كثُر الجدلُ بين مُجوِّزٍ ومانعٍ استعمالَ مَبروكٍ في مقام التهنئة والدعاء بالبركة، مِثْلُه مثلُ مُبارَكٍ؛ فأقول: إنّ الفعل اللازم المجرد برك أصل ثلاثي يدل على ثبات الشيء، واستعمال اسم مفعوله في التهنئة والدعاء يُحمَل على فعله اللازم المجرد، فيتعدّى بحرف الجر، فإذا قيل مبروك كان بمعنى فعله المبني للمفعول بُرِك،َ مع ما يحمله اسم المفعول من دلالة الحدث ومَن وقع عليه، فقولك مبروك عليك بمعنى بُرِك عليك، وهذا لا يبدو موافقا للتهنئة والدعاء، ويزاد على ذلك أن المستعمَل في التهنئة والدعاء في اللغة الفعل المزيد بارك وما يتفرع منه ، وهو يتعدى مباشرة أو بفي أو بعلى أو باللام، فيقال: باركك اللهُ وبارك فيك وبارك عليك وبارك لك، وكلها جائز، وفي اسم مفعولها مُبارَكٌ لك وعليك وفيك. فإذا قيل لمن يجيز في التهنئة مبروكًا: أَتقول في فعله المبني للمفعول بُرِكَ عليك، في التهنئة والدعاء له بالبركة؟ صَمَتَ؛ لأنه يعلم أن المعنى في الفعل المجرد مناقض لما أراد أن يجيزه في اسم مفعوله. وأما قول العرب بَرِيْكٌ فالقياس في الوصف من الفعل المضموم العين بَرُكَ يكون على زنة فعيل لا على مفعول، وقد قيل طَعامٌ بَرِيكٌ كأَنّه مُبارَكٌ فيهِ، ولم ترد لفظة مبروك في اللغة دالةً على التهنئة والدعاء بالبركة، والوارد في ذلك الفعل المزيد وما يتفرع منه، فاستعملوه مزيدًا في التهنئة أو الدعاء، ولم يستعملوه مجردًا في هذه الدلالة، فقالوا بارك في المبني للفاعل، وبُورِك في المبني للمفعول، وعلى ذلك يُحمَل عليه اسم فاعله واسم مفعوله؛ فاستعمال الأفعال يكون على وفق دلالتها المسموعة في سنن العرب في كلامها، ولا يجوز تناوب دلالات الأفعال فيما لم يأت بمعنى واحد، أرأيتَ كيف أن الفعلين صبر وصابر من جذر لغوي واحد، وهما متقاربان في الدلالة، ومع ذلك فرّق القرآن بينهما لِمَا فيهما من فروقات دلالية تنماز بها، فقال اصبروا وصابروا، ولو ساغ تبادلهما الدلالي، لقيل في مقام الصبر صابروا، وفي مقام المصابرة اصبروا، فثَمَّ فرقٌ!، فما بالكم بالفعلين برك وبارك، إذ لم يستعمل العرب البتَّةَ الفعل برك في مقام التهنئة والدعاء، ولم يستعمل الفعل بارك في مقام البروك، فلكل دلالته، وتنسكب دلالتهما على مشتقاتهما، فمبروك من بُرِك، ومُبارَك من بُورِك، ولكل مقصده ودلالته واستعماله عند العرب، وما شاع عند كثير من المحدثين قولهم مبروك في مقام مبارك، شاعت مثله استعمالات كثيرة جانبت الصواب، وتوجيهها يكون ببيان مخالفتها للصواب، لا بتسويغ استعمالها من باب عدم تحجير واسع، بل التحجير في إدخال الاستعمالات بعضها في بعض، لأن اللغة وسعت الفعلين المتجذرين من أصل واحد بدلالتين مختلفتين للتفريق بينهما، ولإعطاء كل لفظ حقَّه؛ وصواب مهجور خير من خطأ مشهور .