأنَّ" البيداغوجي" هو الخادمُ أو من يقومُ برعايةِ الأطفال، واصطحابهم إلى المدرسة أو المتنزهاتِ أو غيرها.
ولعله بهذا المعنى يرادفُ اللفظَ العربيَّ المعاصرَ:" المربّي" أو" المربّية"، ويعني في هذا السياق الإشراف على تربية الأطفال المواليد فيما يُعرف بدور الحضانة. وهو يحمل أيضاً في عربيتنا المعاصرة معنى" التربية التعليمية"؛ فيقال للمعلِّم، ولاسيما معلم المرحلة التمهيدية والتأسيسية:" المربّي"، وللمعلمةِ" المُرَبِّيَة"؛ وهما يقومان بوظيفة نقلِ المعرفةِ إلى تلامذتهم، وتهذيب سلوكهم.
ولعل لمعنى مصطلحِ" التربية" في البيئة المدرسية دلالاتٍ لا تقتصرُ على الجانبِ التعليميِّ الصِّرفِ الهادِفِ إلى إكسابِ المتعلمِ أنماطَ التفكيرِ والمهاراتِ الأساسيةَ والمعارفَ الجديدةَ من لغةٍ وعلومٍ وتاريخٍ وفنونٍ وتدريباتٍ وتقنياتٍ وما إلى ذلك فحسب، وإنما تتعداهُ أيضاً إلى التربيةِ القِيَميةِ المتمثلةِ في الأخلاقِ الحميدةِ من تعاونٍ وتسامحٍ وتطوّعٍ ومساعدةٍ للآخرين...إلخ.
وأياً يكن من أمرٍ فإنَّ ما يربط بين هاتين الدلالتين يتمثل في ممارسة تربية الطفلِ بل المتعلمِ بصفةٍ عامةٍ، وَجَعْلِهِ يعيشُ حياةً تعليميةً وفكريةً وصحيةً سليمة، وإن في اللجوءِ إلى لفظ" التربية" وفروعه في هذا السياقِ لَيعبّرُ عن الجانبِ الإنسانيِّ الذي تتطلبُهُ وظيفةُ المربّي؛ فهو بهذا الاسم يمارسُ وظيفةً أبويةً إنسانيةً مقصدُها التوادُّ الذي يَحْفِزُ المتربي، ويعينُهُ على التآلفِ مع مربيه، والاطمئنانِ إليه، والشعورِ بالراحةِ والطمأنينةِ وهو يتعامل معه: يسألهُ ويناقشهُ ويراجعهُ ويطلبُ منه حتى يصلَ إلى غاياته في المحاكاةِ والإنتاجِ والإبداع...إلخ.
وبعيداً عن تعريفات التربويين ونقولِهم في بيان مفهوم هذا المصطلح التربويِّ الوافد" البيداغوجيا" فإنني أرى أن هذا المصطلحَ لا يبتعدُ عن هذه الدلالاتِ التي عَبَّرَتْ عنها المؤسسةُ العربيةُ الرسميةُ حين سمّت الوزارة المشرفة على رعاية الناشئة بـ" وزارة التربية والتعليم".

وعليه فإن مصطلحَ" البيداغوجيا"- كما أفهم- يتمثلُ تربوياً في توفير متطلبات" العملية التعليمية" أو" التربوية" بل" التعليم الخَلاق" أو إن شئت فقل:" التعليم التفاعلي" من مادةٍ علميةٍ، ومهاراتٍ تدريسيةٍ، وتعامليةٍ، وقدراتٍ ذكائيةٍ، ووسائلَ تعليميةٍ وتقنية؛ أو هو مجموعُ منظومةِ مهاراتِ طرقِ التدريسِ ومتطلباتِهِ التي يمتلكُها المعلمُ المبدِعُ الذي يُفاعلُ معهُ تلامذتَهُ- أطفالاً كانوا أم غيرَهم- استقبالاً وإرسالاً فيوصِلُ بل يحفرُ رسالتَهُ التعليميةَ التعلميةَ في أدمغتهم؛ فالمتعلم في هذا" السياق البيداغوجي" متلقٍّ ومشاركٌ وباحثٌ ومُحاورٌ ومحللٌ ومنتجٌ. أو إن شئت فقل: إنه مشاركٌ فعّالٌ في منظومة" العمليةِ التعليمية التعلمية" التي يكونُ المعلمُ فيها موجِّهاً ومساعداً وناقداً ومبادراً ومديراً وفناناً حاذقاً يَفتنُّ في تهيئةِ الأجواءِ المناسبة لهذه العملية، ويكون فيها المتعلم مستقبلاً ومشاركاً المشاركةَ الإيجابيةَ المعتمدةَ على ما حصَّله من أستاذه، وأنشطتِهِ البحثيةِ الذاتيةِ، وقدراتِهِ على القراءةِ النافعةِ لمتطلباته، والاكتسابِ الواعي وقراءةِ البيانات، والملاحظةِ والتحليلِ والقياسِ والاستنتاج، والإنتاجِ الذي يجعلُهُ قادراً على العطاءِ المبنيِّ على عُمْقِ العلمِ بما يُعطي.
وعليه فإن البيداغوجيةَ هي كلُّ نتاجِ ما يمتلكُهُ المُعلِّمُ المربّي من كفاياتٍ" Competence's " تتمثل في معارفَ وثقافاتٍ ومناهجَ ومهاراتٍ إداريةٍ وتربويةٍ ومواقفَ اكتسبها أو امتلكها في حياتهِ، أو إن شئت فقل: إنها مؤهلاتٌ أو أدواتٌ تَربّى عليها واكتسبها وامتلكها تدريجاً في مراحل حياته التعليميةِ والتعلّمية والعملية، وصارت عنده ملكةً أو سليقةً تُمكنُهُ التمكنَ الأمكنَ من إجادةِ صنعةِ التربية التعليمية، وفنِّ التعامل مع تلامذته، وَحَلِّ ما قد يواجههم من مصاعبَ أو مشكلات؛ الأمر الذي يجعلهم يُقبلون على دروسه بنفسٍ راضيةٍ مطمئنة فيتربون على ما كانَ إياهُم أستاذُهم عَوَّدا.

إن هناك فرقاً كبيراً بين" التعليم التلقيني الاستظهاري" و" التعليم التفاعلي" أو" التفكيري" أما الأولُ فهو النمط التقليدي الذي يعتمد على استقبال المتلقي لمسموعه، وتكرارِه لضمانِ الحفظِ والقدرة على استرجاعِ المعلومةِ تقليدَ الحافظِ؛ ففيه يركّزُ" المعلِّمُ" أو" المربي" على حشوِ أدمغةِ تلامذتهِ بالمعلومات، وإلزامِهم بحفظِها، وكأنَّ أدمغتَهم لا تتعدى كونَها مستودعاتٍ حافظةً أو قوالبَ قادرةً على التخزينِ والاسترجاع . أما الآخرُ فهو نَمائيٌّ في كل جوانبِ العلمية التربوية، وفيه يكونُ المعلمُ والمتعلمُ شريكين وفاعلين؛ فهو قوامُ" العملية التعليمية التعلّمية" المُنْتِجَة؛ يتفاعل فيه المعلمُ والمتعلم، ويؤثرُ كلٌّ منها في الآخر، وكل منهما منتجٌ ومستقبل.
إن هذا النوع من التعليم يُفَعِّلُ دورَ التلميذ في التحصيلِ والتعلم والمشاركة، ويُنَمّي قدراتِهِ الفكريةِ والمعرفية؛ فهو في هذه الحالِ ليس متلقياً وكفى، وإنما هو متفاعلٌ مع أستاذه، يبحث عن المعلومةِ في بطونِ الكتب، ويشاركهُ الرأيَ بما يمتلك من مهاراتٍ وأنشطةٍ بحثيةٍ ذاتيةٍ، ومشاركاتٍ واعيةٍ فعّالةٍ، وتقديمِ استنتاجاتٍ مبنيةٍ على اطلاعهِ في غير قاعةِ الدرس.

وعلى هذا فإننا نقترح تعريب مصطلح" البيداغوجيا" في مجال علوم التربية بـ" التعليم الإبداعي" أو" التعليم الخَلاق"" بل" فن التدريس" أو" التعليم التفاعلي"؛ فالمربي فيه لا يتخذ الجانبَ التقليديَّ أساساً معتمداً في تعليمِ تلامذته، وإنما يسلكُ الجانبَ المَرِنَ الذي يتساوقُ فيهِ ومتطلباتِهم؛ الأمرُ الذي يُيسِّرُ له الوصولَ إلى تنميةِ قدراتِ عقولِهم الإبداعية؛ وتفاعلَهم معه؛ والتفكيرَ معه؛ واستيعابَ ما يعلِّمهم إياه، والإضافةَ إليه، أو إخراجَهُ في حُللٍ جديدةٍ مُحْكَمةِ النَّسْجِ، تتناسبُ وقدراتِ مستوياتِ كلٍّ منهم، وذلك من خلالِ إدارةٍ حكيمةٍ يديرُ بها دروسه، ووسائلَ تعليميةٍ وتقنيةٍ تعينُ على الاستقبالِ والتفاعل. وعليه فإن التلميذ في هذا النمط من التعليم ليس متلقياً فحسب، وإنما مصدرُ تأثيرٍ وإنتاج.
والله أعلى وأعلم وهو وليُّ التوفيق

اللجنة المعنية بالفتوى

أ.د. صادق أبو سليمان
(عضو المجمع)
أ.د. عبد الرحمن بو درع
(نائب رئيس المجمع)
د. عبد العزيز بن علي الحربي
(رئيس المجمع)

جبير الزواقي
04-10-2014, 10:50 PM
جزاكم الله خيرا ونفع الله بعلمكم لقد وفيتم فأفدتم