لا ينبغي أن نخلِطَ مَسألةَ الهوية بنَزعاتٍ أخرى ذاتِ صبغةٍ طائفيةٍ، فقَد تتقنّعُ الطّائفيّةُ أحياناً بقناعِ الهوية الوطنيّةِ
والثّقافةِ الذّاتيةِ الوطنية فتحلّ محلَّها، والأخطرُ من ذلِك أن تُصادفَ نزعاتٍ تتّهمُ اللغةَ العربيّةَ بالعَجْز عن مواكبَة
العصرِ، وتُفضِّلُ عليها اللّهجاتِ العامّيّةَ المحلّيّةَ، وفي هذا السّياقِ نبّه الباحثونَ اللّسانيّونَ على أنّه لا يَسْتقيمُ أنْ
تَكونَ اللّهَجاتُ العامّيّةُ وسيطاً ثقافياً موازياً للغة العربية بدَعْوى أنّ اللّهجاتِ واقعيّةٌ حيّةٌ تعيشُ بين متكلّميها وفي
واقعِهِم، وبدعْوى أنّ العربيّةَ لُغَةٌ تُراثيّةٌ لا تُتقِنُها الأغلبيّةُ. فالحقيقةُ أنّ تسويةَ اللّهجاتِ العامّيةِ العربيّة باللغة العَربية
الفَصيحَةِ لَن يلبثَ أن ينقلبَ إلى خَصْمٍ عَنيدٍ مُنافسٍ، بكُلّ قِيَمِه السّلبيّةِ النّاسِفَة ؛ إذ يحدُثُ أن تقفزَ هذه القيمُ
السّلبيّةُ من الدّوارجِ والعامّياتِ إلى لسانِ الصّحافةِ الناطقِ وإلى ألسنةِ المعلّمينَ والمتعلّمينَ، وتُعزَلَ العربيّةُ عن
النّهوضِ برسالتها في التواصُل والتّعليم والتّنمية الثّقافية والاقتصاديّة، وتُصبِحَ عِبْئاً ثقيلاً وواقعاً ليسَ لَه من دافعٍ،
وهكذا فاللّهجاتُ العربيّةُ تُهدّدُ العربيّةَ الفَصيحةَ، ولقَد قاوَمَت الشّعوبُ العربيّةُ مؤامَرَةَ الاستعمارِ في إحلالِ العامّياتِ
محلَّ الفَصيحةِ؛ لأنّهم أدرَكوا أنّ التّمكينَ للهجاتِ العامّيةِ سيهْوي بالأمّةِ إلى مَكانٍ سَحيقٍ من التّفتُّتِ والتّمزّقِ،
وإلى ضياعِ مقوّماتِ الوحدةِ الحضاريّةِ والثّقافيّةِ والعَقَديّةِ.
مأخوذ من بحث شاركَ به كاتبُ السطورِ
في مؤتمَر قَطَر حول اللغة والهوية، ونُشرَ
في كتاب جماعيّ سنةَ[1434-2013]