تعلموا العربية أيها الجهلة (8)
معاني "الصمد" كلها عربية
بقلم / رياض بن حسن الخوام – جامعة أم القرى
كانت المقالة السابقة توطئة للحديث عن معاني "الصمد" والآن نقدم للقارئ الردَّ على المتنصر" رشيد" في أهم المعاني التي أثارها في مراجيحه وأكاذيبه، فنقول: إن المعاني المذكورة للصمد تتحقق بالذات الإلهية كما يراها المسلم حتى لو كان أصلها أعجمياً، وهي:
1 – المعنى الأول وهو المشهور عند أهل اللغة والتفسير أن الصمد: هو الذي تصمُد إليه الحاجات أي يُقصد (1) لكونه قادراً على قضائها، ولا يقدر على ذلك غيره (2) – وصمَدَ يصمُد صمْداً على وزن فعْل بمعنى مفعول –كالقبْض بمعنى المقبوض، لأنه مصمود إليه أي، يصمد إليه كل مخلوق في الرغائب والمصائب، وأنشدوا على هذا المعنى(3):
ألا بكَّر النَّاعي بخَيرَيْ بني أسدْ *** بعَمرو بنِ مسعودٍ وبالسيّد الصَّمدْ
2 - وقيل: هو المستغني عن كل أحد والمحتاج إليه كل أحد، لا يستغني الخلقُ عنه وهو الغنيُّ عنهم
3 - وقيل: الصمد هو السيد الذي انتهى إليه السؤدَدُ في أنواع الشرف فلا سيداً فوقه يقصد، قال الأزهري: أما الله تعالى فلا نهاية لسؤدده لأن سؤدده غيرُ محدود (4) قال الشاعر:
علَوتُه بحُسامٍ ثم قلتُ له *** خذها حُذيفُ فأنت السيدُ الصمدُ (5)
4 - وقيل: الصمد هو الدائم الباقي بعد فناء خلقه، فهو الذي لم يزل ولا يزول(6). ولعل منه قولهم: ناقة مصمادٌ، وهي الباقية على القُرِّ والجدْبِ الدائمة الرِّسل (7)
5 -وقيل: الصمد هو ما ذُكِرَ بعد من أنه "لم يلد ولم يولد
6 - وقيل: هو الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، أي السيد المطاع الذي لا يقضى دونه أمر
7 - وقيل: هو الكامل الذي لا عيب فيه، ومنه قول الزِّبرقان:
سِيروا جميعاً بنصفِ الليل واعتمِدوا ***ولا رهينةَ إلا سيدٌ صمَدُ (8)
8 – وقيل: هو الذي لا يأكلُ ولا يشربُ ولا يَطعَمُ، ولا يعطش ولا يجوع (9)
9 – وقيل: الصمد هو ما أشرفَ من الأرض، يقال: بناء مُصمَدٌ أي معلَّى، والصمدة: الصخرة الراسية في الأرض المستوية بمتن الأرض، وربما ارتفعت شيئاً قال الشاعر:
مخالفُ صُمدةٍ وقرينُ أخرى *** تجرُّ عليه حاصبهَا الشَّمالُ (10)
10- ولأن علماءنا يتصفون بالأمانة وجدوا أيضاً في كلام العرب أن الصمد يأتي بمعنى المُصْمَت بل إن ابن منظور قال: هما لغتان (11) وقال ابن عطية: وقال كثيرٌ من المفسرين: الصمد الذي لا جوفَ له، كأنه بمعنى المُصمَتُ " (12) ونسب الشوكاني هذا الرأي إلى: الحسن وعكرمة والضحاك وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب ومجاهد وغيرهم، قالوا: الصمد هو المصمت الذي لا جوف له ثم قال: ومنه قول الشاعر:
شِهابُ حروبٍ لاتزال جيادُه *** عوابسَ يَعلِكْنَ الشكيمَ المُصمَّدا(13)"
وقد نبه ابن عطية إلى أن تفسير الصمد بالمصمت الذي لا جوف له، فيه نظر، لأن الجسم في الآية فيه بُعدٌ عن الله تعالى وعن صفاته، ثم تساءل عن الغاية من هذه العبارات فقال: فما الذي يعطينا هذه العبارات؟ (14) وأكد ابن منظور على أن هذا التفسير أيضاً لا يليق بالذات الإلهية قال: "وقيل: هو المصمت الذي لا جوف له، وهذا لا يجوز على الله عزَّ وجلَّ (15) أما الشوكاني فحاول ربط هذا التفسير بغيره من الأقوال السابقة، لكنه أكد أن الرأي الأول –أي الذي تصمد إليه الأمور -هو الأَولى، قال : وهذا – أي هذا الرأي – لا ينافي القول الأول لجواز أن يكون هذا أصل معنى الصمد، ثم استُعمِلَ في السيِّدِ المصمودِ إليه في الحوائج، ولهذا أطبقَ على القول الأول أهلُ اللغة وجمهورُ أهل التفسير. (16)
إذن انتبه علماؤنا إلى أن هذا التفسير مع أنه عربي لا يليق بالذات الإلهية، وإنما ذكروه ونبهوا عليه لأن الأمانة شعارهم، وليست الخيانة كالتي نراها عندكم يا رشيد؟
والمستغرب أن "رشيداً" لم يعجبه مع صاحبه هذا القول الذي يجعل معنى الصمد: هو المصمت الخالي الجوف، فراح يستهزئ ويلوك لسانه كعادته حين يتخابث، والجواب يا جاهل فيما يأتي:
1- لقد ذكرنا فيما سبق أن مضمون هذا الرأي يؤدي إلى نفي أن يكون لله جسم، وذلك حين قال: لا جوف له، فلو كان له جوف، فسيحتاج للأكل والشرب، ومن ثمَّ إلى زوجة أو صاحبة، وبهذا الفهم ندرك قول من قال: إن الصمد هو الذي لا يأكل ولا يشرب كما ذكرنا لك يا مغفَّلُ، فالقولان يفسر بعضهما بعضاً أيها الجاهل، والتعبير بأن المُصمتَ هو الذي لا جوف له، هو تعبير دقيق، فإن قلت: لماذا استنكر بعض العلماء هذا المعنى؟ فالجواب: أن هذا الاستنكار هو ضربٌ من الورع العالي، وحبٌّ منهم في تنزيه الله عن إطلاق مثل هذه الأوصاف الآن عليه، فالقول بأنه لا جوف له كأنه جواب لسؤال مقدر، هل من جوف له؟، ومن يسأل هذا السؤال فهو ماكر خدّاع، لأنه يريد من ورائه أنه إذا كان له جوف فهو يأكل ويشرب، ومن ثمَّ يتزواج وقد تلد زوجه أي إن إثبات الجوف يستلزم الشرك في النهاية، لذلك من حكمة العرب أنهم قالوا: إن المُصمَتَ هو من لا جوف له، فكأن الله جعلهم يستشرفون مجيء بعض المشركين قديما وحديثا ليتحدثوا في هذه المسألة فألهم العربَ استعمال المصمت بمعنى لا جوف له، إنه من لدن حكيم خبير ورحم الله علماءنا القائلين: إن العرب لاتنطق إلا عن حكمة (17) ولتعلم أن هناك تفسيراً آخر يحتمله قولهم إن المصمت هو من لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب ولا يطعم، إذ يمكن القول: إن مثل هذا يكون قوياً صلباً ثابتاً، وهذه المعاني مأخوذة من قولهم: الصمدة الصخرة الراسية في الأرض، ومن قولهم: الصمد من الرجال الذي لايعطش ولا يجوع في الحرب: ومن قولهم: المُصمَّدُ الصُّلبُ الدي ليس فيه خور (18) فهذه المعاني كلها تلتقي لتكون معنى من معاني الصمد وهو القوي الشديد الجبار، واللغة تفسر نفسها، والعرب كما ذكرنا لاتصدر إلا عن حكمة
2- لماذا لم تذكر ما قاله الشوكاني في تفسيره لقول من قال: إن الصمد هو المصمت أي الخالي من الجوف، ألا تعرف الأمانة العلمية؟ اذكر كل ما قاله علماؤنا ثم تكلم.
لقد أشار الشوكاني إلى أن هذا التفسيرلايتنافى مع المعاني المشهورة تلك التي ذكرناها لمعنى الصمد، فكون الصمد هو المصمت أي الذي لا جوف له هو معنى لغوي أصيل أصابه تطور دلالي، وهذه ظاهرة لغوية عربية شائعة، فلفظة الرائد مثلا تطلق في الأصل على من يستطلع الكلأ لقومه ثم صارت الآن تطلق على رتبة عسكرية في الجيش ثم انظر إلى معنى الصلاة والزكاة كيف تطورت معانيهما، ولتعلم أن هذه الظاهرة واضحة كثيراً في الألفاظ الشرعية وها نحن نتحدث في قضية شرعية أيضاً، فانتبه إلى عظمة لغتنا أيها الجاهل المختوم على قلبه، المرتد عن دينه، فلا تنافي بين الأقوال كما قال الشوكاني.
3- وثمة أقوال أخرى أوردها أهل اللغة لمعنى المُصمت من المؤكد أنك وقفت عليها وتجاهلتها فلم تذكرها لأنها حجة عليك إذ تفيد التوحيد الخالص منها:
أ- أن الصمد والمصمت لغتان، نص على ذلك ابن منظور (19) - كما ذكرت من قبل - فليس بلازم أن يكون المصمت هو من لا جوف له فقط، بل معناه هو كل معاني الصمد المذكورة.
ب- ذكر ابن منظور: أن المَصمتَ في اللغة هو: المُبهَمُ، يقال: بابٌ مُصمَتٌ، وقُفْلٌ مُصمَتٌ: مبهم قد أُبهِمَ إغلاقُه، وأنشد:
ومن دون ليلى مُصمتاتُ المَقاصدِ (20)"
وأرى أن هذا المعنى يليق بالذات الإلهية، فهو سبحانه وتعالى لا تُدرَكُ حقيقةُ ذاته إلا بما أُخبرنا به، فهي مبهمة مصمتة بعُدتْ عن إدراك البشر، ولا نعرف منها إلا ما حدثنا الشارع الحكيم عنها، فكأنه سبحانه وتعالى يريد أن يقول - لهؤلاء الذين قالوا للرسول صفه -: هو الله أحد لا تدركه الأبصار ولا تحيط بكنهه الأفكار، لأن المخلوق لا يستطيع أن يحيط بخالقه،
فهو مُقفَل في نهاية الأمر على أفهام خلقه المخلوقين، سوى ما أخبرنا به سبحانه وتعالى عن نفسه، فليس كمثله شيء، وهو أحدٌ صمدٌ لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.
ت- قال ابن منظور "وثوب مُصمَتٌ لونُه لونٌ واحد ، لا يخالطه لونٌ آخر، ونقل عن الجوهري قوله: المُصمَتُ من الخيل البُهم أي لا يخالط لونَه لونٌ آخر، وحَلْيٌ مُصْمَتٌ إذا كان لا يخالطه غيرُه (21) فهذا المعنى يدل على أن الله سبحانه وتعالى لا يخالطه شيء، أي لا يشركه شيء، فليس له صاحبة و لا ابن ولا ولد، وليس له شبيه ولا مماثل، فهو لا يجانَس كما يقول الزمخشري (22) ، ولا ريب أن هذا المعنى يتفق مع المراد من السورة، وهو توحيد الله سبحانه وتعالى، والمهم أن الخبثاء تركوا المعنيين اللذين ذُكرا في معاجمنا اللغوية، وراحوا إلى المعنى الذي ظنوا أنهم يشوشون به على المسلمين مع أنه حجة عليهم في الدرس اللغوي لو كانوا يفهمون لغتنا العربية، ومن هذا نخلص إلى أن لا مشكلة إذا قلنا: إن الصمد معناه المصمت، فالعرب استعملت اللفظتين ومعانيهما كلها لا تتعارض أبداً مع حقيقة الذات الإلهية التي أخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم عنها من خلال هذه السورة الكريمة، فلا تحاولوا التشكيك، فما ذكرتموه تنبه إليه علماؤنا ووضحوا مُبهمَه المُستغلِقَ عليكم، ولقد أوردنا لكم ما لا يسعكم ردُّه من معاني للصمد وللمصمت في لغتنا، وكل ذلك يعد حجة عليكم، ويؤكد أن رسولنا نقل الصمد عن جبريل ولا داعي يدعوه إلى تغييرها أو تبديلها أو أخذها من سريانية أو عبرية حسب ما تهرفون به وتخرفون ، قل: هاتوا برهانكم إن كان لديكم دليل يدل على أنه أخذها من التوراة , أو الإنجيل، لقد بات زعمكم هشيماً تذروه الرياح، "فلن تستطيع له طلباً "لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً.
إن كل دلالات المُصمَتِ ومعانيها تؤكد على التوحيد الخالص، لكن رشيداً وضيفه بعد استخفافهما بمعنى لفظة المصمت العربية راحا يشتكيان من مرض الوسواس القهري فيرددان كالببغاء القول: إن الصمد لفظة سريانية، ومعناها المصمت، ومعنى المصمت عندهم هو (الجمع والاقتران والربط) والغاية من هذا التوجيه الوصول إلى أن الصمد معناه (المجمّع) يؤكد ذلك عندهم أن "أحد" في قوله تعالى معناه الواحد العددي، فيصير المعنى العام (قل هو الله الموحّد المجمّع )من الثلاثة الأب والابن وروح القدس ، ولم يشيرا لخبثهما إلى المعاني التي ذكرناها الدالة على عقيدة التوحيد الخالص ، وهما يريدان الوصول إلى أن رسولنا الكريم أخذها من الآرامية وغيَّرَ وبدَّلَ؟ وللإجابة عن ذلك نقول:
1- إن معنى الجمع الذي أشرت إليه على أنه سرياني، ذكرته معاجمنا وذلك حين قالوا "الصمد الضِّرابُ " ففيه كل المعاني التي زعمتم أنها سريانية، لأنه لا يتم الضِّراب من غير اقتران واجتماع، أما المعنى الثالث الذي قلتم عنه إنه سرياني أيضا وهو الربط، فهو يُستوحى من قولهم: الصمد: ما يلفه الإنسان على رأسه من خرقة أو منديل " (23) لذا فالمعاني عربية، ولا داعي لالتماسها من خارج العربية.
2- إن هذه المعاني "الجمع والربط والاقتران"، تندرج في المعاني التي ذكرها المفسرون لمعنى الصمد، ولكن ليس على ما يزعمه النصارى بل على طرق العربية والعرب، ونذكر هنا أن القرآن نزل على لغة العرب، وليس على لغة العجم، فالجمع والاقتران والارتباط كلها تحصل حين ترفع الخلائق كلها احتياجاتها – الرغائب والمصائب - إلى الله، فيتحقق الجمع في أمرين: أولهما: حين أجمعت الخلائق على فكرة رفع حوائجهم ورغباتهم إلى الله، وثانيهما: أن ما يُرفع إلى الله هو كل شيء من رغائب أو مصائب، أما الارتباط والاقتران فيتحققان في إيمان الخلائق أنه سبحانه وتعالى "يصمد إليه كلُّ شيء" أي يرتبط به كل شيء أو كما قال ابن منظور _ خلق الأشياء كلها لا يستغني عنه شيء "(24) فكل خلقه مرتبط به ومقترن به لأنهم "لا يستغنون عنه وهو الغني عنهم(25) "
وليعلم الجاهلان أن تأويل الصمد بأنه المُصمّدُ أي الموحَّد والمجمَّع، يتناقض مع لفظة "أحد " في قل هو الله أحد" إذ كيف يكون "أحد" ومعناه في اللغة المنفرد الذي لا يتجزأ ولا يعدد، ثم نقول: إنه مجمّع من ثلاثة؟ وكنا قد ذكرنا لكم في الفرق بين الأحد والواحد أن الأحد عند العرب هو الواحد الذي لا يتجزأ وقلنا أيضاً: إن الدليل على هذا الفهم أنه سبحانه وتعالى ذكرَ بعد ذلك "ولم يكن له كفوا أحد "أي إذا نفى المكافئ، فذا يعني نفي الثاني، فنفي الثاني دل على أن ليس المراد بأحد هو الواحد العددي، بل المراد الواحد بمعنى الأحد المنفرد، فلا نظير ولا شبيه ولا ند ولا ضد ولا صاحبة ولا ولد، فافهم يا غليّم يا رشيد.