فإذا دخلت ( ما ) المذكورة وطأت ما تدخل عليه من ذلك للدخول على الفعل " (23) وقد حذف من الموطئة لعمل النصب (ليت ) ولم يذكر من المهيئة لعمل الجر إلا ( رب ) .
8- جعل المرادي الكافة الواقعة بعد إن وأخواتها ورب وكاف التشبيه (وقل ) من الأفعال ولم يفرق بينها وبين المهيئة ؛ فالمهيأة كافة عنده ولكنها تدخل على الأفعـال ، جاء في الجنــي الداني :" أن ( ما ) تكون كافة وهي تقع بعد (إن ) وأخواتها ... وبعد ( رب ) وكاف التشبيه في الأكثر.. وقد جـاءت ( ما ) كافة أيضـا بعــد ( قل ) إذا أريـد به النفي "(24). وقال أيضا " أن تكون مهيئة وهي الكافة لـ (إن ) وأخواتها ولرب إذا وليها الفعل نحو أنما يخشى الله من عباده العلماء (25) و" ربما يود الذين كفروا "(26) فما في ذلك مهيئة ؛ لأنها هيئت هذه الألفاظ لدخولها على الفعل ولم تكن قبل ذلك صالحة للدخول عليـه ؛ لأنها من خواص الأسماء "(27).
وفي مجال آخر ذكر ما نصه " والتحقيــق أن المهيئة نوع من أنواع الكافة ، فكل مهيأة كافة ولا ينعكس "(28).
ومن النص الأخير الذي ذكره المرادي نستشف أن ليس كل كافة مهيئة عنده ، بمعنى أن دخول إن المكفوفة على الجملة الاسمية مثلا لا يعد من التهيئة بحال ، وإن كان الواقع يشير إلى عكس ذلك ؛ ذلك أن ( إن في حال عدم الكف عن العمل تكون داخلة على المفرد لتنصب الأول وترفع الثاني وفقا للمعيار النحوي المحدد لها ، ولكنها إذا ما كفت بدخول (ما ) عليها يكون دخولها على الجملة وهذا جانب من جوانب التهيئة للدخول .
9 - ذهب ابن هشام إلى أن (ما) إذا دخلت على إن وأخواتها والأدوات التي تكف عن العمل كبعض حروف الجر والأفعال تكفها عن العمل في حال جاء بعدها اسـم أو فعل ، وهو ما يستشف من الاستشهاد الذي ذكره على ما سيأتي بيانه.
جاء في مغني اللبيب " والثاني الكافة عن عمل النصب والرفع وهي المتصلة بأن وأخواتها نحو " إنما الله اله واحد "(29)" " كأنما يساقــون إلى المــوت"(30) وتسمـى المتلوة بفعـل المهيئة "(31)وفيه يظهر أن المهيئة عنده نوع من أنواع الكافة بدليل ذكره للآية الكريمة ؛"كأنما يساقون إلى الموت ".
هذا وقد حاول ابن هشام أن يجعل الكف عن العمل على ثلاثة أقسام (32): الأول الكف عن عمل الرفع وحصره بالأفعال الثلاثة (قل وكثر وطال ). وفي الحال تلك لا يدخلن إلا على جملة فعلية صرح بفعلها .
بمعنى أن الفعل (قل ) في التركيب :
صددت فأطولت الصدود وقلما
وصال على طول الصدود يـــدوم (33)
من جهة الشكل لا يكون مكفوفا عن العمل باعتبارات القاعدة التي ذكرها ابن هشام ولكنه من جهة أخرى حاول أن يتأول البيت السابق وان التقدير فيه على رأيه : وقلما يدوم وصال .
أما الثاني ، فهو الكف عن عمل النصب والرفع ، وقد جمع النصب والرفع هنا ؛ لأنه خاص بالأدوات التي تشبه الفعل والتي تنصب الأول اسما لها وترفع الثاني خبرا لها ، وقد حصر هذا القسم بأن وأخواتها في التراكيب ( إنما ، أنما ، لعلما ، كأنما ، ليتما ، لكنما ) .
واما القسم الثالث فهو الكف عن عمل الجر ويحصل بحروف الجر والظروف أما الحروف فجعل منها : رب والكاف والباء ومن ، في التراكيب : ربما وكما وبما ومما . واما الظروف فحصرها بـ( بعد ) في بعدمــا و(بين ) في ( بينمـا) و( حيث ) فـي ( حيثما ) و(إذ ) فـــي ( اذما ) . وجعل الكف في حيث وإذ ، مضمنا لهما معنى الشرط .
10 - ومن الظريف ما ورد عن السيوطي في الأشباه والنظائر إذ قال " نظير (ما ) في كفها إن وأخواتها ، اللام في : لا أبا لزيد ولا غلامي لعمرو ، في أنها هيأت (لا ) للعمل في المعارف ، ولولا وجودها لم يكن لـ( لا ) أن تعمل "(34). وقال في موضع آخر : أن من مواضع ( ما ) :(( أن تدخل على إن الشرطية فتهيئها لدخول نون التوكيد على شرطها نحو : (( فإما ترين ))(35).
ومن ذلك نستنتج :
أ. أنه لم يفرق بين المهيئة والكافة بدليل أنه شبه اللام في لا أبا لزيد ولا غلامي لعمرو بما المتصلة بأن وأخواتها الكافة عن العمل مع إمكانية جعل الأولى مهيئة لا كافة .
ب. انه توسع في مفهوم التهيئة - إذا صح التعبير- ليجعله شاملا لـ (إن ) الشرطية المتصلة بـ(ما ) واللام الداخلة على المعــارف من دون ارتباطها بما .
المبحث الثاني: مظاهر الشكل والمضمون
اتسمت ظاهرة الكف عن العمل في معالجات النحاة بالجانب الشكلي البحت .والمصطلح الموضوع لهذه المادة ( الكافة أو المهيئة ) مرتبط ارتباطا وثيقا بالجوانب الشكلية المشار إليها ، وهو أمر يمكن أن يفهم من المدلول اللغوي لمادة ( كف ) ومادة (هيأ ) والذي لم يخرج بعيدا عن المدلول الاصطلاحي لهذه الظاهرة .وسأحاول في هذا المبحث أن اعرض للجوانب الشكلية التي ذكرتها وعلى النحو الآتي :
1ـ رأى النحوي أن المبتدأ والخبر مرفوعان ، فإذا ما دخل عليهما شيء من إن وأخواتها تغير الأمر فأصبح المبتدأ منصوبا والخبر مرفوعا ، ولعله باق على رفعه ( 36 ) . ولم يحاول النحوي أن يعالج ذلك بحدود النسبة وتغيرها أو انتفائها بل حكم بأن إن تنصب الأول وترفع الثاني ، وهذا حكم عام إذا ما حصل خلافه فلابد من عله أوجبت ذلك .
ولما رأى أن الحكم المتقدم ( النصب والرفع ) يتغير في حال دخول ( ما ) أو ما حمل عليها حكم بأن السبب في التغيير المذكور هو ( ما ) هذه ، وقال بعدها أنها كافة عن العمل . والابلغ من هذا أن ( ما ) تكف أيضا ؛ لأنها تعمـل أيضا إذا مـا كانت حجازية ، وعليه فان تركيبــا من نحو ( إنما ) يعرب عندهم : كافة ومكفوفة ( 37 ).
2ـ المعتاد في قوانين الحدود النحوية أن ( إن وأخواتها ) تنصب وترفع فهي عامل من العوامل اللفظية المعروفة ، والمرفوع بعدها محمول على الفاعل ومنصوبها محمول على المفعول ( 38 )، والفاعل والمفعول كيانان اسميان ولذا تجدهم إذا ما جاء الفاعل جملة والمفعول كذلك يقولون هما في محل رفع أو نصب فاعل أو مفعول ( 39 ) وكأنمـا مشـروط عليهم أن يقــولوا بلفـظ ( في محل ) .
والذي يهمنا من ذلك حكم النحاة على أن وأخواتها بالدخول على الأسماء ؛ لأنه سيضطرهم للقول ـ في حال مجيء الفعل بعدها ـ بأنها مكفوفة عن العمـل أو مهيئة ، ولم يحاول النحوي دراسة التركيب الجديد وبيان المعاني المستفادة من هذا التغير فـ ( إن ) باعتبارات التركيب غير ( إنما) .
3ـ اعتدنا على أن حروف الجر تجر ما بعدها والعلامة الشكلية الموضوعة لذلك الكسرة ، وإن كان مصطلح الجر المشار إليه لا يدل على هذا الأمر ؛ ذلك أنه مأخوذ من مـادة ( جر ) التـي تعني ( السحب ) أو ما شابه ذلك من المعاني ، ولذا قالوا : بأن حروف الجر تجر معاني الأفعال إلى الأسماء فهي موصلة للأفعال الضعيفة ـ على حد اصطلاحهم ـ لمفاعيلها ( 40 ).
وقد يصطلح عليها حروف الخفض ( 41 ) وهو مصطلح مأخوذ من أوضاع الشفقة في حال النطق بالمكسور وانخفاضها إلى الأسفل. وتحكم القاعدة او المعيار الموضوع لهذه المادة اللغوية بأن ما بعدها اسم خاضع لعملية الجر او الكسر , فلو جاء بعدها اسم مرفوع وليس من عادة حروف الجر أن يقع بعدها هذا , قالوا : بأنه كف عن عمله .
وكذا لو وقع بعد الحروف المذكورة فعل , والفعل لا يمكن له أن يجر بالاعتبارات الشكلية المعروفة , وان كان المعنى خلافا لهذا , لان حالة الجر , أو قل حالة الإضافة هي جانب معنوي أكثر منه جانبا شكليا لو وجدوه كذلك قالوا بان حرف الجر كف أو هيئ للدخول على الأفعال , وليس من شيء يسبب ذلك إلا هذه الأداة التي دخلت عليه وغيرت طبيعته المعتادة وهي ( ما ) او ما حمل عليها , ولذا قالوا بأنها كافة , ولم يحاول النحوي أن يخرج عن هذا المألوف ويبحث في جوانب المعنى الذي اخذ حيزا جديدا .فتركيب من نحو ,(رب), يختلف من حيث المعنى عن تركيب (ربما) وسيأتي بيان ذلك ويمكن أن نلاحظ الأسباب ذاتها في حال مجيء الظرف او الجـــار والمجرور بعد الحـــرف ( أريد حرف الجر) , كما لو قلنا : هذا فخور بما عنده, وذاك فخور بما هو عليه .
4- ما بعد الظرف مضاف وهذا معيار اعتدنا عليه والعلة في ذالك شبه الحرف من جهة المعنى وحاجته لإتمام معناه للمضاف إليه , فلو وقع بعده اسم مجرور فيها وان لم يقع كأن يأتي الاسم مرفوعا أو جاء بعده فعل علينا أن نبحث عن العلة الموجبة لذلك . ولذا قال النحوي في تركيب من نحو
........ بعدما .. أفنان رأسك كالثغام المخلـس ( 42 )
و: حيثما نستقم يقــدر لك الله نجاحـــا في عابــر الأزمان ( 43 )
أن ( بعد ) و( حيث ) مكفوفان عن العمل وعلة ذلك دخول ( ما ) الكافة عليهما .
ولا أريد أن أنكر دور الجانب الشكلي المتمثل في المواضع التي أشرت إليها وفائدته في الدرس النحوي ولكني سأحاول هنا البحث عن المعاني المؤداة من التراكيب التي أصطلح عليها بـ ( مكفوفة أو مهيئة ) وعلى النحو التالي :