قلبُ الصَّادِ زايًا محضةً
ذكر أبو بكر بن مجاهد في كتابه «السبعة»: أن الأصمعي روى عن أبي عمرو أنه قرأ (الصِّراط) في قوله عز وجل: ((اهدنا الصراط))( 1)،: (الزِّراط) بالزَّاي الخالصة. (2 )
والأصل في هذا الحرف في اللغة (السِّراط) بالسين؛ لأنه من السَّرْطِ، من قولهم: سَرِطْتُ الطعام أسْرَطُهُ إذا بَلَعْتُهُ ( 3)، وسُمِّى الطريق سِرَاطًا لجَرَيان الناس فيه كجريان الشـيء المُبْتلع( 4)، وحجة مَنْ قرأ بالسين (5 ) :أن السين أصل هذا الحرف، ولا ينتقل عن الأصل إلى ما ليس بأصل ( 6)،ومن قرأ بالصاد ( 7) قلب السين صادًا لتجانس الطاء في الإطباق، والسين تشارك الصاد في الصَّفِير والهَمْس؛ فلما شاركت الصاد في ذلك قرُبتْ منها فكانت مقاربتها لها مُجوِّزةً قلبها إليها لتجانس الطاء في الإطباق ولتؤاخى السِّينَ في الهَمْسِ والصَّفِيْرِ. (8 )
أما قراءة من قرأ بقلب الصاد زايًا محضة (الزِّراط) التى نقلها الأصمعي عن أبي عمروٍ فقد أثار الفارسي الرَّيْبَ فيها حاملًا على الأصمعي في نقله لها، حيث قال- نقلًا عن ابن مجاهد-: «وأما الزاي فأحسب الأصمعي لم يضبط عن أبي عمروٍ، لأن الأصمعي كان غير نحوي، ولست أحب أن تُحمل القراءة على هذه اللغة، وأحسب أنه سمع أبا عمروٍ يقرأ بالمضارعة للزاي فتوهمها زايًا». (9 )
ويقصد بقوله: ( يقرأ بِالمُضَارَعةِ للزاي) قراءة مَنْ أَشَمَّ الصاد زايًا. (10 )
قصد أن يجعلها بين الجهر والإطباق؛ لأنه رأى جهر الطاء وإطباقها فأتى بالصاد مراعاة للإطباق، وأشَمَّهَا شيئًا من الزاي مراعاة للجهر، أما من قرأ بقلب الصاد زايًا فلأن الزَّاي تؤاخي السين في الصفير، وتقرب من (الطاء)؛ لأنه حرف مجهور مثل الطاء ( 11).
ويبين الفارسي حُجَّته على وَهْيِ قول الأصمعي بقوله:
« فأما القراءة بالزاي- يعني الخالصة – فليس بالوجه، وذلك أن من قال في (أصْدَرت): أزدرت، وفي (القَصْد):القزد، فأبدل من الصاد الزاي، فإنه إذا تحركت الصاد فى نحو: صَدَرْتَ، وصَدَقْتَ لم يبدل،فإذا لم يبدلوا الصاد زايًا إذا تحركت مع الدال وكانت الطاء في (الصراط) مثل الدال في (القصد) في حكم الجهر، فكذلك ينبغي ألا تبدل من السين الزاي في (سِرَاطٍ) من أجل الطاء؛ لأنها قد تحركت كما تحركت في (صَدَقْتَ)مع أن بينهما في (سِرَاط) حاجزين». ( 12)
يعنى أبو علي أن من قلب الصاد في (الصِّراط) زايًا خالصة لم يتجه له هذا كما اتجه لمن أبدلها في نحو:(أصْدَرْت)،و(القَصْد) فقال: أزْدَرْت وقَزْد؛لأن شرط الإبدال- أي عند من نطق به لغةً – إسكان الصاد،فإذا تحركت لم تبدل لوقوع حاجز بين الصاد والدال،وفي ذلك قال سيبويه: « فالصاد الساكنة إذا كانت بعدها الدال، وذلك نحو (مَصْدَر)،و(أصْدَر)،و(التَّصْدِير)؛لأنهما قد صارتا في كلمة واحدة كما صارت مع التاء في كلمة واحدة في (افْتَعَلَ) فلم تدغم في التاء لحالها التي ذكرتُ لك ولم تدغم الدال فيها ولم تبدل؛ لأنها ليست بمنزلة اصْطَبَرَ وهي من نفس الحرف ، فلما كانتا من نفس الحرف أجريتا مجرى المضاعف الذي هو من نفس الحرف من باب (مَدَدتُّ) فجعلوا الأول تابعًا للآخر فضارعوا به أشبه الحروف بالدال من موضعه وهو (الزاي)؛لأنها مجهورة غير مطبقة ولم يبدلوها زايًا خالصة كراهية الإجحاف بها للإطباق.. وسمعنا العرب الفصحاء يجعلونها زايًا خالصة كما جعلوا الإطباق ذاهبًا في الإدغام، وذلك قولك في (التصْدير):التزدير،وفي (القصْد): القزد،وفي (أصْدَرْتُ): أزْدرت، وإنما دعاهم إلى أن يقربوها ويبدلوها أن يكون عملهم من وجه واحد، وليستعملوا ألسنتهم في ضرب واحد؛ إذ لم يصلوا إلى الإدغام ولم يجسروا على إبدال الدال صادًا؛ لأنها ليست بزيادة كالتاء في افتعل والبيان عربي، فإن تحركت الصاد لم تبدل؛لأنه قد وقع بينهما شـيء- يعني حاجز الحركة – فامتنع من الإبدال؛ إذ كان يترك الإبدال وهي ساكنة». (13 )
ومن خلال كلام سيبويه يتضح أن العلة في عدم إبدال الصاد زايًا عند جمهور العرب هي كراهية الإجحاف بالصاد؛ لأن في إبدالها تفويتًا لأخص صفاتها وهو الإطباق، وعلى الرغم من ذلك فإن من سمع عنهم من العرب إبدالها زايًا محضة لم يكن ذلك مطلقًا بل كان مقيدًا بسكون الصاد طردًا لهذا الباب عندهم، واستعمالًا لأنفسهم في وجه واحد، فإذا ما تحركت الصاد لم تبدل؛ لأنك إذا قلت: (صَدَقَ) فقد أوقعت بين الصاد والدال حاجزًا بالحركة فامتنع من أجل ذلك الإبدال لقبحه وعدم قوته لا سيما وقد كان الشائع المعمول به عند الجمهرة ترك الإبدال والصاد ساكنة، وسيبويه يجعل مضارعة الصاد للزاي بعيدة في نحو (الصِّراط)،و(مَصَادر)؛لأنها تخل بالإطباق في الصاد (14 )،فمن باب أولى يبعد إبدالها زايًا خالصة؛لأنك إذا قلت في (سُقْت): صُقْت بإبدال السين صادًا فقد وضعت موضع السين حرفًا أفشى في الفم منها للإطباق، فلما كان تحقيق الصاد وبيانها في (الصِّرَاطِ) أحسن من (الزِّرَاطِ) لم يجز البدل عنده.
ومما جاء جاريًا على كلام سيبويه ما حُكِي عن حمزة أنه كان يقرأ (الصِّراط) بإشمام الصاد زايًا
- جريًا على لغه المضارعة - وروي عنه الإبدال زايًا خالصة مطلقًا،حكاه عنه الفراء ( 15)؛ لأنه لما رأى أن الصاد في (الصِّراط) تخالف الطاء أبدلها زايًا؛لأن الصاد مهموسة والزاي مجهورة (16 )، وحكي عنه أيضًا أن الإبدال في الصاد الساكنة فقط، فإذا تحركت لم يقلبها زايًا ( 17)، وهو بذلك جرى على لغة من سمع سيبويه وذكر أنهم من فصحاء العرب، وروي أنه إنما كان يشم الصاد الساكنة زايًا، ولا يفعله بالمتحركة،حكاه عنه الكسائي. ( 18)
ويروى الإبدال عن قطرب أيضًا، وذكر ابن سيده أن الفارسي لم يكن يرى قول قطرب في هذا النحو صوابًا. ( 19)
ويروى أيضًا عن أبي مجالد عن عاصم (20 ).
وعامة متأخري اللغويين جروا مجرى أبي علي في تخطئة الأصمعي فيما رواه عن أبي عمروٍ (21 )، وبعضهم يجعلها لغة في (الصِّراط) ( 22)، وبعضهم يقصر ذلك على السماع ( 23)، وبعضهم أنكر أن تكون هذه لغة معروفة ( 24).
ومما يضعف موقف الأصمعي أن سائر الرواة - عدا الأصمعي - رووا عن أبي عمرو (الصِّراط) بتحقيق الصاد ( 25)، كما أن (الصراط) كتبت بالصاد في المصحف الإمام وكذلك في جميع المصاحف، واتباع الرسم أولى ( 26)،كما أنها هي اللغة الفصحى ولغة قريش وبها قرأ الجمهور. (27 )
وذهب بعض اللغويين كالزبيدي إلى أن تخطئة الأصمعي تحامُلٌ ولا ينبغي؛ « ولا يلتفت إليه؛ مع موافقته لحمزة،وأبي عمرو في إحدى الروايتين» (28 )، ورجح النحاس أنه لا يجوز أن تبدل صاد (الصراط) زايًا إلا أن تكون ساكنة (29 ).
والذي يظهر أنه إذا ثبتت القراءة من غير طريق ورويت عن أكثر من واحد، وسمعت من العرب، فلا ينبغي توهيم من نقلها، وعليه فيمكن تبرئة الأصمعي من الوهم في النقل ولاسيما أنها قد نقلت عن عاصم وحمزة وهما من هما في كبراء القراء .
_______________________
( 1) [سورة الفاتحة: 6].
( 2) السبعة 105-106 .
( 3) معجم مقاييس اللغة 3/152 .
( 4) التبيان في إعراب القرآن 1/8 .
(5 ) وقرأ بها قنبل، ورويس، وابن كثير في إحدى روايتيه وأبي عمرو في رواية، وقرأ بها ابن عباس،وانظر: السبعة 105 ، الحجة لأبي على 1/49 ، إعراب النحاس 1/174 ، حجة القراءات 80 ، الكشاف 1/121 ، المحرر الوجيز 1/74 ، البحر 1/143 ، إتحاف فضلاء البشر 1/365 .
(6 ) الحجة لابن خالويه 62 ، الحجة لأبي علي 1/49 ، حجة القراءات 80 .
(7 ) وهي لغة قريش والجمهور، ورواية عن ابن كثير، وأبي عمرو،وانظر: السبعة 105 ، الحجةلأبي علي 1/49 ، حجة القراءات 80 ، الكشاف 1/121 ، البحر 1/143 ، الإتحاف 1/365 .
( 8) الحجة لابن خالويه 62 ، الحجة للفارسي 1/49-50 ، السبعة 107 ، كشف المشكلات 1/8 ، البيان لابن الأنباري 1/38 ، الدر المصون 1/64 .
(9 ) الحجة 1/51 .
(10 ) وهي قراءة حمزة في رواية، وأبي عمرو في رواية، وقراءة قيس،وانظر: السبعة 106 ، الحجة لأبي علي 1/49 ، إعراب النحاس 1/174 ، حجة القراءات 80 ، المحرر الوجيز 1/74 ، البحر 1/143 ، الدر المصون 1/65 ، الإتحاف 1/365 .
( 11) السبعة 107 ، الحجة لابن خالويه 63 ، الحجة للفارسي 1/50 ، كشف المشكلات 1/9 ، البيان 1/38 ، التبيان 1/8 .
( 12) الحجة لأبي علي 1/53-54 .
( 13) الكتاب 2/426 .
(14 ) السابق 2/427 .
( 15) السبعة 106 ، حجة القراءات 80 ، البحر 1/143 .
(16 ) كشف المشكلات 1/8 ، وانظر: الحجة لأبي علي 1/50 .
(17 ) السبعة 106 .
( 18) السبعة 106 ، معاني القرآن للكسائي 60 ، تهذيب اللغة 13/179 .
( 19) المخصص 13/273 .
( 20) تهذيب اللغة 13/179 ، اللسان 1826 (زرط) ، تاج العروس 19/321 (زرط) .
( 21) انظر: المخصص 13/273 ، اللسان 1993 .
( 22) انظر: المحيط 9/27 ، تهذيب اللغة 13/179 ، حجة القراءات 80 ، البحر 1/143 .
( 23) كالرضي، وانظر: شرح شافية ابن الحاجب 3/231 .
( 24) كأبي حاتم، وانظر: الحجة للفارسي 1/51 ، المخصص 13/273 .
(25 ) السبعة 105 ، التهذيب 3/179 ، تاج العروس 19/322 .
(26 ) السبعة 106 ، حجة القراءات 80 ، الكشاف 1/121 ، البحر 1/143 ، الدر المصون 1/65 .
(27 ) الكشاف 1/121 ، البحر 1/143 ، تاج العروس 19/345 .
(28 ) تاج العروس 19/345 .
( 29) إعراب القرآن للنحاس 1/174 .