ولكن بسبب الظروف السياسية الخاصة التي تمر بها الجزائر، والأقطار العربية الأخرى، بصورة عامة حصلت بعض الانتكاسات في مسيرة تعريب التعليم العالي في هذا البلد، كما هو الحال في العديد من البلدان العربية الأخرى سواء في المغرب العربي أو في مشرقه.
أما في تونس فقد تقرر أن تبدأ خطة تعريب التعليم العام فيه عام 1958، لمدة عشر سنوات، على أن يبدأ التعريب أولاً في الدراسة الابتدائية، وأن يمدد بعد ذلك للدراسة الثانوية. وبدأ التنفيذ بصورة جادة ومخططة وبكل حزم، ولكن لم يكتب لهذه التجربة أن تعمر طويلاً، فقد انتكس التعريب عام 1968. كما أنه سبق وأن انتكس في معاهد ترشيح المعلمين ابتداء من سنة 1964، وعاد عند ذلك التعليم في تونس إلى اللغة الفرنسية، ثم عاد التوجه إلى تعريب التعليم مرة ثانية عام 1976.
ولكن التعريب لم يصل إلى الجامعات التونسية إلا في بعض مواضيع العلوم الإنسانية والاجتماعية والدراسات الأدبية، ولم يصل إلى التعليم العلمي والطبي إلا في حالات فردية محدودة، فقد قام مثلاً الأستاذ الدكتور أحمد ذياب بتدريس علم التشريح في كلية طب صفاقس باللغة العربية، وألف سلسلة من كتب وأطالس هذا العلم (بثلاث لغات العربية والفرنسية واللاتينية أو الفرنسية القديمة)، وأقبل الطلاب على دروسه بكل شوق ورغبة، وتوجهوا نحو التعريب بحماس، ولكنه واجه مقاومة عنيفة من إدارة الجامعة اضطرته مؤخراً إلى ترك التعليم في كلية الطب. وألف الدكتور أحمد مؤخرا معجما طبيا شيقا فرنسي - عربي.
أما في المغرب فقد حافظت جامعة القرويين على اللغة العربية القومية فيه، فقد تردد على هذا الجامع الكثير من رجال الأدب والفكر. كما ظهرت في المغرب المدارس الأهلية العربية منذ عام 1925، فتمكنت من مقاومة تيار الفرنسية لحدٍ ما. وبعد حصول المغرب على استقلاله بدأ يولي اللغة العربية كامل عنايته فأنشأ معهد الدراسات والأبحاث للتعريب عام 1960، ونظم أول مؤتمر للتعريب سنة 1961، انبثق عنه مكتب تنسيق التعريب في العالم العربي برئاسة الدكتور عبد العزيز بنعبد الله. وقام هذا المركز بدوره، خلال عمره الطويل، بأنشطة كبيرة في جمع الكثير من المصطلحات وتنسيقها وتنظيمها في معجمات متخصصة عديدة، وأصبحت مجلته "اللسان العربي"وسطاً حياً فعالاً في مناقشة أمور التعريب ونشر المصطلحات وأمور ومنهجيات وضعها. ونظم المكتب العديد من ندوات التعريب ومؤتمراته واجتماعاته وأشرف عليها ونشر أخبارها وتوصياتها وبحوثها.
كما قام معهد الدراسات والأبحاث للتعريب برئاسة الدكتور أحمد الأخضر غزال، وبواسطة حاسوبه ثنائي الأبجدية، على تخزين مواد البنك العربي للكلمات وقام بطريقته الخاصة على إصلاح المعجم وتنميط وتوحيد المصطلحات مما سهل إنشاء البنك العربي للكلمات وإصدار المعاجم المختلفة.
واتخذ قرار تعريب التعليم الابتدائي في المغرب عام 1967، ولكنه سرعان ما انتكس هذا القرار ولم يعرب إلا تعليم التاريخ والجغرافية والفلسفة فقط، ولم يعرب التعليم العلمي. ولتهيئة الأساتذة المتمكنين من تعليم هذه المواضيع بالعربية، افتتحت كليات الآداب والمدرسة العليا للأساتذة شعباً معربة عام 1962، ولكن لم تفتح مدارس عليا لتكوين أساتذة لتعليم العلوم والرياضيات إلا في عام 1978.
ويدرس العديد من الدراسات الأدبية والإنسانية والاجتماعية في جامعات المغرب بالعربية، ولكن لايزال التعليم في الكليات الطبية باللغة الفرنسية.
وعقدت خلال النصف الأخير من هذا القرن العديد من الاجتماعات والمؤتمرات والندوات لدراسة التعريب وشؤونه، وساهمت في ذلك المنظمات العربية المختلفة، كالجامعة العربية ومنظماتها، ومجلس وزراء الصحة العرب، ومجلس وزراء التعليم العالي والبحث العلمي العرب، ومجلس وزراء التربية العرب، واتحاد الأطباء العرب، واتحاد المهندسين العرب، واتحاد الجامعات العربية، والمجامع اللغوية والعلمية العربية واتحاد المجامع العربية، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ومكتب تنسيق التعريب في الوطن العربي والمجالس العليا للعلوم والآداب والفنون العربية، ومجلس اتحاد البحث العلمي العربي، والمنظمة العربية للمواصفات والمقاييس، والمكتب العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر بدمشق، والمركز العربي للوثائق والمطبوعات الصحية في الكويت، ومركز دراسات الوحدة العربية، ومعهد الدراسات والأبحاث للتعريب في المغرب، بالإضافة إلى المنظمة الدولية منظمة الصحة العالمية (مكتب شرق البحر الأبيض المتوسط) وهي من انشط المنظمات في حقل تعريب الطب. وتدعو كل هذه الهيئات إلى تعريب التعليم بمختلف مراحله في كل الأقطار العربية، وتعمل على إصدار الكتب العلمية المعربة والدراسات والابحاث والمعجمات والتوصيات، وتنظم الاجتماعات والمؤتمرات والندوات لتدارس أمور التعريب ومشاكله. وكمثال على هذه الأنشطة، نظم مكتب تنسيق التعريب سبعة مؤتمرات للتعريب كان أولها في الرباط (بدعوة من الحكومة المغربية) عام 1961، وآخرها مؤتمر الخرطوم بين 25/1-1/2/1994 درست كلها أمور التعريب المختلفة ومشاريع المعجمات وأمور المصطلحات وغير ذلك.
وأصدر المؤتمر الطبي العربي الرابع والعشرون المنعقد بالقاهرة (19-23/1/1988) قراراً مفصلاً شاملاً يوصي بتعريب التعليم الطبي واعتبار عام 1988 عام بدء التعريب في جميع كليات الطب وكليات العلوم الطبية في الوطن العربي.
وعقدت ندوة تعريب التعليم الصحي في الوطن العربي في دمشق في الفترة (5-7/12/1988) في دمشق بتكليف من جامعة الدول العربية ومنظمة الصحة العالمية، حضرها العديد من وزراء الصحة والتعليم العالي والبحث العلمي العرب، وأربعون عميد كلية طب وعلوم صحية في الوطن العربي، وممثلو المنظمات العربية المختلفة المعنية بشؤون التربية والتعليم، والرئيس الإقليمي بمنظمة الصحة العالمية. وأوصت الندوة بأن تكون السنوات العشر التالية التي تبدأ عام 1989 عقدا عربيا لتعريب التعليمين الطبي والصحي بصورة عامة. وقدمت في هذه الندوة ورقة عمل مفصلة، حول دواعي تعريب تعليم الطب وفوائده ومشاكله وتجاربه في أنحاء الوطن العربي. وأوصت الندوة بضرورة تنظيم مؤتمر موسع لإقرار خطة تنفيذية عامة لهذه العملية.
ونظمت منظمة الصحة العالمية (المكتب الإقليمي لشرق البحر الأبيض المتوسط) مؤتمراً لعمداء كليات الطب في الأقطار العربية، لدراسة هذا الموضوع، فانعقد مؤتمرها في الفترة 17-20 /6/1990 في القاهرة قدمت فيه ورقة عمل شاملة حول التعريب، تضمنت مشروعا لخطة تنفيذية لتطبيق تعريب التعليم الصحي والطبي خلال السنوات العشر التالية.
وشملت الخطة استعراضا لحالة التعريب الراهنة ومتطلبات عملية التعريب، بتفصيل شامل، مع مشروع لخطة تنفيذية عامة للتعريب الكامل، مع منهج زمني لتطبيقها خلال عشر سنوات بمراحل ثلاث، على أن يكمل تعريب التعليم الطبي في كل الكليات الطبية العربية عام 2000. ويعمل المكتب الإقليمي لشرق البحر الأبيض المتوسط لمنظمة الصحة العالمية، بكل جد ونشاط، في حقل التعريب بصورة عامة وفي تهيئة متطلباته. فبعد أن ساهم بفاعلية مرموقة في تهيئة المعجم الطبي الموحد، وخصوصا طبعته الثالثة، يعمل الآن بنشاط على إصدار طبعته الرابعة الموسعة. كما أنه أشرف على إصدار بعض المعجمات الطبية المتخصصة المصورة وذات التعاريف، مثل معجم العين وأمراضها ومعجم الوراثيات والعلوم البيولوجية الجزيئية، وأصدر بعض الكتب الطبية الدراسية، مثل كتاب الطب الشرعي، وهو في طريقه إلى إصدار كتاب الفيزيولوجيا الطبية والصحة النفسية وطب المجتمع والصحة العامة ومعجم الأعصاب وأمراضها، بالإضافة إلى الأعداد الكبيرة من النشرات الطبية في مختلف حقول الطب التي يصدرها البرنامج العربي للمنظمة باللغة العربية مستعملا المصطلحات الطبية التي تضعها لجانه المصطلحية. هذا بالإضافة إلى مساهماته الفعالة في كل اجتماعات ومؤتمرات ولقاءات التعريب التي ينظمها هو أو تنظمها الهيئات الأخرى.
وعقد المجمع اللغوي المصري في آذار الماضي اجتماعه السنوي لعام 1994 (الاجتماع الستون) وبحث في جزء كبير من اجتماعه موضوع تعريب التعليم العلمي العالي، وقدمت فيه عدة بحوث عن تعريب العلوم، كقضية وليس كوسيلة، وعن وضع المصطلحات العلمية وتوحيدها ونشرها، وأوصى بالتأكيد على توصياته السابقة بتعريب التعليم العالي والجامعي، بصورة عامة، وتعريب تدريس العلوم في المراحل الأولى من التعليم من غير تسويف ومن غير تباطؤ، على أن يستمر تطبيقه في المراحل اللاحقة. كما حث المجامع اللغوية على تكوين لجان إعلام وتوزيع فيها، لتوزع نتاجاتها ومنشوراتها ومقرراتها على أوسع نطاق. كما أوصى بحثّ المجامع اللغوية على تهيئة مراجع علمية مناسبة للتعليم العلمي الجامعي. وأيد اجتماع اتحاد المجامع اللغوية العربية الذي تلا ذلك هذه التوصيات وأكد على نشرها والتأكيد عليها.
وهكذا نرى أن جهودا حثيثة تبذل كل يوم في معظم بلداننا ومنظماتنا العربية المختصة، وفي هيئة منظمة الصحة العالمية، تتصدى لتعريب التعليم الطبي والكل مقتنع بضرورته وفوائده ويدعو إليه بحماس وتهيأ له الكثير من متطلباته، وما زلنا نعقد المؤتمرات والاجتماعات والندوات ونقدم مشاريع عملية وواقعية نؤمل أنفسنا بتحقيق التعريب الجزئي أو الكلي والتدريجي في كل الكليات الطبية العربية، ولكن في كل مرة تسود ظروف تطغى على مشاريعنا. وفي هذه المرة الأخيرة أيضاً، سادت ظروف طغت على التعريب وسرعان ما ضاع الحماس مع خضم الأحداث وانتكست معها كل عمليات ومشاريع التعريب في كل بلداننا العربية تقريبا وبدرجات مختلفة وتخاذلت الدعوة له.
وبالرغم من أن كل أنظمة وقوانين جامعاتنا العربية تنص بصراحة على أن لغة التعليم فيها هي العربية "إلا في حالات شاذة" تستحصل فيها موافقة مجالس الجامعات على ممارسة التعليم بغير العربية كحالة شاذة!!!... ولكن للأسف أصبحت هذه الحالات الشاذة هي القاعدة الملزمة المتبعة.
ويؤمن اليوم الكثيرون بضرورة استصدار قرار سياسي ملزم، من أعلى المستويات، ينص على ضرورة تطبيق القاعدة القانونية، وإلغاء الحالة الشاذة، وعلى ضرورة التعريب الإلزامي في كل كلياتنا وبجميع مراحلها، ولهذا فإنهم يعتقدون بأنه لم تعد لهذه الاجتماعات المتكررة، التي تعقدها هذه الهيئات في قاعاتها المغلقة لتكرر نفس القرارات والتوصيات، أية فائدة عملية تذكر في تحقيق أمنيتنا المشروعة. ويُعتقد بدلاً من ذلك أن علينا أن نخرج إلى وسائل الإعلام المختلفة، المكتوبة والمسموعة والمرئية، وإلى أساتذة كلياتنا الطبية والعلمية وطلابها، وإلى الرأي العام بصورة عامة، لنبين لهم بكل حماس وموضوعية ضرورة تعريب التعليم وفوائده، ونطالب بكل إلحاح بإصدار القرار السياسي الإلزامي الشامل لذلك.
وندعو الله أن يحقق أمانينا الخيرة المشروعة، إنه سميع مجيب.
المراجع والمصادر
1.محمد المنجي الصيادي : التعريب وتنسيقه في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1982.
2.عبد الكريم خليفة : اللغة العربية والتعريب في العصر الحديث، مجمع اللغة العربية الأردني 1987.
3.شحادة الخوري : تعريب التعليم الطبي والصيدلي في الوطن العربي، دار الرائد العربي، بيروت 1987.
4.شحادة الخوري : دراسات في الترجمة والمصطلح والتعريب، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق
5.قاسم سارة : التعريب، جهود وآفاق، دار الهجرة للطباعة والنشر، دمشق 1989.
6.المكتب الإقليمي لشرق البحر الأبيض المتوسط لمنظمة الصحة العالمية، تعليم العلوم الصحية والطبية باللغة العربية 1991
7.مجمع اللغة العربية الأردني : المواسم الثقافية للمجمع 1-8، 1983-1990.
8.المركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر، التعريب، الأعداد 1-5، 1990-1993.
9.صبحي الصالح : تقويم تجربة التعريب في المشرق العربي، المستقبل العربي، 39، 71 - 78، 1982.
10.عبد العزيز عاشوري : تقويم تجربة التعريب في تونس، المستقبل العربي، 39، 79-98، 1982.
11.فاطمة الجامعي الحبابي: تقويم تجربة التعريب في المغرب، المستقبل العربي، 39، 99-126، 1982.
12.محمود إبراهيم: تعريب التعليم الجامعي ، بحث مقدم إلى لجنة تنسيق التعريب ونشره المنعقدة في الكويت، شباط 1986.
13.صادق الهلالي: تعليم الطب بالعربية، شؤون عربية 47، 106-123 ، 1986.
14.صادق الهلالي: خطوات عملية على درب تعريب التعليم، شؤون عربية 50،56 - 67، 1987.
15.محمود حافظ : اللغة العربية في مؤسسات التعليم العام والعالي ووسائل النهوض بها في مصر، الموسم الثقافي السادس لمجمع اللغة العربية الأردني 7-30 ، 1988.
16.محمد جابر الأنصاري : التعريب الجامعي وحتمية المقاربة الميدانية، 151-189، 1988.
17.محمود قاسم نايت بلقاسم: اللغة العربية في مؤسسات التعليم العام والعالي وأسلوب النهوض بها في الجزائر، الموسم الثقافي السادس لمجمع اللغة العربية الأردني، 119 - 140 ، 1988.
18.صادق الهلالي: مشاكل تعريب التعليم الطبي وسبل معالجتها، شؤون عربية، 58، 49-59، 1989.
19.مطر الاحمدي: التعريب، خطر أم تطور، مجلة المجلة، جدة، 529، 27-35، 1990.
20.فهمي هويدي: مرثية فشل التعريب، مجلة المجلة، 529 36-37، 1990.
21.المؤتمر الطبي العربي الرابع والعشرون: قرار حول تعريب التعليم الطبي، القاهرة، 19-23/1/1988.
22.ندوة تعريب التعليم الصحي في الوطن العربي: ورقة العمل والقرارات والتوصيات، دمشق 5-7/12/1988.
23.مؤتمر عمداء كليات الطب في الأقطار العربية حول تعريب التعليم الصحي والطبي، ورقة العمل والقرارات والتوصيات، القاهرة 17 - 20 / 6 / 1990.
24.عبد العزيز الطيب إبراهيم: مسيرة التعريب ومشكلة المصطلح العلمي الموحد بجامعة الخرطوم (بحث مقدم إلى ندوة تطوير منهجية وضع المصطلح العربي) عمان 6-9 أيلول 1993.
25.الهيئة العليا للتعريب: وزارة التربية والتعليم والبحث العلمي في السودان، نشرة خاصة، الخرطوم، يناير (كانون الثاني) 1994.
26. Naguib Mahfouz The History of Medical Education in Egypt, Cairo, 1938.
27. Heyworth-Dunne J.: An Introduction to the History of Education in Modern Egypt, Lucaz, London, 1983.
28. Mathews, R.D. & Akrawi, M. : Education in the Arab Countries of The Near East, American Council on Education Washington D.C. , 1950.
---------------------
مجلة اللسان العربي عدد 43 :