عضو المجمع
01-06-2013, 11:54 AM
رزحت البلدان العربية، ردحاً طويلا من الدهر، في عصورها المظلمة، لأحكام المستعمرين الذين أوقفوا تطورها، وكبتوا لغتها، حتى إنهم حرَّموها عليهم في بعض الحالات، واعتبروها لغة أجنبية في أوطانهم واستبدلوها بلغاتهم، كواسطة للتعلم والتعليم. وابتعد العرب حينذاك عن لغة أجدادهم، لغة القرآن الكريم وتطورت لديهم لهجات عامية، ممسوخة ومتباينة باعدت بين أبناء الأمة العربية الواحدة في مختلف أقطارها.
وعندما نتحدث اليوم هنا عن "تعريب العلوم" نقصد بذلك تحويل لغة تعليم علومنا في بلداننا العربية وفي كل معاهدنا إلى لغة الأم، وان نستعيد بذلك ثقتنا بلغتنا، ونؤمن من جديد بأنها لغة كُفُؤة، يمكنها التعبير عن كل المفاهيم العلمية، كما فعل أسلافنا في عصر نهضتهم، عندما كتبوا علومهم وعلَّموا وتعلموا بلغتهم ووضعوا بها مصطلحات جديدة، للمفاهيم العلمية سواء تلك التي اقتبسـها من الحضارات التي سبقتهم أو تلك التي اكتشفوها أو اخترعوها بأنفسهم.
ومتى ما عرَّبنا علومنا، واستخدمنا لغتنا على الصعيد التعليمي والاجتماعي والثقافي، في جميع أوجه حياتنا، وفي كل ما تبدعه عقول أبنائنا، ضمن إطار الثقافة والتربية والعلوم، سيؤدي ذلك حتما إلى تطور العقل العربي، والتربية العربية، على صعيد مفاهيمنا الفكرية والحضارية.
وقاوم المستعمل - ولا يزال يقاوم - هذا التحويل، وبمختلف الأساليب، آملأ بذلك إبقاء استعماره الفكري، والتبعية التعليمية والتقنية، فنستمر على استعمال لغته وكتبه ومصطلحاته وأفكاره، ونبقى تابعين له، وبحاجة دائمة إلى اختصاصييه وأساتذته وأجهزته،بالإضافة إلى التبعية الفكرية المزمنة.
وبدأ التعليم العلمي الحديث في مصر، عند مطلع النهضة العلمية الحديثة، وكان من البديهي لكلوت بك، الذي أسس مدرسة الطب في أبي زعبل عام 1827 (والتي انتقلت إلى القصر العيني عام 1837)، أن يختار التعليم باللغة القومية، رغم الاعتراضات الكثيرة التي قاومته، سواء من أولئك المغرضين من المستعمرين، أو من الذين يجهلون إمكانيات لغتنا، أو ممن يعتبرون التعليم والتحدث باللغة الأجنبية علواً وتسامياً، ولكن كلوت بك أصر على التعليم باللغة العربية، لأن الطلاب كانوا من المتعلمين في الجامع الأزهر ولا يعرفون شيئا من اللغات غير العربية. كما كان يعتقد بأن تعلم الطلاب لعلومهم بلغتهم أسهل كثيراً وأعمق فهماً وإدراكاً، كما أنه يزودهم بوسيلة كفؤة للتفكير والتذكر، ولتطوير مفاهيمهم ومداركهم، بينما يضطرهم التعلم بغير لغتهم إلى تعلم لغة جديدة أولاً، ولن تكون هذه واسطة سهلة ومقبولة للتواصل الفكري واللغوي لديهم، مع الآخرين، حتى إلى درجة بسيطة، بالمقارنة مع ما تزودهم به لغتهم العربية القومية، لغة حياتهم وممارساتهم اليومية.
وعلَّموا الطب في هذه المدرسة بكفاءة مقبولة رغم أن الطلاب كانوا من ذوي خلفيات تعليمية محدودة، إذ أنهم كانوا من طلاب جامع الأزهر، ولم تكن لديهم معلومات علمية أساسية، يقتضيها التعليم الطبي، مما اضطر كلوت إلى تدريسهم الرياضيات والهندسة والبيولوجي، عند أول دخولهم مدرسة الطب، كما أنه اضطر إلى تعليمهم اللغة الفرنسية (كلغة ثانية).
وبوجه الاعتراضات المتواصلة، على التعليم بالعربية، بدعوى عدم كفاءتها في التعليم الطبي، جيء بالأستاذ الدكتور باريست (Pariset) من باريس، عام 1830، للإشراف على امتحانات الطلاب، فكان تقريره عنها مشجعاً، وقرر بأن مستوياتهم التعليمية لا تقل عن المستويات الجيدة المقبولة في فرنسا. وعلى الرغم من ذلك، فقد استمرت حملة الاعتراضات التي كان يرأسها الدكتور ميشو (Michaud)، من الأكاديمية الفرنسية لامتحان الطلاب، فكان نجاحهم جيداً. وعند تخرج الدفعة الأولى من المدرسة، اتُهِم كلوت بأنه تساهل معهم في إنجاحهم، مما اضطره، بعد موافقة محمد علي باشا، إلى اصطحاب 12 خريجاً من مدرسته في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 1832 إلى باريس، حيث امتحنتهم هيئة علمية، من أشهر أساتذة الطب آنذاك وباللغة الفرنسية. وألقى البارون دوبيوترين Baron Duputren، بعد انتهاء الامتحان، كلمة امتدح بها الطلاب، وأشاد بمستوى معلوماتهم، وهنأ الدكتور كلوت بك وأساتذة المدرسة على إنجازهم الرائع.
وطلب محمد علي باشا، عند ذلك، بقاء هؤلاء الخريجين في باريس للتدريب، وتخصص كل واحد منهم بأحد علوم الطب، وأشترط عليه ترجمة كتاب علمي، في موضوع اختصاصه، إلى اللغة العربية. وبلغ مجموع الخريجين من هذه المدرسة، أثناء فترة تولي محمد علي باشا مدة 18 عاماً، 1500 خريج، وأُلفت وتُرجمت خلال ذلك حوالي 86 كتاباً (وكان أولها كتاب "القول الصريح في علم التشريح")، وكانت كلها كتباً جيدة، قال عنها الدكتور أحمد شوكت الشطي "...هي كتب ممتازة لا تقل عن أمثالها في ذلك الحين من كتب الغرب، جودة في الطبع وحسناً في التعبير وبراعة في الإيضاح". واشتملت هذه الكتب على آلاف المصطلحات، كان الكثير منها من المصطلحات العربية التراثية الأصيلة، فأحيوا بذلك الكثير من مصطلحات الطب العربي الإسلامي، كما وضعوا العديد من المصطلحات العربية الجديدة، وعربوا الكثير من المصطلحات التي لم يهتدوا إلى إيجاد مقابلات عربية مناسبة لها. واستُحدثت خلال هذه الفترة بعضُ المعجمات الطبية والعلمية، واستعملت مصطلحاتها التراثية الأصيلة هذه في وضع العديد من مصطلحات المعجم الطبي الموحد الحديث.
وفي عام 1849 استدعى إبراهيم باشا الدكتور لاليمان Lallemand، من كلية طب مونبيلية، إلى مصر لتقييم مستوى طلاب مدرسة الطب، فامتدح في تقريره مستوى طلابها وأساتذتها، الذين كان من بينهم ثيودور بلهارز الذي اكتشف طفيلي البلهارزيا فيها عام 1851.كما اكتشف فيها الأستاذ كرايسنجر Greissengerطفيلي الانكلستوما، ونشرت بالإضافة إلى ذلك العديد من البحوث والنشريات العلمية والطبية.
وأُسست، بجانب مدرسة الطب هذه، مدارس التمريض والصيدلة والبيطرة والولادة، وبعض المدارس العلمية والأدبية والإنسانية الأخرى، واستمر التعليم فيها كلها بالعربية، بكل كفاءة واقتدار. واكتملت كل الكتب العلمية الضرورية للتعليم باللغة العربية، إلى أن احتل الإنكليز مصر عام 1882، وفرضوا تحويل لغة التعليم إلى الإنكليزية عام 1887، بحجة عدم توفر المراجع الكافية، فصارت المحاضرات تلقى بالإنكليزية لكن التعليم السريري بقي بالعربية، لفترة قصيرة، حتى تحول كل التعليم تدريجيا إلى اللغة الأجنبية. وكانت من نتائج هذا التعليم بالعربية، تحسن الوضع الصحي في البلد، وبناء كوادر طبية ممتازة، حتى إن العديد من خريجي مدرسة الطب هذه اصبحوا أساتذة بل عمداء لها، مثل محمد بك الشافعي، ومحمد علي باشا البقلي وعيسى باشا حمدي. وتطورت الخدمات والممارسات الطبية، نتيجة تمكن الخريجين من التحدث عن الأمور الصحية بالعربية مع مواطنيهم، فاختلطوا بمجتمعهم، وتمكنوا، مثلاً، من تدريب 2500 حلاق مصري على تطعيم الأطفال، وغيرهم، ضد الجدري، وجعلوا هذا التطعيم إجباريا، فقلت الإصابات بهذا المرض الخطير لدرجة كبيرة.
ولم يكتف المحتل الإنكليزي بتحويل لغة التعليم العلمي فقط إلى الإنكليزية، بل حوّل إليها أيضاً لغة التعليم في المدارس، منذ عام 1889 حتى عام 1908. عندما بُدئ بتحويل التعليم في المدارس الابتدائية إلى العربية، وأصدر سعد زغلول باشا، عام 1923 (عندما كان ناظراً للمعارف والمسؤول التنفيذي الأول عن التعليم)، دستورا يفرض التعليم بالعربية في كل المدارس الحكومية الابتدائية والثانوية.
ثم صدرت لائحة الجامعة المصرية الأولى، عام 1908، التي نصت على أن يكون التعليم بالعربية في تكوينها الأهلي، ثم نصت، في عام 1925، على أن يكون التعليم بالعربية، في تكوينها الحكومي أيضاً، فعرب التعليم في كل الكليات الأدبية والإنسانية تدريجيا، حتى في كلية الزراعة، ولكنه بقي باللغة الإنكليزية في كليات الطب والبيطرة والصيدلة والأسنان والعلوم والهندسة والمعاهد العليا للتمريض والعلاج الطبيعي، بالرغم من ضعف لغة الطلاب والأساتذة بالإنكليزية، ولذلك صار التعليم في هذه الكليات، في الأعوام الأخيرة، مزيجا من الإنكليزية والعربية، الفصحى أحياناً والعامية في الغالب، مع استعمال المصطلحات العربية والأجنبية. وجرت محاولات لتحويل لغة التعليم إلى العربية في كل الجامعات المصرية، ففي عام 1938 حاول الدكتور محمد حسين هيكل باشا وزير المعارف آنذاك تحويل لغة التعليم إلى العربية، ولكن جاءت الحرب العالمية الثانية وأجهضت العملية. وحاول ذلك أيضا الدكتور طه حسين، ثم صدر في عام 1956 قرار كلية طب القصر العيني بتحويل لغة التعليم الطبي فيها إلى العربية ولم يطبق ذلك أيضاً. وجرت في كلية طب جامع الأزهر، التي بدأت تعليمها عام 1963، بعض المحاولات لتعريب التعليم الطبي، فألف أو ترجم فيها العديد من الكتب العلمية، وسمح بتقديم أطروحات الدراسات العليا ( الماجستير والدكتوراه) بالعربية، واشتُرط أن تتضمن جميع الأطروحات، التي تقدم بغير العربية مختصراً شاملاً للأطروحة بالعربية. كما دُرِّست بالعربية بعض العلوم، مثل الطب الشرعي والصحة النفسية وطب المجتمع، مثل ما هو متبع في كليات الطب المصرية الأخرى. وعلى الرغم من أن المحاضرات تلقى الآن بالإنكليزية في معظم العلوم، فإن الشروحات، خصوصا في التعليمين السريري والمختبري، تعطى باللغة العربية (العامية في الغالب).
وخلاصة القول، فإن التعليم العام في مصر، في الدراسات الابتدائية والثانوية والجامعية في العلوم الإنسانية والأدبية والزراعية، يجرى باللغة العربية. أما في الدراسات العلمية الجامعية الأخرى، فإنه يعطى بالإنكليزية، ويشمل ذلك حوالي 25% من طلاب الجامعات المصرية، أما القسم الباقي منهم فإنه يتلقى دراساته بالعربية.
وفي لبنان، افتتحت في بيروت عام 1866 الكلية السورية الإنجيلية (البروتستانتية)، والتي أصبحت فيما بعد الجامعة الأمريكية في بيروت، وراحت تعلم كل علومها بالعربية (بما فيها علوم الطب)، ثم قامت جامعة القديس يوسف في بيروت عام 1882 وعلمت بالعربية أيضاً. ولكن لم يدم ذلك طويلا، فقد تحولت لغة التعليم عام 1884 إلى الإنكليزية، في الكلية الأولى، وإلى الفرنسية، في الثانية، بحجة عدم توفر الأساتذة المتمكنين من تعليم علوم الطب بالعربية.
وعلى الرغم من ذلك، فقد وُضع في الكلية السورية الإنجيلية، وخلال فترة تعريبها القصيرة نسبيا (18 عاما)، اثنا عشر كتابا، وترجمت فيها عدة كتب طبية أخرى، استعمل فيها الكثير من مصطلحات الطب العربي الإسلامي. كما استعملت في هاتين الكليتين الكتب الطبية التي وضعت في مدرسة طب القصر العيني، كما استعملت في التعليم فيها معظم المصطلحات الطبية التي وضعت في مصر، لكن كانت هناك بعض الاختلافات بين مصطلحات المعهدين. ويعود سبب ذلك إلى أن المدرسة المصرية كانت تترجم مصطلحاتها عن الفرنسية، بينما كانت مدرسة بيروت تستمد مصطلحاتها من الأصول الإنكليزية. واستمرت الدراسة بالعربية، طوال هذه الفترة، وأثبتت كفاءتها العالية في تعليم الطب، وكانت نتائجها مشجعة. وتنامت، أثناء تلك الفترة، الدعوة للتعريب الشامل في كل العلوم والدراسات الجامعية، حتى إن اللغة العربية أصبحت آنذاك لغة كل المعاملات الإدارية حتى مع الإدارة التركية الحاكمة والمتشددة.
وبدأ التعليم الطبي في سوريا عام 1903، باللغة التركية، حتى عام 1914 عندما أغلقت مدرسة الطب بدمشق بسبب الحرب العالمية الأولى. وعندما عاد التعليم فيها عام 1919، أصر الأساتذة المؤسسون على أن تكون اللغة العربية هي لغة التعليم فيها، بالرغم من إصرار المحتلين الجدد الفرنسيين الذين أرادوا أن تكون الفرنسية لغة للتعليم العام والجامعي. ولكن الرواد الأوائل علموا بالعربية، وبذلوا جهوداً جبارة في تأليف الكتب الطبية المناسبة، وفي إيجاد المصطلحات الطبية وتطورها، وأصدروا مجموعات عديدة منها، ثم نظموا بعض المعجمات الطبية والعلمية، كما أجروا تدريسهم في كل الكليات العلمية والإنسانية الأخرى، في كل الجامعات السورية، باللغة العربية أيضاً. وتطور مستوى التعليم لدرجة جيدة جداً، حتى وصل إنجاز الأطباء المتخرجين من كلياتهم الطبية درجة تفوق مستوى خريجي بعض الجامعات التي تعلم طبها باللغة الإنكليزية في بعض البلدان العربية الأخرى. ويتمثل ذلك في إنجاز خريجيها في امتحانات الدراسات الطبية العليا، التي تجرى في إنكلترا، أو في الولايات المتحدة. ففي امتحانات الـ ECFMG التي تُجرى في الولايات المتحدة للأطباء الذين يرغبون في مواصلة دراساتهم أو ممارساتهم الطبية فيها، كانت نتائج خريجي الكليات الطبية السورية أحسن من الخريجين الذين يتلقون تعليمهم بالإنكليزية. ففي عام 1983، بلغت نسبة نجاح الأطباء المتخرجين من الكليات السورية42.5%، بينما بلغت نسبة نجاح الأطباء الدارسين بالإنكليزية في البلدان العربية الأخرى 39.6 %. وفي عام 1984 كانت نسبة نجاح السوريين 57.3 %، مقارنة بـ 44.5% للدارسين بالإنكليزية. وزاد الفرق أكثر من ذلك في الأعوام الأخيرة. حصل كل ذلك بالرغم من أن كل هذه الامتحانات تجري باللغة الإنكليزية. ونقل الأستاذ محمد أحمد سليمان نتائج أخرى مشابهة لذلك في مثل هذه الامتحانات. كما أثبتت كل الاختبارات التي أجريت، على طلاب الجامعات السورية الذين يتلقون تدريسهم بالعربية، أنهم يتلقون علومهم بدرجة أعمق وأوسع، وبسهولة كبيرة نسبياً، مقارنة بطلاب جامعات الأقطار العربية الأخرى التي تعلم باللغة الأجنبية.
وقد بلغ عدد الأطباء، المتخرجين من جامعة دمشق والعاملين في ألمانيا، حوالي 1100 طبيب (عام 1980) وهم يمارسون هناك بمستوى علمي رفيع.
وعندما بدأت كليتا طب حلب وتشرين في اللاذقية، بدأتا تعليمهما باللغة الإنكليزية، ولكن بعد ثلاث سنوات من بدئهما، حُوِّل التعليم فيهما إلى العربية، نتيجة شكوى الطلاب بسبب صعوبة تلقي علومهم بالأجنبية، وشكوى الأساتذة من صعوبة إلقائها بغير العربية، وندرة الأساتذة الذين يرغبون، أو يتمكنون من التعليم باللغة الإنكليزية. وكذلك، كان التعليم يتم في كل الكليات العلمية والإنسانية والأدبية باللغة العربية بكل كفاءة واقتدار.
أما في العراق، فإن التعليم العالي في الدراسات الإنسانية والاجتماعية والزراعية والاقتصادية والأدبية وفي كل التعليم العام (الابتدائي والثانوي) هو باللغة العربية بصورة عامة.
ولكن التعليم العالي، في الدراسات العلمية والطبية والهندسية، يتم بالإنكليزية منذ بدء كلياتها، ولكن دُرِّست بعض العلوم فيها باللغة العربية. فقد دُرِّس الطب العدلي (الطب الشرعي) وقوانين وآداب الطب وبعض مواضيع الصحة العامة باللغة العربية منذ إنشاء كلية طب بغداد عام 1927، وفي جميع كليات الطب الأخرى التي افتتحت بعد ذلك.
وفي حزيران من عام 1976، قرر مجلس قيادة الثورة تعريب التعليم الجامعي والعالي تعريباً كاملاً، وأجل تنفيذ القرار في كليات الدراسات الطبية حتى عام 1980، بينما دُرِّست بالعربية بعض العلوم وبعض المواضيع العلمية، في كليات العلوم والهندسة حسب إمكانياتها، وحسب قرار الأساتذة الراغبين والمتمكنين من ذلك.
وصدر عام 1977 قانون الحفاظ على سلامة اللغة العربية بالعراق رقم 64. وصدر على اثره قرار تعريب تدريس العلوم الصرفة والتطبيقية، في كل الجامعات العراقية، ابتداء من السنة الدراسية 77/1978 في صفوف السنة الأولى، على أن يتم التدرج في التعريب سنة بعد أخرى حتى يكتمل التعريب الشامل للمقرر عام 1982.
ثم صدر قرار مجلس وزراة التعليم العالي والبحث العلمي رقم 2 بتاريخ 25/11/1979 الذي أوجب تطبيق التعريب الإلزامي، في الصفوف الأولى من كليات الطب والأسنان، اعتبارا من أيلول (سبتمبر) 1980 "، على أن لايؤجل ذلك بأي حال من الأحوال". وأُلّفت لهذا الغرض لجنة مركزية، لمتابعة تعريب العلوم الطبية، فعقدت عدة اجتماعات درست أثناءها كل جوانب المشروع. وألفت عدة لجان لتأليف أو ترجمة الكتب الطبية، المقررة للصفوف الثلاثة الأولى من كليات الطب، فوضعت أو ترجمت الكتب التالية : الكيمياء العامة والعضوية، كتاب علم البيولوجي الطبي (علم الأحياء الطبية)، كتاب الفيزياء النظري، كتاب الفيزياء العملي، كتاب علم التشريح النظري، كتاب علم التشريح العملي، أطلس التشريح، كتاب علم الأنسجة، كتاب علم الأجنة، كتاب علم الكيمياء الحياتية، كتاب الفسلجة، كتاب ميورز في علم الأمراض، كتاب علم الطفيليات الطبية، كتاب علم الجراثيم، كتاب الطب العدلي (الطب الشرعي)، كتاب جراحة اليد والقدم والعظام والمفاصل والكسور. كما أعدت كتب مماثلة لتعليم طب الأسنان بالعربية، وطُبعت آلاف من هذه الكتب، لا تزال مكدسة في مخازن كليات الطب.
ولكن هذا الحماس للتعريب خف كثيراً وأجل حتى تلاشى بالمرة تقريبا. ولم يعرب تعليم الطب في أي من الكليات الطبية، وبقي التعليم بالإنكليزية إلا في حالات قليلة، كتعليم الطب الشرعي وبعض مواضيع صحة المجتمع والصحة النفسية. كما يدور الكثير من مناقشات التعليم السريري وبعض المناقشات العلمية بالعربية العامية، مع استعمال المصطلحات الأجنبية، إلا في بعض الحالات التي تستعمل فيها بعض المصطلحات الطبية العربية أيضاً.
وبقي التعليم في الكليات العلمية الأخرى (العلوم والهندسة) مزيجا من العربية والإنكليزية حسب رغبة الأساتذة المتمكنين من التدريس بالعربية.
وعندما تأسست الجامعة الأردنية في عمان عام 1962 كان التدريس في كلياتها الأدبية بالعربية، ولكن عندما استكملت الجامعة كلياتها العلمية صار التدريس في هذه المعاهد باللغة الإنكليزية.
ومنذ أن بدأ مجمع اللغة العربية الأردني أعماله في 1/10/1976، راح يسعى بكل جد ونشاط وموضوعية في الدعوة إلى تعريب التعليم الجامعي. وقد ساهم بذلك عمليا، إذ أصدر العديد من الكتب العلمية، وهيأ كتب السنة الأولى من الدراسة العلمية في كلية العلوم، حتى بدأ التعليم فيها بالعربية في العام الدراسي 1980 - 1981. وعند تقويم هذه التجربة وجد أن الرسوب في هذه العلوم قد هبط من 35% إلى 3% فقط.
لكن، بالرغم من هذه النتائج الباهرة، عاد المسؤولون، مع الأسف في العام الجامعي التالي، للتعليم باللغة الإنكليزية. كما بقي التعليم في كليات جامعة اليرموك وجامعة العلوم التكنولوجية بالإنكليزية، ما عدا العلوم الإنسانية والدراسات الأدبية التي تعلم بالعربية.
وعندما نتحدث اليوم هنا عن "تعريب العلوم" نقصد بذلك تحويل لغة تعليم علومنا في بلداننا العربية وفي كل معاهدنا إلى لغة الأم، وان نستعيد بذلك ثقتنا بلغتنا، ونؤمن من جديد بأنها لغة كُفُؤة، يمكنها التعبير عن كل المفاهيم العلمية، كما فعل أسلافنا في عصر نهضتهم، عندما كتبوا علومهم وعلَّموا وتعلموا بلغتهم ووضعوا بها مصطلحات جديدة، للمفاهيم العلمية سواء تلك التي اقتبسـها من الحضارات التي سبقتهم أو تلك التي اكتشفوها أو اخترعوها بأنفسهم.
ومتى ما عرَّبنا علومنا، واستخدمنا لغتنا على الصعيد التعليمي والاجتماعي والثقافي، في جميع أوجه حياتنا، وفي كل ما تبدعه عقول أبنائنا، ضمن إطار الثقافة والتربية والعلوم، سيؤدي ذلك حتما إلى تطور العقل العربي، والتربية العربية، على صعيد مفاهيمنا الفكرية والحضارية.
وقاوم المستعمل - ولا يزال يقاوم - هذا التحويل، وبمختلف الأساليب، آملأ بذلك إبقاء استعماره الفكري، والتبعية التعليمية والتقنية، فنستمر على استعمال لغته وكتبه ومصطلحاته وأفكاره، ونبقى تابعين له، وبحاجة دائمة إلى اختصاصييه وأساتذته وأجهزته،بالإضافة إلى التبعية الفكرية المزمنة.
وبدأ التعليم العلمي الحديث في مصر، عند مطلع النهضة العلمية الحديثة، وكان من البديهي لكلوت بك، الذي أسس مدرسة الطب في أبي زعبل عام 1827 (والتي انتقلت إلى القصر العيني عام 1837)، أن يختار التعليم باللغة القومية، رغم الاعتراضات الكثيرة التي قاومته، سواء من أولئك المغرضين من المستعمرين، أو من الذين يجهلون إمكانيات لغتنا، أو ممن يعتبرون التعليم والتحدث باللغة الأجنبية علواً وتسامياً، ولكن كلوت بك أصر على التعليم باللغة العربية، لأن الطلاب كانوا من المتعلمين في الجامع الأزهر ولا يعرفون شيئا من اللغات غير العربية. كما كان يعتقد بأن تعلم الطلاب لعلومهم بلغتهم أسهل كثيراً وأعمق فهماً وإدراكاً، كما أنه يزودهم بوسيلة كفؤة للتفكير والتذكر، ولتطوير مفاهيمهم ومداركهم، بينما يضطرهم التعلم بغير لغتهم إلى تعلم لغة جديدة أولاً، ولن تكون هذه واسطة سهلة ومقبولة للتواصل الفكري واللغوي لديهم، مع الآخرين، حتى إلى درجة بسيطة، بالمقارنة مع ما تزودهم به لغتهم العربية القومية، لغة حياتهم وممارساتهم اليومية.
وعلَّموا الطب في هذه المدرسة بكفاءة مقبولة رغم أن الطلاب كانوا من ذوي خلفيات تعليمية محدودة، إذ أنهم كانوا من طلاب جامع الأزهر، ولم تكن لديهم معلومات علمية أساسية، يقتضيها التعليم الطبي، مما اضطر كلوت إلى تدريسهم الرياضيات والهندسة والبيولوجي، عند أول دخولهم مدرسة الطب، كما أنه اضطر إلى تعليمهم اللغة الفرنسية (كلغة ثانية).
وبوجه الاعتراضات المتواصلة، على التعليم بالعربية، بدعوى عدم كفاءتها في التعليم الطبي، جيء بالأستاذ الدكتور باريست (Pariset) من باريس، عام 1830، للإشراف على امتحانات الطلاب، فكان تقريره عنها مشجعاً، وقرر بأن مستوياتهم التعليمية لا تقل عن المستويات الجيدة المقبولة في فرنسا. وعلى الرغم من ذلك، فقد استمرت حملة الاعتراضات التي كان يرأسها الدكتور ميشو (Michaud)، من الأكاديمية الفرنسية لامتحان الطلاب، فكان نجاحهم جيداً. وعند تخرج الدفعة الأولى من المدرسة، اتُهِم كلوت بأنه تساهل معهم في إنجاحهم، مما اضطره، بعد موافقة محمد علي باشا، إلى اصطحاب 12 خريجاً من مدرسته في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 1832 إلى باريس، حيث امتحنتهم هيئة علمية، من أشهر أساتذة الطب آنذاك وباللغة الفرنسية. وألقى البارون دوبيوترين Baron Duputren، بعد انتهاء الامتحان، كلمة امتدح بها الطلاب، وأشاد بمستوى معلوماتهم، وهنأ الدكتور كلوت بك وأساتذة المدرسة على إنجازهم الرائع.
وطلب محمد علي باشا، عند ذلك، بقاء هؤلاء الخريجين في باريس للتدريب، وتخصص كل واحد منهم بأحد علوم الطب، وأشترط عليه ترجمة كتاب علمي، في موضوع اختصاصه، إلى اللغة العربية. وبلغ مجموع الخريجين من هذه المدرسة، أثناء فترة تولي محمد علي باشا مدة 18 عاماً، 1500 خريج، وأُلفت وتُرجمت خلال ذلك حوالي 86 كتاباً (وكان أولها كتاب "القول الصريح في علم التشريح")، وكانت كلها كتباً جيدة، قال عنها الدكتور أحمد شوكت الشطي "...هي كتب ممتازة لا تقل عن أمثالها في ذلك الحين من كتب الغرب، جودة في الطبع وحسناً في التعبير وبراعة في الإيضاح". واشتملت هذه الكتب على آلاف المصطلحات، كان الكثير منها من المصطلحات العربية التراثية الأصيلة، فأحيوا بذلك الكثير من مصطلحات الطب العربي الإسلامي، كما وضعوا العديد من المصطلحات العربية الجديدة، وعربوا الكثير من المصطلحات التي لم يهتدوا إلى إيجاد مقابلات عربية مناسبة لها. واستُحدثت خلال هذه الفترة بعضُ المعجمات الطبية والعلمية، واستعملت مصطلحاتها التراثية الأصيلة هذه في وضع العديد من مصطلحات المعجم الطبي الموحد الحديث.
وفي عام 1849 استدعى إبراهيم باشا الدكتور لاليمان Lallemand، من كلية طب مونبيلية، إلى مصر لتقييم مستوى طلاب مدرسة الطب، فامتدح في تقريره مستوى طلابها وأساتذتها، الذين كان من بينهم ثيودور بلهارز الذي اكتشف طفيلي البلهارزيا فيها عام 1851.كما اكتشف فيها الأستاذ كرايسنجر Greissengerطفيلي الانكلستوما، ونشرت بالإضافة إلى ذلك العديد من البحوث والنشريات العلمية والطبية.
وأُسست، بجانب مدرسة الطب هذه، مدارس التمريض والصيدلة والبيطرة والولادة، وبعض المدارس العلمية والأدبية والإنسانية الأخرى، واستمر التعليم فيها كلها بالعربية، بكل كفاءة واقتدار. واكتملت كل الكتب العلمية الضرورية للتعليم باللغة العربية، إلى أن احتل الإنكليز مصر عام 1882، وفرضوا تحويل لغة التعليم إلى الإنكليزية عام 1887، بحجة عدم توفر المراجع الكافية، فصارت المحاضرات تلقى بالإنكليزية لكن التعليم السريري بقي بالعربية، لفترة قصيرة، حتى تحول كل التعليم تدريجيا إلى اللغة الأجنبية. وكانت من نتائج هذا التعليم بالعربية، تحسن الوضع الصحي في البلد، وبناء كوادر طبية ممتازة، حتى إن العديد من خريجي مدرسة الطب هذه اصبحوا أساتذة بل عمداء لها، مثل محمد بك الشافعي، ومحمد علي باشا البقلي وعيسى باشا حمدي. وتطورت الخدمات والممارسات الطبية، نتيجة تمكن الخريجين من التحدث عن الأمور الصحية بالعربية مع مواطنيهم، فاختلطوا بمجتمعهم، وتمكنوا، مثلاً، من تدريب 2500 حلاق مصري على تطعيم الأطفال، وغيرهم، ضد الجدري، وجعلوا هذا التطعيم إجباريا، فقلت الإصابات بهذا المرض الخطير لدرجة كبيرة.
ولم يكتف المحتل الإنكليزي بتحويل لغة التعليم العلمي فقط إلى الإنكليزية، بل حوّل إليها أيضاً لغة التعليم في المدارس، منذ عام 1889 حتى عام 1908. عندما بُدئ بتحويل التعليم في المدارس الابتدائية إلى العربية، وأصدر سعد زغلول باشا، عام 1923 (عندما كان ناظراً للمعارف والمسؤول التنفيذي الأول عن التعليم)، دستورا يفرض التعليم بالعربية في كل المدارس الحكومية الابتدائية والثانوية.
ثم صدرت لائحة الجامعة المصرية الأولى، عام 1908، التي نصت على أن يكون التعليم بالعربية في تكوينها الأهلي، ثم نصت، في عام 1925، على أن يكون التعليم بالعربية، في تكوينها الحكومي أيضاً، فعرب التعليم في كل الكليات الأدبية والإنسانية تدريجيا، حتى في كلية الزراعة، ولكنه بقي باللغة الإنكليزية في كليات الطب والبيطرة والصيدلة والأسنان والعلوم والهندسة والمعاهد العليا للتمريض والعلاج الطبيعي، بالرغم من ضعف لغة الطلاب والأساتذة بالإنكليزية، ولذلك صار التعليم في هذه الكليات، في الأعوام الأخيرة، مزيجا من الإنكليزية والعربية، الفصحى أحياناً والعامية في الغالب، مع استعمال المصطلحات العربية والأجنبية. وجرت محاولات لتحويل لغة التعليم إلى العربية في كل الجامعات المصرية، ففي عام 1938 حاول الدكتور محمد حسين هيكل باشا وزير المعارف آنذاك تحويل لغة التعليم إلى العربية، ولكن جاءت الحرب العالمية الثانية وأجهضت العملية. وحاول ذلك أيضا الدكتور طه حسين، ثم صدر في عام 1956 قرار كلية طب القصر العيني بتحويل لغة التعليم الطبي فيها إلى العربية ولم يطبق ذلك أيضاً. وجرت في كلية طب جامع الأزهر، التي بدأت تعليمها عام 1963، بعض المحاولات لتعريب التعليم الطبي، فألف أو ترجم فيها العديد من الكتب العلمية، وسمح بتقديم أطروحات الدراسات العليا ( الماجستير والدكتوراه) بالعربية، واشتُرط أن تتضمن جميع الأطروحات، التي تقدم بغير العربية مختصراً شاملاً للأطروحة بالعربية. كما دُرِّست بالعربية بعض العلوم، مثل الطب الشرعي والصحة النفسية وطب المجتمع، مثل ما هو متبع في كليات الطب المصرية الأخرى. وعلى الرغم من أن المحاضرات تلقى الآن بالإنكليزية في معظم العلوم، فإن الشروحات، خصوصا في التعليمين السريري والمختبري، تعطى باللغة العربية (العامية في الغالب).
وخلاصة القول، فإن التعليم العام في مصر، في الدراسات الابتدائية والثانوية والجامعية في العلوم الإنسانية والأدبية والزراعية، يجرى باللغة العربية. أما في الدراسات العلمية الجامعية الأخرى، فإنه يعطى بالإنكليزية، ويشمل ذلك حوالي 25% من طلاب الجامعات المصرية، أما القسم الباقي منهم فإنه يتلقى دراساته بالعربية.
وفي لبنان، افتتحت في بيروت عام 1866 الكلية السورية الإنجيلية (البروتستانتية)، والتي أصبحت فيما بعد الجامعة الأمريكية في بيروت، وراحت تعلم كل علومها بالعربية (بما فيها علوم الطب)، ثم قامت جامعة القديس يوسف في بيروت عام 1882 وعلمت بالعربية أيضاً. ولكن لم يدم ذلك طويلا، فقد تحولت لغة التعليم عام 1884 إلى الإنكليزية، في الكلية الأولى، وإلى الفرنسية، في الثانية، بحجة عدم توفر الأساتذة المتمكنين من تعليم علوم الطب بالعربية.
وعلى الرغم من ذلك، فقد وُضع في الكلية السورية الإنجيلية، وخلال فترة تعريبها القصيرة نسبيا (18 عاما)، اثنا عشر كتابا، وترجمت فيها عدة كتب طبية أخرى، استعمل فيها الكثير من مصطلحات الطب العربي الإسلامي. كما استعملت في هاتين الكليتين الكتب الطبية التي وضعت في مدرسة طب القصر العيني، كما استعملت في التعليم فيها معظم المصطلحات الطبية التي وضعت في مصر، لكن كانت هناك بعض الاختلافات بين مصطلحات المعهدين. ويعود سبب ذلك إلى أن المدرسة المصرية كانت تترجم مصطلحاتها عن الفرنسية، بينما كانت مدرسة بيروت تستمد مصطلحاتها من الأصول الإنكليزية. واستمرت الدراسة بالعربية، طوال هذه الفترة، وأثبتت كفاءتها العالية في تعليم الطب، وكانت نتائجها مشجعة. وتنامت، أثناء تلك الفترة، الدعوة للتعريب الشامل في كل العلوم والدراسات الجامعية، حتى إن اللغة العربية أصبحت آنذاك لغة كل المعاملات الإدارية حتى مع الإدارة التركية الحاكمة والمتشددة.
وبدأ التعليم الطبي في سوريا عام 1903، باللغة التركية، حتى عام 1914 عندما أغلقت مدرسة الطب بدمشق بسبب الحرب العالمية الأولى. وعندما عاد التعليم فيها عام 1919، أصر الأساتذة المؤسسون على أن تكون اللغة العربية هي لغة التعليم فيها، بالرغم من إصرار المحتلين الجدد الفرنسيين الذين أرادوا أن تكون الفرنسية لغة للتعليم العام والجامعي. ولكن الرواد الأوائل علموا بالعربية، وبذلوا جهوداً جبارة في تأليف الكتب الطبية المناسبة، وفي إيجاد المصطلحات الطبية وتطورها، وأصدروا مجموعات عديدة منها، ثم نظموا بعض المعجمات الطبية والعلمية، كما أجروا تدريسهم في كل الكليات العلمية والإنسانية الأخرى، في كل الجامعات السورية، باللغة العربية أيضاً. وتطور مستوى التعليم لدرجة جيدة جداً، حتى وصل إنجاز الأطباء المتخرجين من كلياتهم الطبية درجة تفوق مستوى خريجي بعض الجامعات التي تعلم طبها باللغة الإنكليزية في بعض البلدان العربية الأخرى. ويتمثل ذلك في إنجاز خريجيها في امتحانات الدراسات الطبية العليا، التي تجرى في إنكلترا، أو في الولايات المتحدة. ففي امتحانات الـ ECFMG التي تُجرى في الولايات المتحدة للأطباء الذين يرغبون في مواصلة دراساتهم أو ممارساتهم الطبية فيها، كانت نتائج خريجي الكليات الطبية السورية أحسن من الخريجين الذين يتلقون تعليمهم بالإنكليزية. ففي عام 1983، بلغت نسبة نجاح الأطباء المتخرجين من الكليات السورية42.5%، بينما بلغت نسبة نجاح الأطباء الدارسين بالإنكليزية في البلدان العربية الأخرى 39.6 %. وفي عام 1984 كانت نسبة نجاح السوريين 57.3 %، مقارنة بـ 44.5% للدارسين بالإنكليزية. وزاد الفرق أكثر من ذلك في الأعوام الأخيرة. حصل كل ذلك بالرغم من أن كل هذه الامتحانات تجري باللغة الإنكليزية. ونقل الأستاذ محمد أحمد سليمان نتائج أخرى مشابهة لذلك في مثل هذه الامتحانات. كما أثبتت كل الاختبارات التي أجريت، على طلاب الجامعات السورية الذين يتلقون تدريسهم بالعربية، أنهم يتلقون علومهم بدرجة أعمق وأوسع، وبسهولة كبيرة نسبياً، مقارنة بطلاب جامعات الأقطار العربية الأخرى التي تعلم باللغة الأجنبية.
وقد بلغ عدد الأطباء، المتخرجين من جامعة دمشق والعاملين في ألمانيا، حوالي 1100 طبيب (عام 1980) وهم يمارسون هناك بمستوى علمي رفيع.
وعندما بدأت كليتا طب حلب وتشرين في اللاذقية، بدأتا تعليمهما باللغة الإنكليزية، ولكن بعد ثلاث سنوات من بدئهما، حُوِّل التعليم فيهما إلى العربية، نتيجة شكوى الطلاب بسبب صعوبة تلقي علومهم بالأجنبية، وشكوى الأساتذة من صعوبة إلقائها بغير العربية، وندرة الأساتذة الذين يرغبون، أو يتمكنون من التعليم باللغة الإنكليزية. وكذلك، كان التعليم يتم في كل الكليات العلمية والإنسانية والأدبية باللغة العربية بكل كفاءة واقتدار.
أما في العراق، فإن التعليم العالي في الدراسات الإنسانية والاجتماعية والزراعية والاقتصادية والأدبية وفي كل التعليم العام (الابتدائي والثانوي) هو باللغة العربية بصورة عامة.
ولكن التعليم العالي، في الدراسات العلمية والطبية والهندسية، يتم بالإنكليزية منذ بدء كلياتها، ولكن دُرِّست بعض العلوم فيها باللغة العربية. فقد دُرِّس الطب العدلي (الطب الشرعي) وقوانين وآداب الطب وبعض مواضيع الصحة العامة باللغة العربية منذ إنشاء كلية طب بغداد عام 1927، وفي جميع كليات الطب الأخرى التي افتتحت بعد ذلك.
وفي حزيران من عام 1976، قرر مجلس قيادة الثورة تعريب التعليم الجامعي والعالي تعريباً كاملاً، وأجل تنفيذ القرار في كليات الدراسات الطبية حتى عام 1980، بينما دُرِّست بالعربية بعض العلوم وبعض المواضيع العلمية، في كليات العلوم والهندسة حسب إمكانياتها، وحسب قرار الأساتذة الراغبين والمتمكنين من ذلك.
وصدر عام 1977 قانون الحفاظ على سلامة اللغة العربية بالعراق رقم 64. وصدر على اثره قرار تعريب تدريس العلوم الصرفة والتطبيقية، في كل الجامعات العراقية، ابتداء من السنة الدراسية 77/1978 في صفوف السنة الأولى، على أن يتم التدرج في التعريب سنة بعد أخرى حتى يكتمل التعريب الشامل للمقرر عام 1982.
ثم صدر قرار مجلس وزراة التعليم العالي والبحث العلمي رقم 2 بتاريخ 25/11/1979 الذي أوجب تطبيق التعريب الإلزامي، في الصفوف الأولى من كليات الطب والأسنان، اعتبارا من أيلول (سبتمبر) 1980 "، على أن لايؤجل ذلك بأي حال من الأحوال". وأُلّفت لهذا الغرض لجنة مركزية، لمتابعة تعريب العلوم الطبية، فعقدت عدة اجتماعات درست أثناءها كل جوانب المشروع. وألفت عدة لجان لتأليف أو ترجمة الكتب الطبية، المقررة للصفوف الثلاثة الأولى من كليات الطب، فوضعت أو ترجمت الكتب التالية : الكيمياء العامة والعضوية، كتاب علم البيولوجي الطبي (علم الأحياء الطبية)، كتاب الفيزياء النظري، كتاب الفيزياء العملي، كتاب علم التشريح النظري، كتاب علم التشريح العملي، أطلس التشريح، كتاب علم الأنسجة، كتاب علم الأجنة، كتاب علم الكيمياء الحياتية، كتاب الفسلجة، كتاب ميورز في علم الأمراض، كتاب علم الطفيليات الطبية، كتاب علم الجراثيم، كتاب الطب العدلي (الطب الشرعي)، كتاب جراحة اليد والقدم والعظام والمفاصل والكسور. كما أعدت كتب مماثلة لتعليم طب الأسنان بالعربية، وطُبعت آلاف من هذه الكتب، لا تزال مكدسة في مخازن كليات الطب.
ولكن هذا الحماس للتعريب خف كثيراً وأجل حتى تلاشى بالمرة تقريبا. ولم يعرب تعليم الطب في أي من الكليات الطبية، وبقي التعليم بالإنكليزية إلا في حالات قليلة، كتعليم الطب الشرعي وبعض مواضيع صحة المجتمع والصحة النفسية. كما يدور الكثير من مناقشات التعليم السريري وبعض المناقشات العلمية بالعربية العامية، مع استعمال المصطلحات الأجنبية، إلا في بعض الحالات التي تستعمل فيها بعض المصطلحات الطبية العربية أيضاً.
وبقي التعليم في الكليات العلمية الأخرى (العلوم والهندسة) مزيجا من العربية والإنكليزية حسب رغبة الأساتذة المتمكنين من التدريس بالعربية.
وعندما تأسست الجامعة الأردنية في عمان عام 1962 كان التدريس في كلياتها الأدبية بالعربية، ولكن عندما استكملت الجامعة كلياتها العلمية صار التدريس في هذه المعاهد باللغة الإنكليزية.
ومنذ أن بدأ مجمع اللغة العربية الأردني أعماله في 1/10/1976، راح يسعى بكل جد ونشاط وموضوعية في الدعوة إلى تعريب التعليم الجامعي. وقد ساهم بذلك عمليا، إذ أصدر العديد من الكتب العلمية، وهيأ كتب السنة الأولى من الدراسة العلمية في كلية العلوم، حتى بدأ التعليم فيها بالعربية في العام الدراسي 1980 - 1981. وعند تقويم هذه التجربة وجد أن الرسوب في هذه العلوم قد هبط من 35% إلى 3% فقط.
لكن، بالرغم من هذه النتائج الباهرة، عاد المسؤولون، مع الأسف في العام الجامعي التالي، للتعليم باللغة الإنكليزية. كما بقي التعليم في كليات جامعة اليرموك وجامعة العلوم التكنولوجية بالإنكليزية، ما عدا العلوم الإنسانية والدراسات الأدبية التي تعلم بالعربية.