أ.د. محمد جمال صقر
11-05-2012, 10:08 AM
اَلجَزالَةُ وَالرَّكاكَةُ عِنْدَ الْمُحْدَثينَ ْغَيْرِ الْمُسْتَوْعِبينَ
ومن المحدثين كذلك ، كَثْرَةٌ لم تستوعب من أمر الجزالة عند القدماء ولا منزلتها من الشعر العربي القديم ، ما استوعبه عبد القاهر فيما سبق ، تستعصي على المحاورة أسماؤهم ؛ فتجمعهم فيما يأتي دعاواهم .
[20] اَلدَّعْوى الأولى : أَنَّ الْجَزالَةَ وَالرَّكاكَةَ مِنْ صِفاتِ الْكَلِمَةِ الْمُنْفَرِدَةِ .
وهي دعوى ينبغي ألا نقف عندها طويلا ، بعد أن جعلها الجرجاني من مسائله المهمة التي أدار عليها دلائله ، واستفرغ في تفنيدها وُسْعَهُ ، وقال فيها أصله السابق ذكره : " ليس لنا إذا نحن تكلمنا في البلاغة والفصاحة ، مع معاني الكلم المفردة شغل ، ولا هي منا بسبيل ، وإنما نعمد إلى الأحكام التي تحدث بالتأليف والتركيب " 80 .
إن المتأمل لَيَطَّلِعُ على أنَّ منَ المحدثين ، منْ علق الكلمة بالكلام ، من حيث لا وجود له إلا بها ؛ فقضى بوجوب فصاحة الكلمات المنفردات " لأنها أجزاء الكلام ؛ فتعين أن تكون الأجزاء فصيحة ليكون مجموع الكلام فصيحا " 81 ، وربما كانت هذه العبارة الأخيرة ، من جري ابن عاشور في مضمار قول المرزوقي السابق ذكره : " عيار اللفظ الطبع والرواية والاستعمال ؛ فما سلم مما يهجنه عند العرض عليها فهو المختار المستقيم . وهذا في مفرداته وجملته مراعى ، لأن اللفظة تستكرم بانفرادها ، فإذا ضامها ما لا يوافقها عادت الجملة هجينا " 82 ، الذي لم نستبعد أن يكون الجرجاني قد عناه بتفنيده ، ضمن ما فند ؛ إذ لا يتعلق بالكلمة المنفردة إلا مقدار ما بين أصواتها من تآلف وتخالف ، وصياغتها من بابها صوابا وخطأ ، ومقدار شياعها في الاستعمال أنسا ووحشة ، وهي كلها مسائل من غير سبيل نظم الكلام ولا جزالته ولا ركاكته .
ربما نصر الدعوى اتحادُ الفصاحة والبلاغة عند الجرجاني ، وانفصالُهما عند غيره 83 ، ووقوع الفصاحة عند غيره في الكلمة المنفردة 84 ، وهو ما اجتهد ابن عاشور في الجمع به بين مقالة الجرجاني في الفصاحة ومقالة غيره ، منتهيا إلى أن لا خلاف بين البلاغيين في أن الكلمات المنفردات تتفاضل في فصاحتها ، وإنما اكتفى الساكتون عنها بحصول الفصاحة للكلام على وجه العموم 85 ، على حين نبه الجرجانيُّ نفسُهُ وكأنه يرى ابن عاشور من وراء تسعة قرون ، على أنه " ليس لهذا الخلاف ضرر علينا ، لأنه ليس بأكثر من أن نعمد إلى ( الفصاحة ) ، فنخرجها من حيز ( البلاغة والبيان ) ، وأن تكون نظيرة لهما ، وفي عداد ما هو شبههما من البراعة والجزالة وأشباه ذلك ، مما ينبئ عن شرف النظم ، وعن المزايا التي شرحت لك أمرها ، وأعلمتك جنسها - أو نجعلها اسما مشتركا يقع تارة لما تقع له تلك ، وأخرى لما يرجع إلى سلامة اللفظ مما يثقل على اللسان . ليس واحد من الأمرين بقادح فيما نحن بصدده " 86 .
لا أثر لذلك عند الجرجاني فيما أمه واشتغل به ؛ إذ قد حصر مكمن الإعجاز الذي هو بصدده ، في نظم الكلام الذي الجزالة من صفاته على النحو السابق تفصيله . ولكن على رغم هذا الحصر قال ابن عاشور فيما بعد ذلك من شرحه لكلام المرزوقي : " قد رأيتُهُمْ يقابلون الجزالة مرة بالرقة ، ومرة بالركاكة ، ومرة بالضعف ، ومرة بالكراهة ؛ فَتَحَصَّلَ لنا من معنى الجزالة ، أنها كون الألفاظ التي يأتي بها البليغ الكاتب أو الشاعر ، ألفاظا متعارفة في استعمال الأدباء والبلغاء ، سالمة من ضعف المعنى ، ومن أثر ضعف التفكير ، ومن التكلف ، ومما هو مستكره في السمع عند النطق بالكلمة أوالكلام " 87 .
إنه لم يعد مقبولا مع قدح الجرجاني في المحدثين الذين يتداولون ما لم يستوعبوا ، أن نجمع بين مقابلاتهم المضطربة ، لنستخرج معنى نتمسك به . ولقد سبق في هذا البحث ويلحق ، نقد لها كاف ؛ إذ إن اعتماد المقابلة وما إليها من وجوه الإبدال ، منهج سديد في نفسه ، بل هو عند الجرجاني كما سبق ، أحد أعمال الناظم ، وأحد اختبارَيِ الناقد .
ولن نزال نجد مثل هذه العبارات الصريحة في نصر فكرة وصف الكلمة المنفردة بالجزالة أو الركاكة ، ما بقي في المحدثين من يرى أن : " ركاكة الجزء ركاكة الكل " 88 .
[21] الدَّعْوى الثانية : أَنَّ الجَزالَةَ ضِدُّ السُّهولَةِ والرِّقَّةِ .
كأنما أراد بعض العلماء القدماء أن يؤلف قلوب الخصوم من أصحاب جرير وأصحاب الفرزدق ، وأن يتقي شر فتنة أطلت بقرنها ولسعت الأعمى ؛ فتكلف لكلٍّ صفةً تميزه من الآخر ، وترضي أصحابه ، وأورثنا فتنة علمية مستمرة .
قال الأصفهاني : " الفرزدق مُقَدَّمٌ على الشعراء الإسلاميين ، هو وجرير والأخطل ، ومحله في الشعر أكبر من أن ينبه عليه بقول ، أو أن يدل على مكانه بوصف ، لأن الخاص والعام يعرفانه بالاسم ، ويعلمان تقدمه بالخبر الشائع ، علما يستغنى به عن الإطالة في الوصف ، وقد تكلم الناس في هذا قديما وحديثا ، وتعصبوا واحتجوا ، بما لا مزيد عليه ، واختلفوا ، بعد اجتماعهم على تقديم هذه الطبقة ، في أيهم أحق بالتقديم على سائرها ، فأما قدماء أهل العلم والرواة فلم يسووا بينهما وبين الأخطل ، لأنه لم يلحق شأوهما في الشعر ، ولا له مثل ما لهما من فنونه ، ولا تصرف كتصرفهما في سائره ، وزعموا أن ربيعة أفرطت فيه حتى ألحقته بهما - وهم في ذلك طبقتان : أما من كان يميل إلى جزالة الشعر ، وفخامته ، وشدة أسره ، فيقدم الفرزدق ، وأما من كان يميل إلى أشعار المطبوعين ، وإلى الكلام السمح السهل الغَزِل ، فيقدم جريرا " 89 .
أوائلُ الفتنةِ المتقاةِ باديةٌ ، وصفاتُ المدح المتكلَّفةُ التَّضادِّ أو الاختلاف ، مُقَسَّمَةٌ بالعَدْلِ ، متى انتبهنا إلى زيادة المعطوف من صفات الفرزدق ، لبيان المعطوف عليه ، وتفصيل المعطوف من صفات جرير المتعاطفة فيما بينها بيانا ، لإجمال المعطوف عليه :
الفرزدق جرير
جَــزالَةٌ سَـماحَةٌ
فَخــامَةٌ سُـهولَةٌ
شِدَّةُ أَسْرٍ غَــزَلٌ
ليس في تشابه هذه الصفات المتواليات عند كلٍّ منهما ، غيرُ إخلاص الجزالةِ للفرزدق الذي يَفرح أصحابُه بأنه لولا حِفْظُه لذهب ثلث اللغة ، والسهولةِ لجرير الذي يَفرح أصحابُه بأنه لولا عِفَّتُهُ لأبكى العجائز - ولا في اضطراب هذه الصفات المتقابلات ، غيرُ إصلاح ذاتِ البَيْنِ ، الذي يُتَحَلَّلُ فيه من أصول كثيرة ، منها هنا مُراعاةُ الاصْطِلاحِ والمُقابَلَةِ الْعِلْميَّيْنِ 90 !
قال المرزباني : " كان عامرٌ يٌقَدِّمُ جَريرًا ، ويَحْتَجُّ على الفرزدق بما عَقَّدَ فيه من شعره ، نحو قوله :
فَلَوْلا أَنَّ أُمَّكَ كانَ عَمّي أَباها كُنْتَ أَخْرَسَ بِالنَّشيدِ
ومثل قوله :
وَما مِثْلُهُ في النّاسِ إِلّا ُممَلَّكًا أَبو أُمِّهِ حَيٌّ أَبوهُ يُقارِبُهْ
وأشباه ذلك . فقال كردين : أنت يا أخي لا تعقل ، سَقَطُ الفرزدق شيءٌ يمتحن الرجالُ فيه عُقولَها حتى يَستخرجوه ، وسَقَطُ جريرٍ عِيٌّ ، نحو قوله :
والتَّغْلَبيُّ جَِنازَةُ الشَّيطانِ " 91 .
لقد غالى الفرزدق في الإجزال حتى عاظل ، مُغالَياتٍ أولِعَ بتفنيدها عليه ابنُ أبي إسحاق النحويُّ الإمام ، حتى هجاه الفرزدق واستفزه إلى تأويلها ؛ فبدت لأصحابه من مفاخره ؛ فتمسكوا بها على النحو السابق ، وهي - لو علموا – من نزغاته التي رغب بعض الباحثين في دراستها دراسةً نفسية 92 ، ولم يكن ينبغي للعلماء أن يجاملوهم بالسكوت على أنها من الإجزال ؛ فقد تَعَثْكَلَتْ فيها أعماله ، كما تتعثكل خيوط النسج ؛ فانقطعت بالمتلقي بعض المراحل إلى الفهم ؛ فغمضت عليه 93 ؛ فدلت على اضطرابٍ نفسي ، لا على خصبٍ عقلي . ولقد ميز الجرجاني في " أسرار البلاغة " ، هذا الذي سماه " المُلَخَّصَ " ، من ذاك الذي سماه " المُعَقَّدَ " ، بقوله : " المعقد من الشعر والكلام لم يذم لأنه مما تقع حاجة فيه إلى الفكر على الجملة ، بل لأن صاحبه يُعثر فكرك في متصرفه ، ويُشيك طريقك إلى المعنى ، ويوعِر مذهبك نحوه ، بل ربما قسَّم فكرك ، وشعَّب ظنك ، حتى لا تدري من أين تتوصَّل ، وكيف تطلب . وأما المُـلَخَّص فيفتح لفكرتك الطريق المستوي ويمهِّده ، وإن كان فيه تعاطفٌ أقامَ عليه المَنار ، وأوقد فيه الأنوار ، حتى تسلكه سلوك المُتَبَيِّنِ لِوِجْهَتِهِ ، وتقطَعَه قَطْعَ الواثق بالنُّجْح في طِيَّته ، فَتَرِدَ الشَّريعةَ زَرْقاءَ ، والرَّوضةَ غَنّاءَ ، فتنال الرِّيَّ ، وتَقْطِفَ الزَّهر الجنيَّ .وهل شيءٌ أحلى من الفكرة إذا استمرَّتْ وصادفت نهجًا مستقيمًا ، ومذهبا قويمًا ، وطريقة تنقاد ، وتَبَيَّنْتَ لها الغايةَ فيما تَرْتاد " 94 ، وكأنما أراد أصحاب الفرزدق .
ولقد رغبت مرة في أن أتبين حقيقة هذه الدعوى ؛ فكتبتُ لتلامذتي 95 ، غيرَ مُتكلفٍ ، هاتين الجملتين :
• جاء أخوك الذي رأيته عندك مسرعا على رغم مرضه إلينا .
• على رغم مرضه جاء إلينا مسرعا أخوك الذي رأيته عندك .
ثم أخبرتهم أنني لم أرد محض المجيء ، على رغم أنه لُباب الفكرة ، بل احتمال المرض . ثم سألتهم : أيتهما أسهل ( أوضح ) ، وأيتهما أصعب ( أغمض ) ؟ فاختلفوا ، غير أنني ومن له بهذا علم منهم - وكنا الأكثر - رأينا الآخرة أسهل .
إننا نمكث في الجملة الأولى لنفهم المعنى المراد ، وقتا أطول مما نمكثه في الجملة الآخرة ، وإن اتفقت بينهما الكلمات ؛ إذ نطلب الفائدة في غير موطنها ، حتى إذا ما خاب مسعانا ، طلبناها في موطنها ، ولكن بعد فوات الأوان !
ولم تكن صعوبة الجملة الأولى إلا من ضعف الترتيب الذي هو أحد أعمال المُرِكِّ ، ولا سهولة الجملة الآخرة إلا من قوة الترتيب التي هي أحد أعمال المُجْزِلِ .
ولقد كان فيما سبق من تفريق الأهواني بين الركاكة والسهولة ( الوضوح ) ، وجمع الطرابلسي بين السهولة والجزالة ، وكلاهما تنبيه على تعلق الصعوبة ( الغموض ) بالركاكة - بيانُ طرف مما اشتمل عليه المستوعبون . ولكن الخالفين الذين جعلوا الفرزدق " يَنْحِتُ مِنْ صَخْرٍ " ، وجريرا " يَغْرِفُ مِنْ بَحْرٍ " - ملأوا الجزالة من صعوبة الصخر ، والسهولة من سلاسة الماء ، حتى استفحل لدى كثير من الدارسين الأمر ؛ فصارت الجزالة والصعوبة شيئا واحدا ، والسهولة شيئا آخر 96 . بل قد وجدتُّ بعض شُداة الشعر المعاصرين ، يبادر نُقّادَهُ بالسخرية من نفسه قائلا :
لكِنَّ نَظْمَكَ فَرْدٌ في سَماجَتِه وَشِعْرَكَ الْغَثَّ أَمْرٌ غَيْرُ مُحْتَمَلِ (...)
لا أَنْتَ تَغْرِفُ مِنْ نَهْرٍ فَتَرْشُفَه أَوْ أَنْتَ تَنْحِتُه جَزْلاً مِنَ الْجَبَلِ " 97 !
ولم تكن مقابلة الجزالة بالرقة 98 ، إلا أخذا فيما سبق ، ولكنها أُكِّدَتْ بمقابلة الأغراض . قال ابن الأثير في الألفاظ : " الجزل منها يستعمل في وصف مواقف الحروب ، وفي قوارع التهديد والتخويف ، وأشباه ذلك . وأما الرقيق منها فإنه يستعمل في وصف الأشواق ، وذكر أيام البعاد ، وفي استجلاب المودات ، وملاينات الاستعطاف ، وأشباه ذلك " 99 ؛ فلم يميز الجزالة من الرقة بأوضاع النظم كما علمنا الجرجاني ، بل بأُطُرِ الأغراض ، وهذا من إهمال الواجب الذي استمرَّ في الخالفين 100 . والرجل متهم بعدم استيعاب مقالات البلاغيين من قبله ، وباضطراب تصور مسائل علوم البلاغة من جراء ذلك 101 .
ولقد سبق لنا أن حرَّرنا عند القدماء أصحاب المصطلح ، التقاءَ الجزالة والسهولة والرقة حين تكون هذه خِفَّةً ، وافتراق الجزالة والرقة حين تكون هذه سُخْفًا - بما يفند هذه الدعوى الثانية .
ومن المحدثين كذلك ، كَثْرَةٌ لم تستوعب من أمر الجزالة عند القدماء ولا منزلتها من الشعر العربي القديم ، ما استوعبه عبد القاهر فيما سبق ، تستعصي على المحاورة أسماؤهم ؛ فتجمعهم فيما يأتي دعاواهم .
[20] اَلدَّعْوى الأولى : أَنَّ الْجَزالَةَ وَالرَّكاكَةَ مِنْ صِفاتِ الْكَلِمَةِ الْمُنْفَرِدَةِ .
وهي دعوى ينبغي ألا نقف عندها طويلا ، بعد أن جعلها الجرجاني من مسائله المهمة التي أدار عليها دلائله ، واستفرغ في تفنيدها وُسْعَهُ ، وقال فيها أصله السابق ذكره : " ليس لنا إذا نحن تكلمنا في البلاغة والفصاحة ، مع معاني الكلم المفردة شغل ، ولا هي منا بسبيل ، وإنما نعمد إلى الأحكام التي تحدث بالتأليف والتركيب " 80 .
إن المتأمل لَيَطَّلِعُ على أنَّ منَ المحدثين ، منْ علق الكلمة بالكلام ، من حيث لا وجود له إلا بها ؛ فقضى بوجوب فصاحة الكلمات المنفردات " لأنها أجزاء الكلام ؛ فتعين أن تكون الأجزاء فصيحة ليكون مجموع الكلام فصيحا " 81 ، وربما كانت هذه العبارة الأخيرة ، من جري ابن عاشور في مضمار قول المرزوقي السابق ذكره : " عيار اللفظ الطبع والرواية والاستعمال ؛ فما سلم مما يهجنه عند العرض عليها فهو المختار المستقيم . وهذا في مفرداته وجملته مراعى ، لأن اللفظة تستكرم بانفرادها ، فإذا ضامها ما لا يوافقها عادت الجملة هجينا " 82 ، الذي لم نستبعد أن يكون الجرجاني قد عناه بتفنيده ، ضمن ما فند ؛ إذ لا يتعلق بالكلمة المنفردة إلا مقدار ما بين أصواتها من تآلف وتخالف ، وصياغتها من بابها صوابا وخطأ ، ومقدار شياعها في الاستعمال أنسا ووحشة ، وهي كلها مسائل من غير سبيل نظم الكلام ولا جزالته ولا ركاكته .
ربما نصر الدعوى اتحادُ الفصاحة والبلاغة عند الجرجاني ، وانفصالُهما عند غيره 83 ، ووقوع الفصاحة عند غيره في الكلمة المنفردة 84 ، وهو ما اجتهد ابن عاشور في الجمع به بين مقالة الجرجاني في الفصاحة ومقالة غيره ، منتهيا إلى أن لا خلاف بين البلاغيين في أن الكلمات المنفردات تتفاضل في فصاحتها ، وإنما اكتفى الساكتون عنها بحصول الفصاحة للكلام على وجه العموم 85 ، على حين نبه الجرجانيُّ نفسُهُ وكأنه يرى ابن عاشور من وراء تسعة قرون ، على أنه " ليس لهذا الخلاف ضرر علينا ، لأنه ليس بأكثر من أن نعمد إلى ( الفصاحة ) ، فنخرجها من حيز ( البلاغة والبيان ) ، وأن تكون نظيرة لهما ، وفي عداد ما هو شبههما من البراعة والجزالة وأشباه ذلك ، مما ينبئ عن شرف النظم ، وعن المزايا التي شرحت لك أمرها ، وأعلمتك جنسها - أو نجعلها اسما مشتركا يقع تارة لما تقع له تلك ، وأخرى لما يرجع إلى سلامة اللفظ مما يثقل على اللسان . ليس واحد من الأمرين بقادح فيما نحن بصدده " 86 .
لا أثر لذلك عند الجرجاني فيما أمه واشتغل به ؛ إذ قد حصر مكمن الإعجاز الذي هو بصدده ، في نظم الكلام الذي الجزالة من صفاته على النحو السابق تفصيله . ولكن على رغم هذا الحصر قال ابن عاشور فيما بعد ذلك من شرحه لكلام المرزوقي : " قد رأيتُهُمْ يقابلون الجزالة مرة بالرقة ، ومرة بالركاكة ، ومرة بالضعف ، ومرة بالكراهة ؛ فَتَحَصَّلَ لنا من معنى الجزالة ، أنها كون الألفاظ التي يأتي بها البليغ الكاتب أو الشاعر ، ألفاظا متعارفة في استعمال الأدباء والبلغاء ، سالمة من ضعف المعنى ، ومن أثر ضعف التفكير ، ومن التكلف ، ومما هو مستكره في السمع عند النطق بالكلمة أوالكلام " 87 .
إنه لم يعد مقبولا مع قدح الجرجاني في المحدثين الذين يتداولون ما لم يستوعبوا ، أن نجمع بين مقابلاتهم المضطربة ، لنستخرج معنى نتمسك به . ولقد سبق في هذا البحث ويلحق ، نقد لها كاف ؛ إذ إن اعتماد المقابلة وما إليها من وجوه الإبدال ، منهج سديد في نفسه ، بل هو عند الجرجاني كما سبق ، أحد أعمال الناظم ، وأحد اختبارَيِ الناقد .
ولن نزال نجد مثل هذه العبارات الصريحة في نصر فكرة وصف الكلمة المنفردة بالجزالة أو الركاكة ، ما بقي في المحدثين من يرى أن : " ركاكة الجزء ركاكة الكل " 88 .
[21] الدَّعْوى الثانية : أَنَّ الجَزالَةَ ضِدُّ السُّهولَةِ والرِّقَّةِ .
كأنما أراد بعض العلماء القدماء أن يؤلف قلوب الخصوم من أصحاب جرير وأصحاب الفرزدق ، وأن يتقي شر فتنة أطلت بقرنها ولسعت الأعمى ؛ فتكلف لكلٍّ صفةً تميزه من الآخر ، وترضي أصحابه ، وأورثنا فتنة علمية مستمرة .
قال الأصفهاني : " الفرزدق مُقَدَّمٌ على الشعراء الإسلاميين ، هو وجرير والأخطل ، ومحله في الشعر أكبر من أن ينبه عليه بقول ، أو أن يدل على مكانه بوصف ، لأن الخاص والعام يعرفانه بالاسم ، ويعلمان تقدمه بالخبر الشائع ، علما يستغنى به عن الإطالة في الوصف ، وقد تكلم الناس في هذا قديما وحديثا ، وتعصبوا واحتجوا ، بما لا مزيد عليه ، واختلفوا ، بعد اجتماعهم على تقديم هذه الطبقة ، في أيهم أحق بالتقديم على سائرها ، فأما قدماء أهل العلم والرواة فلم يسووا بينهما وبين الأخطل ، لأنه لم يلحق شأوهما في الشعر ، ولا له مثل ما لهما من فنونه ، ولا تصرف كتصرفهما في سائره ، وزعموا أن ربيعة أفرطت فيه حتى ألحقته بهما - وهم في ذلك طبقتان : أما من كان يميل إلى جزالة الشعر ، وفخامته ، وشدة أسره ، فيقدم الفرزدق ، وأما من كان يميل إلى أشعار المطبوعين ، وإلى الكلام السمح السهل الغَزِل ، فيقدم جريرا " 89 .
أوائلُ الفتنةِ المتقاةِ باديةٌ ، وصفاتُ المدح المتكلَّفةُ التَّضادِّ أو الاختلاف ، مُقَسَّمَةٌ بالعَدْلِ ، متى انتبهنا إلى زيادة المعطوف من صفات الفرزدق ، لبيان المعطوف عليه ، وتفصيل المعطوف من صفات جرير المتعاطفة فيما بينها بيانا ، لإجمال المعطوف عليه :
الفرزدق جرير
جَــزالَةٌ سَـماحَةٌ
فَخــامَةٌ سُـهولَةٌ
شِدَّةُ أَسْرٍ غَــزَلٌ
ليس في تشابه هذه الصفات المتواليات عند كلٍّ منهما ، غيرُ إخلاص الجزالةِ للفرزدق الذي يَفرح أصحابُه بأنه لولا حِفْظُه لذهب ثلث اللغة ، والسهولةِ لجرير الذي يَفرح أصحابُه بأنه لولا عِفَّتُهُ لأبكى العجائز - ولا في اضطراب هذه الصفات المتقابلات ، غيرُ إصلاح ذاتِ البَيْنِ ، الذي يُتَحَلَّلُ فيه من أصول كثيرة ، منها هنا مُراعاةُ الاصْطِلاحِ والمُقابَلَةِ الْعِلْميَّيْنِ 90 !
قال المرزباني : " كان عامرٌ يٌقَدِّمُ جَريرًا ، ويَحْتَجُّ على الفرزدق بما عَقَّدَ فيه من شعره ، نحو قوله :
فَلَوْلا أَنَّ أُمَّكَ كانَ عَمّي أَباها كُنْتَ أَخْرَسَ بِالنَّشيدِ
ومثل قوله :
وَما مِثْلُهُ في النّاسِ إِلّا ُممَلَّكًا أَبو أُمِّهِ حَيٌّ أَبوهُ يُقارِبُهْ
وأشباه ذلك . فقال كردين : أنت يا أخي لا تعقل ، سَقَطُ الفرزدق شيءٌ يمتحن الرجالُ فيه عُقولَها حتى يَستخرجوه ، وسَقَطُ جريرٍ عِيٌّ ، نحو قوله :
والتَّغْلَبيُّ جَِنازَةُ الشَّيطانِ " 91 .
لقد غالى الفرزدق في الإجزال حتى عاظل ، مُغالَياتٍ أولِعَ بتفنيدها عليه ابنُ أبي إسحاق النحويُّ الإمام ، حتى هجاه الفرزدق واستفزه إلى تأويلها ؛ فبدت لأصحابه من مفاخره ؛ فتمسكوا بها على النحو السابق ، وهي - لو علموا – من نزغاته التي رغب بعض الباحثين في دراستها دراسةً نفسية 92 ، ولم يكن ينبغي للعلماء أن يجاملوهم بالسكوت على أنها من الإجزال ؛ فقد تَعَثْكَلَتْ فيها أعماله ، كما تتعثكل خيوط النسج ؛ فانقطعت بالمتلقي بعض المراحل إلى الفهم ؛ فغمضت عليه 93 ؛ فدلت على اضطرابٍ نفسي ، لا على خصبٍ عقلي . ولقد ميز الجرجاني في " أسرار البلاغة " ، هذا الذي سماه " المُلَخَّصَ " ، من ذاك الذي سماه " المُعَقَّدَ " ، بقوله : " المعقد من الشعر والكلام لم يذم لأنه مما تقع حاجة فيه إلى الفكر على الجملة ، بل لأن صاحبه يُعثر فكرك في متصرفه ، ويُشيك طريقك إلى المعنى ، ويوعِر مذهبك نحوه ، بل ربما قسَّم فكرك ، وشعَّب ظنك ، حتى لا تدري من أين تتوصَّل ، وكيف تطلب . وأما المُـلَخَّص فيفتح لفكرتك الطريق المستوي ويمهِّده ، وإن كان فيه تعاطفٌ أقامَ عليه المَنار ، وأوقد فيه الأنوار ، حتى تسلكه سلوك المُتَبَيِّنِ لِوِجْهَتِهِ ، وتقطَعَه قَطْعَ الواثق بالنُّجْح في طِيَّته ، فَتَرِدَ الشَّريعةَ زَرْقاءَ ، والرَّوضةَ غَنّاءَ ، فتنال الرِّيَّ ، وتَقْطِفَ الزَّهر الجنيَّ .وهل شيءٌ أحلى من الفكرة إذا استمرَّتْ وصادفت نهجًا مستقيمًا ، ومذهبا قويمًا ، وطريقة تنقاد ، وتَبَيَّنْتَ لها الغايةَ فيما تَرْتاد " 94 ، وكأنما أراد أصحاب الفرزدق .
ولقد رغبت مرة في أن أتبين حقيقة هذه الدعوى ؛ فكتبتُ لتلامذتي 95 ، غيرَ مُتكلفٍ ، هاتين الجملتين :
• جاء أخوك الذي رأيته عندك مسرعا على رغم مرضه إلينا .
• على رغم مرضه جاء إلينا مسرعا أخوك الذي رأيته عندك .
ثم أخبرتهم أنني لم أرد محض المجيء ، على رغم أنه لُباب الفكرة ، بل احتمال المرض . ثم سألتهم : أيتهما أسهل ( أوضح ) ، وأيتهما أصعب ( أغمض ) ؟ فاختلفوا ، غير أنني ومن له بهذا علم منهم - وكنا الأكثر - رأينا الآخرة أسهل .
إننا نمكث في الجملة الأولى لنفهم المعنى المراد ، وقتا أطول مما نمكثه في الجملة الآخرة ، وإن اتفقت بينهما الكلمات ؛ إذ نطلب الفائدة في غير موطنها ، حتى إذا ما خاب مسعانا ، طلبناها في موطنها ، ولكن بعد فوات الأوان !
ولم تكن صعوبة الجملة الأولى إلا من ضعف الترتيب الذي هو أحد أعمال المُرِكِّ ، ولا سهولة الجملة الآخرة إلا من قوة الترتيب التي هي أحد أعمال المُجْزِلِ .
ولقد كان فيما سبق من تفريق الأهواني بين الركاكة والسهولة ( الوضوح ) ، وجمع الطرابلسي بين السهولة والجزالة ، وكلاهما تنبيه على تعلق الصعوبة ( الغموض ) بالركاكة - بيانُ طرف مما اشتمل عليه المستوعبون . ولكن الخالفين الذين جعلوا الفرزدق " يَنْحِتُ مِنْ صَخْرٍ " ، وجريرا " يَغْرِفُ مِنْ بَحْرٍ " - ملأوا الجزالة من صعوبة الصخر ، والسهولة من سلاسة الماء ، حتى استفحل لدى كثير من الدارسين الأمر ؛ فصارت الجزالة والصعوبة شيئا واحدا ، والسهولة شيئا آخر 96 . بل قد وجدتُّ بعض شُداة الشعر المعاصرين ، يبادر نُقّادَهُ بالسخرية من نفسه قائلا :
لكِنَّ نَظْمَكَ فَرْدٌ في سَماجَتِه وَشِعْرَكَ الْغَثَّ أَمْرٌ غَيْرُ مُحْتَمَلِ (...)
لا أَنْتَ تَغْرِفُ مِنْ نَهْرٍ فَتَرْشُفَه أَوْ أَنْتَ تَنْحِتُه جَزْلاً مِنَ الْجَبَلِ " 97 !
ولم تكن مقابلة الجزالة بالرقة 98 ، إلا أخذا فيما سبق ، ولكنها أُكِّدَتْ بمقابلة الأغراض . قال ابن الأثير في الألفاظ : " الجزل منها يستعمل في وصف مواقف الحروب ، وفي قوارع التهديد والتخويف ، وأشباه ذلك . وأما الرقيق منها فإنه يستعمل في وصف الأشواق ، وذكر أيام البعاد ، وفي استجلاب المودات ، وملاينات الاستعطاف ، وأشباه ذلك " 99 ؛ فلم يميز الجزالة من الرقة بأوضاع النظم كما علمنا الجرجاني ، بل بأُطُرِ الأغراض ، وهذا من إهمال الواجب الذي استمرَّ في الخالفين 100 . والرجل متهم بعدم استيعاب مقالات البلاغيين من قبله ، وباضطراب تصور مسائل علوم البلاغة من جراء ذلك 101 .
ولقد سبق لنا أن حرَّرنا عند القدماء أصحاب المصطلح ، التقاءَ الجزالة والسهولة والرقة حين تكون هذه خِفَّةً ، وافتراق الجزالة والرقة حين تكون هذه سُخْفًا - بما يفند هذه الدعوى الثانية .