تعــدي (حسد) و (ودَّ) بـ (مِنْ)
والفعل (حسد) يتعدى إلى مفعول باتفاق ، كما يتعدى إلى المفعول الثاني إما بنفسه فتقول : حسدتُّهُ نعمة الله ، وحسدتُّهُ الشيءَ ، وإما بالحرف (على) فتقول: حسدته على نعمة الله ، وحسدته على الشيء.
أما الفعل (ودَّ): فهو أيضًا متعدٍّ ، يتعدى إلى مفعوله بنفسه لا بالحرف تقول :ودِدْت – بالكسر – الرجل وُدَّ ًا، وودًّا، ووَدَّ ًا، أي أحببته.
وفي ((الكشاف))ذهب أبو القاسم الزمخشري إلى أن قوله تعالى: ((من عند أنفسهم)) في قوله: ((وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ)) [البقرة:109]، يتعلق إما بـ (حسد) ، والتقدير: أي حسدًا بالغًا منبعثًا من أصل أنفسهم ، وإما بـ (ودَّ) ، والتقدير: أي تمنوا ذلك من عند أنفسهم وتشهيهم لا من قبل التدين والميل مع الحق .
وتابعه في ذلك البيضاوي، وأجازه ابن عطية الغرناطي، والعكبري، وقال الشهاب الخفاجي : ((إنه منقول عن مكيٍّ – ثم عقب قائلاً - : وردَّه الشجري في ((أماليه))، بأنه لم يعرف تعدي (حسد) ، و(ودَّ) بمن ، فهو مستقر أي حسدًا وودًّا كائنًا من عند أنفسهم ، وقيل: إنه مرادهم هذا والتعلق معنوي ، وهو معمول معموله ، فكأنه معموله ، وكثيرًا ما يريدون ذلك ، وقيل : إنه على الأول لغو ، ومِنْ ابتدائية ، وعلى الثاني مستقر ، وكلام المصنف - رحمه الله – ظاهر فيه)).
وقد يُعدَّ ما في هذه المسألة من باب التضمين الذي قد يُصيِّر الفعل اللازم متعديًا كما في قوله تعالى: ((وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)) أي : لا تنووا ؛ لأن عزم لا يتعدى إلا بـ ((على)) ، تقول : عزمت على كذا لا عزمت كذا)) ؛ لأن التضمين كما قال ابن هشام في ((المغني)) :
((يختص عن غيره من المعدِّيات بأنه قد ينقل الفعل إلى أكثر من درجة)).
ولكن إلى أيِّ معنىً يتضمن الفعل (حسد) إذا عدَّيناه بـ (مِنْ)؟
فالأولى أن يُذهب في تعلق الجار والمجرور (من عند أنفسهم) كما قال أبو حيان: ((إمَّا بملفوظ به وهو (ودّ) ، أي ودوا ذلك من قبل شهوتهم، لا أن ودادتهم ذلك من جهة التدين الحق .. وإما بمقدر، فيكون في موضع الصفة، التقدير: حسدًا كائنًا من عند أنفسهم ، وعلى كلا التقديرين يكون توكيدًا ، أي ودادتهم أو حسدهم من تلقائهم)).