«طَاغُوتٌ» بين المصْدَرِيَّةِ والجَمْعِيَّةِ
«الطَّاغُوتُ» اسم جنس مفرد عند سيبويه، مؤنث،ويقع على الجمع والواحد،قال سيبويه : «فأما «الطَّاغُوتُ» فهو اسم واحد مؤنث، يقع على الجميع كهيئته للواحد، وقال عز وجل : ((والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها))( 1)»( 2) .
أما المبرد فمذهبه في المسألة أنه جمعٌ وليس اسمًا مفردًا ، نقل عنه ذلك ابن السـراج فقال : « «وطَاغُوتٌ» فيه اختلاف، فقومٌ يقولون: هو أحدٌ مؤنث ، وقال قوم: بل هو اسم للجماعة، قال الله تعالى : ((والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها)) فهذا قول ، قال محمد بن يزيد : والأصوب عندي والله أعلم أنه جماعة»( 3).
وقد نقل الفارسي كلام المبرد ثم أعقبه قائلًا:
«وليس الأمر عندنا على ما قال، وذلك أن الطاغوت مصدر؛ كالرَّغَبُوتِ والرَّهَبُوتِ، والمَلَكُوتِ، فكما أن هذه الأسماء التي هذا الاسم على وزنها آحاد وليست بجموع فكذلك هذا الاسم مفرد وليس بجمع،والأصل فيه التذكير، وعليه جاء : ((وقد أمروا أن يكفروا به))( 4) ، فأما قوله عز وجل: ((أن يعبدوها)) فإنما أَنَّثَ على إرادة الآلهة التي كانوا يعبدونها ، ويدلُّ على أنه مصدر مفرد قوله: ((أولياؤهم الطاغوت))(5 ) فأفرد في موضع الجمع كما قال : ( 6)
* هُمُ بَيْنَنَا فَهُمُ رضًا وهُمُ عَدْلُ *»(7 )
يقصد الفارسي أن الطاغوت اسم بمنزلة الطُّغيان، كما أن الرَّهبوت بمنزلة الرهبة، والملكوت بمنزلة المُلك ، والرَّحموت بمنزلة الرحمة ، لكنه وُصِفَ به كما وصف بسائر المصادر ، فذكر مرة إما حملًا على اللفظ كقوله تعالى : ((وقد أمروا أن يكفروا به))، وإما قصدًا للإفراد ، حتى كأنه قيل : يريدون أن يتحاكموا إلى الصنم، فإذا أَنَّثَ حمل على المعنى، وهو أنه وصف لآلهتهم، فكأنه قال : اجتنبوا الآلهة الطاغوت أن تعبدوها، فعاد الذكر إلى الموصوف بالطاغوت، كما قال سبحانه: ((أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات))كأنهم أولياؤهم الطغاة يخرجونهم وأولياؤهم أولو الطغيان، فكما عاد ضمير الجمع الذي هو (الواو) إلى (أولياؤهم)، كذلك الضمير في((يعبدوها)) يعود إلى الأصنام والآلهة التي وصفت بالطاغوت، كما يوصف بالمصادر في نحو: رجلٌ عَدْلٌ ، ورجالٌ عَدْلٌ .
وعلى ذلك يكون عندنا في «الطاغوت» ثلاثة مذاهب :
المذهب الأول : أنه اسم مفرد كاسم الجنس يقع للقليل والكثير ، وهو مؤنث الأصل، وهو مذهب سيبويه( 8)، والأخفش في قول(9 )، والسيرافي(10 ) .
المذهب الثاني : أنه جمع وليس مفردًا ، وهو مذهب المبرد( 11) .
المذهب الثالث : أنه مصدر وليس بجمع، ويوصف به الواحد والجمع، ويذكر ويؤنث، والأصل فيه التذكير ، وهو مذهب الكسائي( 12)، والفراء( 13)، وابن السكيت( 14)، والأخفش في قول ثانٍ(15 )، والزجاج( 16)، والجوهري(17 )، والفارسي(18 )،وابن جني( 19)،وابن سيده(20 ).
ويشترك المذهبان الأول والثالث في أن «الطاغوت» اسم مفرد وليس بجمع ، وأنه يستعمل للقليل والكثير، ويوصف به الواحد والجماعة ، ويفترقان في أنه عند سيبويه مؤنث الأصل ، وعند الفارسي مذكر الأصل ، وإنما حمل على المعنى فأُنِّثَ .
ولذلك جمع بعض المعربين بين المذهبين وقال : «هو اسم يكون للواحد والجمع، ويؤنث ويذكر»(21 ).
وقال بعضهم: و«الطاغوت»: يذكر ويؤنث ، ويستعمل بلفظ واحد في الجمع ، والتوحيد والتذكير والتأنيث»( 22).
ويقول الجرجاني في ترجيح مذهب الفارسي :
«إن من لا يجعل «الطاغوت» مصدرًا على ما وصفنا ، وجعله جمعًا لم يخل من أن يقول: إنه اسم مفرد وقع موقع الجمع، أو يقول : إنه تكسير ، فإن قال : الأول فلا وجه أحسن من أن يكون مصدرًا؛ لأن المصادر من شأنها الوقوع على الجمع، وإن قال : إنه تكسير لم يجز؛ لأن هذا المثال لم يأت في الجمع بوجه ، فإن قال : إنه اسم لجمع الطاغي ، كان ترك الظاهر إلى ما لا يحتاج إليه، أعني أن الرهبوت والرحموت، والجبروت، والملكوت، والرغبوت، والهلكوت، وما أشبه ذلك مصادر كلها، وليس شيء منها بجمع ، فكذا يجب أن يكون «الطاغوت» فاعرفه»( 23).
ومذهب الفارسي هو الذي ذهب إليه أكثر المعربين بعد ذلك؛ كمكي(24 )، والزمخشـري( 25)، والباقولي(26 )، وابن الأنباري( 27)، والعكبري(28 ) .
ومذهب سيبويه وإن كان لا يختلف كثيرًا عن مذهب الفارسي ، إلا أن الأصول ترجح مذهب الثاني؛ لأن الأصل عنده في (الطاغوت) أنه مذكر، والأصل التذكير ، كما أن القياس يرجحه؛ لأن له نظائر كثير، مثل: جبروت، وملكوت، ونحوها ، والدلائل تؤيد مصدرية هذه الأسماء فجرى (الطاغوت) مجراها؛ لأن المصادر من شأنها الوقوع على الجمع .
____________________________-
( 1) [سورة الزمر: 17].
(2 ) الكتاب 2/22 بولاق، 3/240 هارون.
(3 ) الأصول 2/414 .
(4 ) [سورة النساء: 60] .
(5 ) [سورة البقرة: 257] .
( 6) عجز بيت صدره:*متَى يَشْتَجِرْ قَوْمٌ تَقُلْ سَرَوَاتُهُمْ* وهو لزهير بن أبي سلمى في (ديوانه 85 – تحقيق علي فاعور – دار الكتب العلمية – 1408هـ - 1988م) .
( 7) التكملة لأبي علي 145 .
( 8) الكتاب 2/22 .
( 9) معاني الأخفش 2/494 .
( 10) شرح السيرافي 4/11 .
( 11) الأصول 2/414 .
( 12) تهذيب اللغة 8/168 .
(13 ) المذكر والمؤنث 88 .
(14 ) تهذيب اللغة 8/168 .
(15 ) معاني الأخفش 2/494 .
(16 ) معاني الزجاج 1/340 .
(17 ) الصحاح 6/2413 .
( 18) التكملة 145 .
( 19) المحتسب 1/131 .
( 20) المخصص 17/28-29 .
( 21) مشكل إعراب القرآن 1/107 .
( 22) التبيان 205 .
(23 ) المقتصد شرح التكملة للجرجاني 1-810 .
( 24) مشكل إعراب القرآن 1/107 .
(25 ) الكشاف 5/296-297 .
( 26) كشف المشكلات 2/181 .
( 27) البيان في إعراب القرآن 1/169 .
(28 ) التبيان 1/205 .